المدينة : الاكتشاف الأعظم في تاريخ بلاد النهرين ،، ج٤


 

قبل الاستطراد في سرد قصة نشوء المدن لابد من الإشارة الى امر مهم ؛ ان المدن لم تنشأ فجأة جراء قرار اتخذه السكان ، وهي لم ترتبط من حيث النشأة بتاريخ محدد قاطع ، بل جاءت في نهاية سلسلة طويلة من تراكم الخبرات الانسانية في مجال ادارةٍ شؤون العيش وما ينجم عن ذلك من تطور ادوات تحصيل هذا العيش الى جانب تطورات المناخ التي لعبت دوراً كبيراً في تحول البشرية تدريجياً من التجوال والصيد وجمع الثمار الى الاستقرار والزراعة وتربية الحيوانات لاغراض شتى . هنالك تداخل بين المرحلتين ، وفي الوقت الذي كانت بعض بذور المدن تنمو جنوبي العراق كانت ماتزال مجاميع بشرية اخرى كبيرة تُمارس اساليب العيش القديمة ( القرى والمستوطنات ) في الاقليم الواسع الى الشمال والشرق والغرب بسبب اختلاف الظروف المناخية وموارد المياه والتباين في مدى التقدم المُحرز في تطور الأدوات ؛ قصتنا في هذه المرحلة تدور في مجرى الألفيتين الخامسة والرابعة قبل الميلاد حيث اختلطت أنماط العيش وفق ماذكرنا من توصيف .

مازلنا حتى اواخر الألف الخامس واوائل الألف الرابع قبل الميلاد في مرحلة ماقبل التاريخ الموثق ، ومايخبرنا به التاريخ هو استقرائنا نحن لما خلفه إنسان تلك المرحلة من بقايا الأدوات والمباني وشظايا الفخار وغيرها ، ورغم ذلك فان هذه القراءة تتسم بدقة كبيرة وفقاً لمعايير منطقية واُخرى تتصل بما تم تجميعه من خبرات من خلال الوثائق المكتوبة بعد اكتشاف الكتابة .

انتهت المرحلة الانتقالية بين عصر المستوطنات والقرى الكبرى اواخر الألف الخامسة قبل الميلاد وكان حلول الألف الرابع بمثابة انقلاب كامل في التاريخ في جنوبي العراق الذي بدات تنحسر عنه المياه من ناحية تطور نمط العيش وادارته المشتركة ، وقد تم التمهيد له منذ فترة لاتقل عن عشرة آلاف عام سبقت ذلك ؛ تراكمت كميات هائلة من الخبرات لدى البشر الى الحد الذي لم تعد القرى الكبرى والمستوطنات الدائمة او المؤقتة قادرة على استيعاب الطاقات الجديدة التي وفرها تراكم المعرفة في أنماط وتقنيات التعامل مع الطبيعة من اجل تأمين العيش ، وجاءت المدينة كأهم إنجاز معرفي في ميدان تنظيم الاجتماع الإنساني ، وكان ابطال هذا الانجاز الإنساني – التاريخي هم قوم لايعرف على وجه التحديد اصلهم العرقي او موطن قدومهم او وقت هذا القدوم الى جنوبي العراق .. انهم السومريون بناة الحضارة المدينية الاولى في التاريخ والتي لاتضاهيها في عظمتها وسبقها سوى حضارة مصر القديمة .

لقد شكلت صورة المشهد على الارض خلال تلك المرحلة جملة عوامل أهمها هو التغير المناخي العام حيث زادت حدة الجفاف جراء تراجع معدلات الحرارة وَقّاد ذلك الى اضطراب مواسم الأمطار وتدني مناسيب المياه في الأنهار وانحسرت المياه عن مناطق واسعة كانت مغمورة بالمياه في وسط وجنوب العراق ، مما استدعى فتح قنوات لجلب المياه اليها وهو عمل كبير يحتاج الى تنظيم وسلطة تقوم به ؛ هجرت المستوطنات الصغيرة وتحولت بعضها الى مواقع تجمع فيها على مرور الزمن السكان النازحين من المناطق الشمالية باتجاه الجنوب ، واستمر هذا الوضع حتى حلول مرحلة اوروك اوائل الألفية الرابعة . لقد اختلط السكان الوافدون بالسكان الأصليين في جنوب بلاد الرافدين ولاتوجد اثار تدل على اي عنف صاحب تلك المرحلة ( Roux 67 – 68 ) .

