سبايا دولة الخرافة : تشظيات الإرهاب والبُعد الثقافي

 

مـــدخل
يعدّ المضمار الروائي من الأمور المشوّقة إن كان يحمل بين طياته هدفاً واحداً ، تتداخل فيه التجاذبات السردية التي يستطيع الروائي الناجح أن يلمَّ بها ، حيث يبدأ بشدّنا شيئاً فشيئاً في أتون العقد الداخلية والخارجية ، التي قد تختلف باختلاف النمطية المتبعة من لدنه ، ( سبايا دولة الخرافة ) رواية وطن مثخن بجراحات ، لم يضمدها إلا اصرار الانسان العراقي في محاولة بثّ شحنات الأمل بالبقاء والعيش رغم الظروف الصعبة التي يمرّ بها ، فمعترك الحياة اصبح يحمل واقعاً ممغنطاً بالتراكمات السالبة ، والتي أحيتها مناخات جوّ ، استطاعت أن توفر له ظروفاً تشابكت بالحبكة المائزة بالقوّة والمتانة السردية ، لتتزاحم في بوابة الهمّ الحياتي الذي انفلت من ايقونة التحدّي والصعاب .
بطل رواية ( سبايا دولة الخرافة ) لم يك من نسج خيال ٍ ، بل هو ( اسحاق ) ذلك الإنسان والشاب العراقي المسيحي الجنوبي الشمالي ، تجمّعت في روحه أواصر انسانية متعددة ، لم يعرف الطائفية ولم يجر في غمرات العبثية او التسطح الحياتي ، لأنه ابن بيئة متماسكة الخطوط الحضارية ، أنه وريث حقيقي وانموذج من طراز خاص ، استطاع الروائي ( عبدالرضا صالح محمد ) أن يقدمه لنا ، مع تراتبية الحدث السرديّ الذي يأخذنا – زمنياً – الى فضاءات عالمين مختلفين : بين بيئة تنعم بالهدوء والاستقرار ، والمتمثلة بالبيئة الاولى التي تربّى بها وكانت حاضنة لنقاء ضميره الانساني ، والتي القت بظلالها عليه بانعكاسات ايجابية ، بيّنت طبيعة معدنه الاصيل ، وبين بيئة أخرى وقعت ضمن ضرورات القدر أن يدخل فيها مكرهاً اخاك ، وتمثلت بواقع التكفير والإرهاب والقسوة والعدمية والعبثية والتلاعب بمصير الانسان ذاته ، وإصدار أحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

مــدّة كتابة الرواية
هذه الرواية وكما ضمنها الروائي بإشارته في المقدمة بقوله : ( استغرق انجاز هذه الرواية سنتين بدأت من سقوط الموصل حتى تحريرها .. ) ص 7 .
وقوله : ( آملا أن أكون وفقت في تقديم روايتي عن تأريخ مدينة الموصل في ظل المحتل الغاشم ، في الفترة ما بين حزيران 2014 حتى حزيران 2017 ، علما بأن زمن الرواية يمتد منذ الاربعينيات حتى الشهور الاولى ) .

وبذا / وضع الروائي حجر الاساس ، بزمنية الرواية وامتدادها التأريخي ، رغبة منه في أن يهيئ للقارئ / الفاعل حراكية المناخات التي تنامت فيها الأحداث وعلى وفق دراما متماسكة ، تصبح الرواية تأريخية حسب – جونثان فيلد – : ( عندما تقدم تواريخ وأشخاصاً وأحداثاً يمكن التعرض اليهم . ) (1) .

