العاهرة


 

غمزت له بعينها، تظاهر أنه يتحدث في الهاتف خلال سيره نحوها، توقف بقربها، خطت نحوه، هو لا يحب هذا المكان قرب محطة القطارات، هنا كائنات من نوع أخر، من عالم مشحون بالعنف والبؤس. هي تبدو مختلفة، ناعمة ومغرية، تبسمت منتظرة تحيته، تشجع لتحيتها.
أبتسم لها :ـ مساء الخير، أنت وحدك أم تنظرين أحداً؟ أيمكننا أن نتحدث قليلاً؟
ردت :ـ مرحباً، أنا وحدي وليس لدي ما أعمله..الليلة هادئة رغم أن الطقس جميل..نعم يمكننا أن نتحدث ونتنزه معاً.
عرض عليها الذهاب معه إلى حانة بعيداً من هنا.
لم تمانع، في الطريق أخبرته أنها عاهرة وخصوصاً نهاية الشهر.
بدت خجولة عندما قالت :ـ أنا عاهرة وأنت؟
توقف معتذراً وكأنه غير مصدق.
قال :ـ عفواً ماذا قلتي؟
ضحكت مؤكدة عبارتها :ـ نعم أنا عاهرة خصوصاً في النصف الثاني من الشهر..ليس لدي إلا بعض المساعدات، لذلك أخرج إلى الشارع لتقديم خدماتي.
أعتذر لها بأنه ليس الزبون المناسب ثم شرح بقوله :ـ أرفض اللذة مقابل المال، نعم للذة مقابل لذة، شراء المتعة بالنسبة لي قمة القبح..جسد المرأة مقدس ..يصعب لي أن أفهم كيف يمكن أن تكون ممارسة مدفوعة الثمن؟
أبدت إعجابها به وبكلامه.
ردت بقولها :ـ الدعارة أقدم مهنة في التاريخ..كلامك طيب لكن الكلام لن يمنحني المال لشراء الكيف الذي أحتاجه ولن يشتري هداياء لاطفالي الذين يعيشون لدى عائلات بديلة كفلتهم بأمر المحكمة لعدم أهليتي كأم.
عرف أنها مطلقة وطليقها هو الآخر في الشارع كونه مدمن كحول، هي تخافه وتنتظر من الحياة الاسوى فربما تكون نهايتها بسبب جرعة هروين فاسدة أو طعنة في الظهر من يد طليقها المتشرد.
أحسّ بالخوف، أخبرها أنه كاتب، مالت نحوه مترجية أن يكتب قصتها لآنها تحوي تراجيديا محزنة.
قالت :ـ أنا ولدت شبه يتيمة، أتذكر أنا أبي كان يضرب أمي ويهينها..الآن لا أعرف تفاصيل وجهه ولم أحسّ به كأب حتي لقبي منحته لي سيدة تكفلت بي لكنها ماتت ونقلوني إلى دار الرعاية الاجتماعية، عندما بلغت الخامسة عشر خرجت إلى الشارع وتعرفت على أب أطفالي كان هو الآخر في الشارع ومهاجر غير شرعي، طلبت منه أن يجعلني أحبل كي أخرج من الدار وأحصل على سكن ومساعدات وهو سيحصل على الوثائق وفعلاُ فعلناها، كنت بين فترة وأخرى أخرج إلى الشارع كان يأخذ المال ويضربني لذلك تركته بعد أن نفذ صبري لا أريد أن أكون نسخة من أمي.
أعجبته الفكرة، كان يستمع إليها ويرى أمامه المشاهد الدرامية حية، حاول التغلب على مخاوفه، قبلت أن تقضي معه ساعات الليل في الشارع دون أن تشرط المقابل المادي.
في الحانة بدت مضطربة، فهي من عشاق الحشيش وكل أنواع المخدرات لكنها لا تستلذ الخمر ولا الأمكن التي يكون فيها الناس.
طلبت منه الخروج من الحانة، هي تعرف مكاناً هادئاً بوسعهما التدخين والحديث ولن تمنعه من مداعبات جريئة.
فور وصلهما المكان أشعلت لفة الحشيش، شاركها قليلاً، أخذت يده أكثر من مرة إلى مواضع ساخنة من جسدها، هذا الجسد لم يفهمه أو يقدسه أحد، طالبي المتعة يكتفون بتفريغ شهوتهم فيه، يأمرونها أن تفعل ما يريدونه، يأخذون مآربهم ثم يتركونها في الشارع حيث وجدوها.
الشوارع أوطانها، تقدسها، لديها غرفة بائسة تعود إليها لتنام ساعات قليلة ثم تعود إلى الشارع، تحدثت عن الوضع المعيشي الصعب للناس، شاب حديثها نبرة قلق.
لكنها تضحك بسخرية قالت:ء لم تعد الناس كما كانت تملك المال وتنفقه في الملذات، قليلون من يحترم العاهرات هنا ويفي بوعده عندما يحتاج إليهن، حدثت مصائب كثيرة لزميلاتي ..أصبحت أتمعن وأتفحص الزبون، أفضل الزبون الطيب ولا أهتم كثيراً بالسعر هناك من يقبل منا بالقليل..المهم أن تعود الواحدة سالمة.
رغم كل المخاطر تظل مستسلمة لقدرها، لا يبدو عليها لوئم العاهرات وشبقهن المادي، عيناها تخفي أسرار كثيرة، من حين إلى أخر تُخفض رأسها، ثم ترفعه، تغض على طرف شفتيها، تبللها باللعاب، تحدق في طرف سقف السماء للحظة، تظنها كمن يؤدي طقساً تعبدياً، لم تجرب أن تنادي الله أو تعاتبه ولم تحقد عليه، حكت له كل هذا، تخلل حديثها ضحكات ساخرة ولحظات صمت أحسّها كمن يضيع من زمانه أو أنه مع شخصية أفلتت من تراجيديا يونانية قديمة.