جاء هذا التغير في المناخ في أعقاب ألفي عام من الدفيئة والرطوبة وهي الفترة التي حلت فيها الزراعة وتربية الحيوانات الداجنة مصدر العيش الأساسي . لقد اتبتت الزراعة المعتمدة على الري ومياه الأنهار انها الوسيلة الأفضل لتأمين وفرة من المحاصيل ، وقد سادت جنوب العراق بكامله تقريباً ، وكان ذلك مدعاة لنزوح السكان باتجاه الجنوب من الجبال وسفوحها التي تأثرت بالجفاف الناجم عن تغير المناخ الى وادي الفرات الجنوبي .

لقد كان الجزء الجنوبي من العراق مسكونا. لفترة طويلة قبل ذلك وربما كان بعض سكانه من السكان القدماء خلال فترة سامراء التي عرفوا خلالها الري في منطقة وسط دجلة وفي منطقة مندلي ( Roux 66 ) .

كل هذه التطورات والمتمثلة بتراكم لاينفطع للخبرات وتغيرات مستمرة في المناخ شهدها الألف الخامس ق.م. قادت الى إفراز نمطين متميزين في حياة المجتمعات الانسانية وهما : الريف والحضر ، وقد جاء ذلك في أعقاب سيادة نمط الزراعة والرعي والاستقرار كموارد لتأمين المعيشة . في هذه الفترة ولدت اولى المدن ، وما يتوفر من معلومات يشير الى ان اول المدن كانت هي المدن السومرية في جنوبي العراق ؛ هل كانت هذه المدن قد أقيمت على أنقاض مستوطنات يقطنها أهالي جنوبي العراق الأصليين ؟! لا يوجد جواب قاطع ، ولكن من الواضح ان السومريين قد قدموا المنطقة وهي ليست خالية وربما أهلتهم خبرات ومهارات معينة ليصبحوا العنصر السائد ، علماً بانه لاتوجد اثار تدل على انهم دخلوا في صراعات عنفية مع السكان ، كما تفيد المعلومات التشريحية ان الجميع انصهروا في عرق يسمى عرق شرقي المتوسط .

اريدو … أم المدن واقدسها
ولدت اريدو ، وهي تسمية ليست سومرية كما يبدو ، على أنقاض مكان للعيش سبق قيامها وسبق قدوم السومريين ؛ هي ربما تكون ام المدن وأولها وتقع وسط الماء على اطراف الصحراء الغربية جنوبي العراق، لتجتمع فيها كل التطورات التي ذكرناها والمعرفة التقنية التي راكمتها الانسانية حتى ذلك الحين ، واستغرق ذلك الألف الخامس قبل الميلاد ، وهي تعتبر جنة عدن وادي الرافدين . استغرقت ولادتها معظم التاريخ الذي تكلمنا فيه حتى الان . فيها اجتمعت في نهاية الامر كل ابداعات البشرية في اقليم الوادي الخصيب وبلاد الرافدين ؛ تعتبر اريدو في الأساطير البابلية بداية الخلق على الارض التي خرجت من تحت المياه ( Leick 1 ) . انها مدينة السومريين الاولى على مدى الألف الخامس قبل الميلاد ولذلك ظلت مركزاً مقدساً رغم قيام مدن عديدة اخرى تجاوزتها في الحجم والقوة والثروة .

في سياق التطور التاريخي الذي ادت اليه حركة الاستيطان البشري والتحول الى مرحلة انتاج القوت والرعي تمثل اريدو البداية الاولى لنوع جديد من الاستيطان تعارفت الانسانية على تسميته بالمدينة ؛ في المدينة تنشأ سلطة ما لادارة الحياة العامة للمجتمعات البشرية المرتبطة بها ، سواء كانوا من ساكنيها او من ساكني الكويكبات الأهلة المحيطة بها وهي مجاميع من القرى والمستوطنات الكبيرة التي تعارفنا بعد ذلك على تسميتها بالريف . لايمكن القطع بانها المدينة الاولى بسبب عدم استكمال التنقيبات الآثارية ولكن اريدو وبقية المدن السومرية الاولى تمثل كيانات وهياكل تنظيمية انسانية متقدمة على كل انواع الاستيطان الإنساني الذي نعرفه خلال تلك الفترة وماسبقها ، وربما تكون اريدو من بينها هي التطبيق الاول لمفهوم المدينة كما نعرفها اليوم بما تمثله من بنى تنظيمية وفكرية .