مصادر توثيق الرواية

فرواية ( سبايا دولة الخرافة ) وثيقة تأريخية ، تسجل أحداثاً تأريخية تعرض لها العراق وشعبه ، ذات صلة بالواقع ، شخوصها عاشوا هذه المرحلة الخطيرة لينقلوا الينا ما أفرزته من يوميات عبر بوابة هذه الرواية التي يمكننا أن نستند عليها في التوثيق الحدثي .
نشير الى أن الروائي اعتمد على قنوات غذّته بالمعلومات الحدثية فيما يخصّ أحداث الموصل الحدباء وما جرى على ارض الواقع من مأساة انسانية وجريمة لا يمكن أن تطوى بسهولة ، كونها تشكل مرحلة خطيرة مرّ بها العراق عامة ، والموصل خاصة ، لذا استمدّ معلوماته – توثيقياً – من :

1- تواصل يومي مع الادباء والكتاب ومثقفي الموصل عن طريق الهاتف الخلوي .
2- مباشرته بإجراء حوارات ولقاءات مع النازحين الى مدينته ميدانياً .
3- مشاهدات واقعية وجولات ميدانية – من قبل الروائي – ، بعد تحرير الجانب الايسر من الموصل .
4- زيارات مكثفة الى كنيسة ام الاحزان للتعرف عن التكوين الاجتماعي للمسيحيين .
5- الاطلاع على اللقاءات التي عرضت ضمن قنوات التلفاز والفديوات وتدوين ما رواه الهاربون من جحيم داعش .

انطباعات ذاكرة مدينة

القارئ لرواية ( سبايا دولة الخرافة ) يجد الروائي مهتماً منذ اللحظة الاولى بسردية مكثفة بالتعريف بالمجتمع المسيحي ، والدخول في مساحاته المفتوحة على مصراعيها ، ضمن علائقية مجتمعية مع التكوينات الاخرى ، لذا : ( لأول مرة وجدت نفسي اجتاز دهليزاً عريضاً ، ينتهي بباب حديدي كبير عال مقرنص بزخارف جميلة ، يتراءى لي من خلفه قاعة كبيرة برتاج خشب الساج المطلي بطلاء لامع ، على زاوية من سقف القاعة برج صغير يتأرجح منه ناقوس طلاه الصدأ ، يتدلى منه حبل توغل في فضاء البناية ، …. ) ص 10 .

بهذه الصورة الالتقاطية البارعة الهادفة الى جذب القارئ / المتلقي في سحبه لا شعورياً الى هذا الجو الهادئ ، نشعر بلحظات جمالية ونحن نتمعن في عباراته التناسقية والتي تسير على وفق تدرجات متناسلة .

حينما أراد – الروائي – أن ينقلنا الى جوّ من العزلة والانفرادية والحيرة والبحث في ماهيّات الباطني السلوكي عله يعثر على منفذ ينقذه منها ، نجده يسوق الينا تركيب ( كرسي متهالك ) في عبارته : ( مضت ايام وأنا جالس على كرسي متهالك مثلي ، صامت كحالي ، لا يأتي بحركة أو صوت ، توحدت معه واعتزلت اشيائي المحببة ، أنكرت الموجودات كلها حتى جدران الغرفة ، عشقت الصمت ، كما هو الكرسي الذي أطبق فاه ، وكما يخيل لي أنه قد ضاق بي ، … ) ص 11 .

ثم يركّز – الروائي عبدالرضا صالح – على توافر ذاكرة المدينة – العمارة – التي ترعرع فيها بطل روايته ( اسحاق ) اباً عن جدّ ، والتي أثرت في حرية فكره وصلابة موقفه وشجاعة رأيه وتلاحم جسده ، لترتبط كلها – مستقبلاً – فيما بعد بإحداث الموصل ، بصلة وشائجية حيّة وموقف نبيل : ( إنها ذاكرة مدينة اسمها العمارة ، اسست على انقاض مدينة سومرية موغلة في التأريخ ، أرخت وقائعها على مدى عقود مع العثمانيين الاتراك والانكليز ، لها سادتها ورجالها ، شجعانها وشعراؤها ومؤرخوها وفنانوها ومجانينها . ) ص 15
وقد كشف لنا الروائي – علناً – على لسان ( اسحاق ) عن ذلك الترابط الحيّ مع التكوين المجتمعي في مدينة العمارة التي تركت انطباعات رصينة : ( فأنا اسحاق وأبي حنا من عائلة مسيحية . عشت في هذه المدينة وتطبعت بطبائع اهلها . ولان اسمي اسحاق كان الجميع يحبونني ، بعضهم يتصور أني مسلم وبعضهم الاخر يعرفوني يتيم الابوين يتعطفون علي ّ ) ص 22 .