ميلاني ..تختلف عن بقية بنات الليل، هو لم يجرب أن يتحدث لواحدة، ذات مرة دعته واحدة تعرض خدماتها لكنه رفض وهرب كطفلٍ مذنبٍ يخاف أن يراه الناس.
مرت الساعات سريعة، عليه العودة إلى بيته.
تبسمت متفهمة :ـ يمكنك أن تذهب لبيتك، لن أسالك عن حالتك الاجتماعية..أعدك أن لا أقترب منك لو رأيتك مع زوجتك أو رفيقتك، أنا أحترم زبائني ومنهم من له عائلة أو رفيقة..أنا أجلب السعادة لهم وليس المشاكل.
سألها :ـ ألا تفكرين بترك هذه المهنة الخطيرة؟ ألا ترغبين بأن يكون لكِ صديق أو عشيق؟
ضحكت، صمتت للحظات، تغيرت ملامح وجهها، ظللتها غيمة من الحزنت، تنهدت، ظل يتأمل هذه التغييرات، للحظة تذكر تلك العاهرة في ” الجريمة والعقاب” رائعة دوستويفسكي، سونيا قادها قدرها أن تكون جسد عاهرة وصاحبة روح قديسة في نفس الوقت، ميلاني ربما تعيش في زمن مختلف عن تلك الحقبة التي عاشتها سونيا، لكن ثمة تشابهات ظل يحاول أن يبحث عنها، ميلاني أيضاً تتسامح مع الجميع لا تبدو حاقدة على أبوها السكير والمقامر ولا على أمها التي ماتت في حادثة، لم تبدي حقدها ضد المجتمع ولا القانون ولا زبائنها.
عادت ميلاني لتبتسم وردت على سؤاله.
هي :ـ أنا لا أعمل أفعال شريرة ولا أدري إن كنت تراني ساقطة ومذنبة، أنا أسعد العشرات من عملائي..
أشعلت لفة من الحشيش، أخذت عدة أنفاس ثم ناولته ليأخذ نفساً ثم أعادها، لها، أكملت التدخين، رفعت طرف فستانها، أخذت يده وضعتها بين فخذيها، تبسمت ثم أكملت ردها.
هي :ـ يأتي الكثير من الزبائن وهم يشعرون بالملل من الحياة أو حياتهم العائلية أو يريدون كسب مهارات جنسية ومنهم من يكون في رأسه فانتازيا جنسية أو كبت أو لمجرد قضاء ساعة مرحة وأحيانا مجرد صدفة..أنا أحقق لهم كل هذا..يأخذون ما يحبون، أنفذ رغباتهم الغريبة أحيانا..أستمع لحكاياتهم ويضعون أسرارهم في صندوق أسود..ألا ترى أني أخدم المجتمع.
هنا لا يدري كيف وصلت يده إلى ما تحت سروالها، أحسّ بسخونة المنطقة، سمح لها أن تمد يدها لتعبث بأشياءه الذكورية، أمسكت بذلك الذي وقف لمصافحتها.
نظرت إليه، ما يمنعه أن يكون أكثر لطفاً هو صفة عاهرة أو أنه لا يقبل أن يدفع ثمن لذة عابرة، سحب يده بهدوء ثم أبعد يدها بلطف.
سألته :ـ لو تحب توجد زاوية قريبة هناك عند موقف السيارات لذلك الفندق وهي مكاناً مناسباً لفعل ما تحب ساهتم بك لا تقلق..لا أريد أي مقابل، يكفي أنك ستكتب قصتي.
قاطعها مبتسماً، رد متلعثماً :ـ أنتِ جميلة ومغرية. لكن هذه الطريقة والمكان والزمان..بما لماذا لا ؟ في وقت أخر، أظن الوقت متأخر الآن ويجب أن أعود للبيت قبل أن تفوتني الحافلة الأخيرة ..أأ أيمكننا أن نلتقي غداً؟
أبتسمت قائلة :ـ ستجدني بالشارع لا أستطيع أن أعدك أو أضمن حياتي إلى الغد، ربما يقتلني طليقي أو زبون مريض نفسياً أو أحدى زميلاتي، هن والقواد ينقدوني لآني أقبل بأي سعر وأخالف قوانين المهنة…كثيرة هي الكوابيس التي تروادني أرى فيها موتي قبيحاً هو قدري أنتظره ولا أفر منه ولذلك أحتاج إلى المخدرات تمنحني لحظات غياب وأحلام جميلة وكاذبة
رافقته ليأخذ لموقف الحافلات وظلت مسافة قصيرة تفصلهما خلال مسيرهما، وصل الحافلة، أسرع بالصعود، تغيرت أحوال الطقس، السماء تسكب ماءها قطرة قطرة، لمح أحدهم بطرف الشارع يشير إليها، رسمت على وجهها ابتسامة مغرية، توجهت نحوه بخطوات هادئة.
في اليوم التالي بحث عنها في الشوارع، لم يجدها، لم يعرف أسمها، دخل إلى أحدى الحانات، جلس بزاوية هادئة، كانت الجريدة المحلية على الطاولة، أمسكها بيده، تصفحها، في الصفحة ما قبل الأخيرة، وقع بصره على صورتها، في مربع صغير وبخط صغير يقرأ (الضحية عاهرة .التفاصيل قريباً)، أحسّ بالصدمة، ظلت يده ترتعش وهو يحاول أن يجد ويكتب عنواناً لقصتها.

لا تعليقات

اترك رد