في اريدو تم العثور على اقدم معبد استخدم في بنائه الطابوق الطيني المجفف ويعود تاريخه الى حوالى ٤٩٠٠ ق . م . فيما يُعتقد ان المعابد انذاك كانت تشيد من القصب . بلغت مساحة معبد اريدو حوالى ثلاثة أمتار مربعة وظل هذا المعبد خاضعاً للتجديد والتوسيع ليصبح اكثر فخامة على مدى حوالى الف عام لاحقة .

في اريدو تم العثور على بقايا اواني فخارية في غاية الجمال وتوحي تميز بعض البقايا بوجود واقع اجتماعي طبقي ، وقد وجدت مثيلاتها في بقية أنحاء الاقليم المجاورة ( سوريا – الهند – ايران – تركيا – مصر ) وهو امر يشير الى وجود شبكة تبادل تجاري نشط ، كما ساد نمط الاستقرار البشري والزراعة الإروائية والبستنة وتربية الحيوانات اضافة الى دخول موارد النهر السمكية كعنصر رئيسي في الاستهلاك الغذائي ( Leick 9 – 10 ) .

تكمن أهمية المعبد وظهوره كمركز للمدينة في دلالته الرمزية كخطوة متقدمة تقطعها البشرية نحو تشكيل المعرفة الانسانية بماحولها وخاصة قضية الوجود والحياة والموت بشكل مؤسسي راسخ . لقد كانت اريدو مؤشراً على بداية ظهور شخصية بلاد الرافدين المتجهة بشكل حاسم نحو التمدين وهو سيأخذ اشكالاً اكثر تقدماً وأوسع نطاقاً في المرحلة اللاحقة ( يسميها الآثاريون بالعصر الحجري الحديث ) .

اضافة الى تجسيد الدين في صيغة بناء فقد ظهرت افكاراً واضحة حول الوجود والحياة . Abzu هو مصدر جميع المياه وهي موطن الاله Enki وتبعيته من آلالهة الصغيرة ( Leick 9-10 ) .

ان مرحلة اريدو ، وهي تتداخل مع مرحلة تل العبيد في الشمال ، هي صلة الوصل الاولى في سلسلة الحضارات اللاحقة ( Hala 4 ) . غير ان اريدو لم تكن الوحيدة في بلاد الرافدين ، ولم تكن هذه البلاد هي الوحيدة في الاقليم الواسع المحيط والممتد من الهند الى مصر مروراً بالأناضول ( Bernal 13-14 ) . لقد كانت حضارات الهند والنيل وبلاد الرافدين على صلة ببعضها وفي حالة تفاعل دائم منذ وقت مبكّر { عولمة مبكرة ! } اكثر مما قد يتصور الكثير من المؤرخين . ان خطوط التجارة مع مايصاحبها من انتقال للأفكار وأنماط العيش كانت قائمة بين هذه الاقاليم الثلاثة وساعد على ذلك تماثل نمط العيش بحكم كونها حضارات نهرية ( Hala 2 ) ؛ لقد وجدت الكثير من ادوات الحضارة وثمارها المشتركة ، والتي تعود لفترات متزامنة ، في بلاد الرافدين وحضارة وادي النيل مثل الفخار والزراعة المروية وتربية الحيوانات المدجّنة ، وفي هذا الشأن توجد ادلة قاطعة على روابط متينة كانت قائمة بين حضارات شرقي المتوسط وحضارة وادي النيل خلال عهد حضارة النقادة المصرية وماسبقها منذ اوائل الألف الرابع قبل الميلاد . لقد تفاعلت هذه الحضارات مع بعضها وأغنت بعضها البعض مادياً وثقافياً ولغوياً منذ وقت ابكر مما تصورنا حتى وقت قريب ( Hala 2-3 , Bernal 15 ) . ان الحضارة المصرية قد بنيت على أسس تعود لثقافة ماقبل عصر السلالات لمصر العليا والنوبة والتي لاجدال في اصلها الأفريقي ، ورغم ذلك فإن تأثير حضارة بلاد الرافدين واسع النطاق واضح في الحقبة الاخيرة لعصر ماقبل السلالات ، وليس هنالك شك في ان توحيد وتأسيس مصر السلالات في حوالى ٣٢٥٠ قبل الميلاد قد اطلقتها التطورات في الشرق . ان المزيج الثقافي متشابك في الصلات اللغوية والثقافية بين مصر والمكونات السامية الاساسية لحضارة بلاد الرافدين ( Bernal 15 ) .