توأمة المناخ المكاني

عمد الروائي وبطريقة ذكية الى ربط مناخين بتوأمة المكان ( العمارة / الموصل ) على لسان ( نيفين ) زوجة دانيال ( جدّ البطل ) : ( إن هذا البيت يذكرني ببيت والدي في الموصل ) ص 28 ، ليمنحنا امتداداً مكانياً تحركت فيه شخوص روايته وحسب تداعيات الحدث السردي الذي شكّل فضاءً يميل الى التحرّر والانعتاق ، ورفض القيود التي اطبقت على انفاسهم في لحظة تأريخية ، حيث صادرت الاحلام والرؤى وفرضت ظلامية ووحشية التعتيم .

والتي هي نقطة فارقة تقع ضمن حدثية السرد المتلاحق ، حيث يصف لنا الروائي هجوم الشباب ذوي اللحى على محل الجد دانيال – تاجر الخمور – في شارع التربية ، وقيامهم بتحطيم المحل وزجاجات الخمر أمامه ، لتكون حادثة عن عبثية من يدعي : ( ولما سألته جدتي عن الفاعل اجابها : ” يقولون أنهم اسلاميون ” كانت هذه الحادثة نقطة فارقة في حياة الجد … ) ص 30 ، وهي اشارة وتنبؤ بما يأتي مع الأيام ، إنها قراءة مستقبلية واقعة لا محالة لحدث ٍ آخر .

ذاكرة بناء مجتمعي

لا ينفك الروائي أن ينشط ذاكرة بناء مجتمعي رصين ، ينشط لدينا حياة متخمة بالأواصر والتآخي والاندماجية بالمجتمع العماري المنبسط ، لتتبرعم في ذهنية الطفولة روح المشاركة مع التلاميذ في صف دراسي ، وهي اشارة طفولية بارعة الى الرغبة في توحّد الرسالات السماوية على الرغم من اختلافها تسمية وكتاباً ، كونها تنصب في عالم الربّ الواحد ، منبع الديانات ومشرعها : ( وفي درس الدين كنت غير مطالب بحفظ السور القرآنية كوني مسيحياً ، ولكني احفظها قبل الطلاب ، وكنت استأذن من المعلم الخروج الى السبورة وقراءتها ، فأنتعش وأنا القيها أول الطلاب ، ويتصاعد التصفيق في النهاية ، … ) ص 31 .

مما كان على الروائي ان يضع تحولاً حدثياً يرتبط بالمستقبل ضمن تداعيات تحدّد مسارات الأحداث ، حيث تنمو وتشتد كلما توغلنا في الدخول في اتون حياة ( اسحاق ) وما يدور حوله من تحركات ، ها هي عمته ( ميريام ) تضع النقاط على الحروف ، وتحدد أهم انتقالة حياتية في مسيرته ، لتتزوج من ( توم ) لتنتقل الى منطقة الصراع الحدثي القادم ( الموصل ) ، مثلت ( ميريام ) حياة ( أم ) تبنت تربية وتنشئة ( اسحاق ) بعد وفاة والدته ووالده بحادثة السيارة ، لتشكل امتداداً روحياً لا يمكنه ان يفرط فيه ، لذا / كانت عقبة حدثية بسيطة سرعان ما تلاشت بمرور الأيام وتقادمها ، فنلاحظ نبرة الحزن والتألم تعتري ( ميريام ) وهي تخاطبه بشفافية : ( ماذا تريد يا اسحاق ؟ كفاك الما ، دمرتني كل الناس يتزوجون أما يكفي أني ضحيت بمستقبلي من أجلك ؟ بالله عليك ألا تفهم هل تتصور أن فراقك هيّن علي ؟ ) ص 37
للتطوّر الاحداث ، في عرض الجدّ السفر الى الموصل مع اسحاق لزيارة عمته ( ميريام ) ، وهي ركيزة اساسية اتبعها الروائي في تهيئة الأرضية وتقريب المسافات .

عقائدية الأديان

ثمّ يركز الروائي على حالة مهمة ، وهي عقائدية الأديان وتأثيراتها على المرء نفسه ، حيث أنّ البطل في مرحلة الاعدادية سيكون أمام اختبار حياتي كبير وصعب جداً ، ولاسيما أنه مسيحي عاش في ظل بيئة تعتنق الاسلام فأثرت فيه منذ الطفولة كما مرّ بنا ، لكن النضوج العقلي أخذ دوره في فتح محاور عدة لديه ، فالأفق أكثر اتساعاً مما قد نظنه :

( تتسمّ فترة الاعدادية بوضوح رؤاي العقائدية ، ونضوج افكاري ، فلقد تكدس في رأسي خليط من افكار وعقائد المسلمين والمسيحيين ، وقد كنت في حيرة عن أحقية أو صلاحية أي منها ، كان الشجار يحتدم أحيانا بين وليد وحيدر حول مسألة عقائدية ما ، وكنت أضجر بهذا الخلاف وأتخوف أن يكون سبباً في فراقهما ، أو فراقنا فأبتعد عنهما قليلاً … ) ص 42 .

هنا يتضح موقف ( اسحاق ) المسيحي من المناقشات والحوارات التي لا تسمن ولا تشبع ، فهو ليس بحاجة لها ، كونه انساناً يعي جمالية الحياة بالابتعاد أو نبذ الطائفية والتفرقة .. المجتمع يتسع أفقاً ناضجاً ، بلا رتوش ولا عقد .

ليعقد فيما بعد رؤية اكثر وضوحاً في موقفه من الاديان والعقائد : ( فالربّ واحد مهما اختلفت تسمياته عند المسيح أو اليهود أو المسلمين أو الصابئة ، وأن المساجد والكنائس والبيع والمندى ما هي إلا دور وأماكن لعبادة الاله الواحد ، وأن الديانات تلتقي بخطوطها الرئيسة في تطبيق تعاليم الربّ للوصول الى السعادة والراحة وعمل الخير وحبّ الناس في الدنيا .. ) ص 42 .
نظرة اتفقت عليها جميع الديانات السماوية ، وان خلود الانسان بعمله الصالح ، وفعل الخير والتسامح ونبذ الطائفية والتفرقة ، ووحدة الصفّ ، والأخلاق الفاضلة ، كلنا لا يختلف مع ( اسحاق ) في هذا المنحى الحياتي المتداخل في حيثياته الباطنية .

ارتباط روحي مقدّس

زواج ( اسحاق ) من ( رزان ) ابنة عمته ( ديلما ) ، في كنيسة مريم العذراء الكلدانية وبحضور الاهل والأصدقاء ومن ثم السفر الى السويد لقضاء شهر العسل ، كانت اشبه بنقطة تحول كبيرة ، فالزواج يعني ارتباط روحي وجسدي مقدس ، اشار اليها الروائي كي لا يتوهم القارئ في الاحداث القادمة ان اسحاق له رغبة في هذا الامر ، حينما يزجّ نفسه في اتون داعش ، وهم معروفون بهوسهم بالنساء والجنس ، هذه الالتفاتة من الروائي ، كي يؤكد لنا أن ما يحمله بطل الرواية من هدف سام جعله يترفّع عن صغائر الامور ، حتى وأن اقحم نفسه فيها ، فللضرورات أحكام .