لقد انتشرت العديد من المدن خلال هذه الحقبة حول موارد المياه من شمالي ووسط وجنوبي العراق ، لكن اريدو تميزت على ماعداها من المدن لأكثر من الف عام والسبب في ذلك لايعود الى كونها الأغنى او الاقوى ولكنها نشأت لتكون مركزاً مقدسات ومحوراً لثقافة ذلك العصر ، وهذا يعكس بدوره مدى النضج الحضاري لسكان بلاد الرافدين في تلك الحقبة المبكرة من تاريخ الحضارات الانسانية لانها تعبر عن تجاوز سكان بلاد الرافدين متطلبات العيش والبقاء الى مرحلة التسامي الفكري وبداية البحث الجاد عن اجابات تتصل بالكون والطبيعة والوجود ومكانة الانسان فيها ، وسيأخذ ذلك اشكالاً اكثر عمقاً في المراحل اللاحقة مع بداية نشوء الممالك التي جمعت عدداً من المدن تحت سلطانها ؛ تلك ستصبح مرحلة اوروك التي بدات تنمو معها هوية عامة اصبحت تسود بلاد الرافدين شيئاً فشيئاً . لقد ساعد على نشوء ذلك تنامي حركة التبادل التجاري بين المدن العراقية جراء تزايد حجم الانتاج الزراعي والحرفي وتمايزه النوعي حسب المنطقة ، وقد ترجمت هذه الهوية الجنينية نفسها في تزيين الفخار ومواد اخرى ذات قيمة حرفية عالية تم إنتاجها في الشمال والجنوب بشكل متزامن ( Leick 14 ) .

لقد اصبحت بلاد الرافدين منذ ذلك الوقت المبكر ذات شخصية ثقافية واقتصادية موحدة ( Roux xxvi ) ، لقد أفرزت حقائق الجغرافيا نوعاً من الشعور بالانتماء الى السهل المركزي لدى سكان البلاد التي تطوقها من الشمال والشرق جبال الأناضول وايران ومن الجنوب الخليج العربي ومن الغرب الصحاري الفسيحة الممتدة . هذا السفح الرسوبي والمحاط بالجبال والصحاري والبحار شكل مركز العالم المأهول انذاك ووسطه قامت اريدو لتمثل مركزه الفكري وتولد شعور لدى سكان البلاد بان كل ماهو خارج عن الطوق المحيط هو اجنبي وغريب ومابعده البلاد التي تاتي منها الحيوانات الغريبة والمواد المستوردة وتسكنه أقوام فظّة ( Foster 5 ) .

لقد تجاوز الشعور بالوحدة والتفرد لدى سكان الاقليم الأُطر السياسية المتمثّلة بوحدات الادارة المحلية في بواكير نشوئها لان هذا الشعور ظل باقياً بالرغم من انهيار الممالك التي بسطت سلطانها على البلاد في المراحل اللاحقة ، لكن الشعور بالوحدة والتفرد تجاوز ذلك وظلت التعاملات التجارية والاقتصادية تتجاوز الانقسامات السياسية وتمكن العراقيون من ادامة هذه الوحدة من خلال النصوص الكتابية ؛ امنت الكتابة استمرار الزخم الحضاري والثقافي للبلاد رغم كل الظروف ، بل ان اللغة المكتوبة اتاحت لكل الاكتشافات الحضارية في بلاد الرافدين ان تزدهر وتنمو بالشكل الذي صارت عليه من ازدهار اقتصادي وسياسي متعاظم بحيث اصبح يعتبر عن حق بداية التمدن البشري ( Bernal 12 ) .

رغم تعدد مراكز التمدن ومواقعه في الألف الخامس قبل الميلاد الا ان ظهور اوروك مطلع الألف الرابعة وتميزها يؤشر دخول مرحلة جديدة من تاريخ البلاد جوهرها الانتقال من دويلات المدن الى مرحلة الدولة العراقية الموحدة التي غطت معظم جغرافيا العراق الحالية .

من الناحية المادية لاتعتبر اوروك تطوراً نوعياً في تاريخ السومريين بل شهدت تسريعاً وتركيزاً لنمط الحياة القديم الذي أنتجته اريدو واخواتها وتحقيقاً لإمكانيات كانت كامنة مع اتباع مسارات اكثر دينامية ، ويبدو ان السومريين قد أتموا حركتهم باتجاه الجنوب ( Foster 16 ) .

( يتبع )

لا تعليقات

اترك رد