بداية داعش

الروائي ( عبدالرضا صالح ) يدرك خطورة ما سيحلّ بالعراق عموماً وبالموصل خصوصاً ، لذا / نجده يسلط الضوء على جوانب عدّة ليوفر لنا صورة متكاملة تغطي قوّة الحدث السردي الذي يعمل على تصاعده تدريجياً ، وضمن زمنية اتساقية تقع على وفق مديات متلاحقة ، يعمد الى وصف هذا الحدث : ( تلبدت غيوم سوداء داكنة في سماء الموصل في شهر حزيران 2014 ، لتحجب نور القمر ، ويعم الظلام أرجاء المدينة ، … ) ص 52 .

( غيوم سوداء ) اشارة الى ( داعش ) الذي سينشر الفكر السوداوي والضلالة والبدع والموت والدمار بين اهل المدينة ، اضافة الى أن زيهم الرسمي هو اللباس الاسود ، اللون الاسود يوحي الى العدمية القاتمة .. فأيّ فكر سوداوي سيحلّ بمدينة العلم والحضارة والآثار ، ومن يقف وراء هذه الاجندة الطارئة على بلد الرافدين ، ليهشم النسيج الموحد ، ويحاول ان يفكّ طلاسم الوحدة التي لم تتجزأ مدى الحياة .

تنقل الخبر في دخول الارهاب مدينة الموصل ( ديلما ) عمة اسحاق ، التي عادت من السوق مذعورة خائفة مما اصاب المدينة من شرّ حيث تصف : ( بعد عودتي من السوق مع جارتنا آمنة اعترضنا اثنان بشعان ذوا لحى كثة وملابس وسخة ، يحملان سلاحاً على كتفيهما ، استوقفانا وطلبا منا الجلوس على الارض ، أخذ قلبي يخفق ، واستحوذ الخوف والرهاب عليّ ، وتيبس فمي ، بتُ لا أستطيع الكلام ، احدهما عربي الجنسية والآخر أجنبي يتكلم العربية بركاكة ، امسك احدهما رأسي ، وامسك الآخر رأس آمنة ، وكبّر ثلاث مرات . ) ص 55-56 .

نلاحظ ان الروائي يهتم بالتدرج الفعلي الذي استخدمه : ( اعترضنا / يحملان / استوقفانا / طلبا / اخذ / يخفق / استحوذ / تيبس / بتُّ / يتكلم / أمسك / كبرّ ) .
نقطة البداية تبدأ بالاعتراض وتنتهي بالتكبير ، وكأنهم جبلوا على قتل الحياة وإهدار الدم البريء بلحظات ودقائق ، يضعون بداية نهايتها آنية ، لا تتعدى ولا تأخذ فسحة من الزمن المنبسط .
ومن الطبيعي أننا نقف مع ( اسحاق ) في موقفه من عدم تصديقه لعمته في نقل الخبر ، حتى أنه عدّه هذياناً أو مسّاً من الجنون .

التكفير لغوياً وارتباطه بالأرهاب

التكفير مصطلح ارتبط بالنص القرآني في مواضع عدّة ، وهو نقيض الايمان ، فجاء مصطلح ( الكفر ) في معاجم اللغة :
الكُفْرُ : نقيض الإِيمان ؛ آمنَّا بالله وكَفَرْنا بالطاغوت ؛ كَفَرَ يَكْفُر كُفْراً وكُفُوراً وكُفْراناً .
ويقال لأَهل دار الحرب : قد كَفَرُوا أَي عَصَوْا وامتنعوا .
والكُفْرُ : كُفْرُ النعمة ، وهو نقيض الشكر .
والكُفْرُ : جُحود النعمة ، وهو ضِدُّ الشكر .
وقوله تعالى : إِنا بكلٍّ كافرون ؛ أَي جاحدون .
وكَفَرَ نَعْمَةَ الله يَكْفُرها كُفُوراً وكُفْراناً وكَفَر بها : جَحَدَها وسَتَرها
وأَكْفَرْتُ الرجلَ : دعوته كافراً .
يقال : لا تُكْفِرْ أَحداً من أَهل قبلتك أَي لا تَنْسُبْهم إِلي الكفر ولا تجعلهم كفاراً بقولك وزعمك .
وكَفَّرَ الرجلَ : نسبه إِلى الكفر .
وكل من ستر شيئاً ، فقد كَفَرَه وكَفَّره .
والكافر الزرَّاعُ لستره البذر بالتراب .
والكُفَّارُ : الزُّرَّاعُ .
وتقول العرب للزَّرَّاعِ : كافر لأَنه يَكْفُر البَذْر المَبْذورَ بتراب الأَرض المُثارة إِذا أَمَرّ عليها مالَقَهُ ؛ ومنه قوله تعالى : كمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفارَ نباتُه ؛ أَي أَعجب الزُّرَّاْعَ نباته ، وإِذا أَعجب الزراع نباته مع علمهم به غاية ما فهو يستحسن ، والغيث المطر ههنا ؛ وقد قيل : الكفار في هذه الآية الكفار بالله وهم أَشد إِعجاباً بزينة الدنيا وحرثها من المؤمنين .
وحَكَمَ بِتَكْفيرِهِ : الحُكْمُ عَلَيْهِ بِالإِلْحادِ ، أَيْ إِبْعادُهُ وَإِخْراجُهُ عَنْ مَبادِئ دِينِ الجَماعَةِ ،

ما يهمّنا – هنا – أن داعش والإرهاب ، حاولوا أن يجددوا هذه الثقافة لكن بمفهوماتهم السوداوية المقيتة ، ليكفروا الخلق جميعاً ، بمجرد أن يكون الانسان خصماً لأفكارهم المريضة ، اذاً / ثقافة التكفير لدى داعش ومن لفّ لفهم ثقافة النقص الذاتي ، ثقافة مريضة وهزيلة ، لكنها ثقافة تبرير للقتل ، هم صنيعة أجندة القوى الاستعمارية التي دسّتهم في وطننا كي توجههم حسب ما ترتئيه ، خدمة لمصالحهم .
( اغربي عنّي أيتها الكافرة الفاجرة ) ص 56 ، هذه العبارة تثير فينا كتلة من المواجع وتحرضنا على متابعة قراءة الرواية بلا انقطاع ، الروائي – صالح – يعي خطورة الموقف الذي مرّ به وطنه العراق ، من دخول الغرباء اليه دون سابق انذار لكي يعيثوا في الارض فساداً ، ويمنهجوا القوانين والأنظمة حسب النظرة التكفيرية التي تعمل ومزاجهم المريض . ما بين المخاطب والمتكلم ثقافة مختلفة يسوقها الينا الروائي بفنية عالية ، حيث ان المتكلم / داعشي لا يفقه من الدين إلا القتل والإرهاب وسفك الدماء وترويع الاطفال والشيوخ والنساء وتحريف النصّ القرآني حسب الاهواء ، فهم بأفعالهم هذه اشبه بالبهيمة ، يحاول ان يكفّر المخاطب / المرأة المسيحية ، لأنها كشفت عن هويتها الاجتماعية كونها متزوجة وعلى ذمّة رجل .

أمل ورومانسية

في ظل الأزمة التي تحيط بالبطل إلا أن الروائي استطاع أن يوفر ويهيئ له خيط امل ، وهو يعانق حبيبته وزوجته ( رزان ) ليقضي معها وطراً :
( فتحت اساريرها هذه الكلمات ، طوقتني بالقبل في كل مكان من جسدي ، في جبهتي وشفتاي ورقبتي وصدري ، ثم وضعت رأسها على صدري واغمضت عينيها ، راحت اناملي تداعب خصلات شعرها الحريري ، قبلتها برفق اول الامر ، ثم ملت عليها الثمها بحرارة وشوق وأتذوق طعم رحيقها بشغف ، مرة اعصرها وأخرى اطوقها وهي تتلوى تحتي كسمكة فارقت الماء تواً ، اشعر بوهجها وحرارة جسدها وانفاسها تتصاعد ورائحتها تتوهج كقنديل مضيء … ) ص 86
هذه الرومانسية الشفافة المؤطرة بعطر الحسّ الأخاذ ، كانت هذه المحطة استراحة ومتنفساً ، يحاول الروائي من خلالها أن يجعل ذلك اشارة واضحة الى بثّ التوق في طيّات هذه الضغط النفسي الذي نراه في متن الرواية .
أما في لقاءٍ مع صديقه ( حيدر ) يثير الروائي جواً مشحوناً من الألفة والانسجام والتوحّد الروحي ونبذ الطائفية ومخلفاتها حينما نقرأ : ( ابتسم حيدر بوجهي : ” اجلس يا اسحاق اليوم ام حيدر محتفية بنا انا وأنت ، ، تفضل ، جلست وقبل ان امد يدي بسمل وبسملت بعده وراحت انفاسي تمتلئ من روائح الشواء وأبخرة الرز الزكية ، … ) ص 89 .
هذه الصورة تركت انطباعاً كبيراً في توحّد الأخوة والعوائل العراقية على اختلاف مشاربها ومذاهبها الدينية والعقائدية ، فنشعر بالدفء الأسريّ ، وهو ينساب أمام مائدة الطعام ، لتترك البسملاتِ دفقاً من الانسجام ، ولتلغي كلّ الفروقات التي يثيرها بعض ضعاف النفوس ، وهي تحاول أن تثير أزمة في البيت العراقي .

انقاذ ميريام ، بين الانتحار والإرادة القوية
جذوة الحدث السردي وقوته انطلقت من بذرة خامرت ذهن بطل الرواية ( اسحاق ) بعد لقائه بصديقه حيدر الذي كان ضابطا في الجيش العراق ، لإبداء مساعدته للبطل في محاولة :
( دعنا نناقش الموضوع قبل الحكم عليه ، وفي رأسي فكرة اعددتها منذ ان وصلنا المدينة : ” ماذا لو اندسست بينهم ” / وكيف يحصل ذلك / اتطوع بالقتال معهم / وكيف تصل لهم وتكون معهم / هذه هي المهمة التي اطمح بمساعدتك لبلوغها ) ص 90 .

الدخول بين تنظيم داعش هو الحلّ الذي رآه اسحاق مناسبا لتخليص عمته ( ميريام ) من براثن الارهاب ، وليجعله الروائي ( عبدالرضا صالح ) كاميرا حيّة لنقل الاحداث داخلياً ، للكشف عن بشاعة هذا التنظيم الوحشي العابث ، وعما يفعله من جرائم بحقّ أهلنا في الموصل الحدباء ، لقد مثلَ الرفض لهذه الفكرة ( عمته ديلما / وحبيبته رزان / الضابط حيدر / المقدم وليد … وآخرون ) موقفاً بسيطاًً متناسباً .. فالحدث الكبير ينتظرنا ، مبني على قناعة جادة لا تراجع فيها .
( لم يبق أحد من الناس المقربين لي إلا وكلفته عمتي بالحديث معي لتغيير رأيي في السفر الى الموصل ، مساءً اتصل العم توم وتحدث طويلاً معي عن الموضوع نفسه وفي الاخر اسكته ، ثم حضر الحاج رمضان الى بيتنا اليوم مساء اليوم التالي ، استقبلته ورحبت به ولما جلسنا حدثني بهدوء عن نواياي وطلب مني ان اعدل عن ذلك ، غير اني اقنعته بأني رجل واع ، ولا يمكنني ان ارتكب الحماقات … ) ص 96 .

لقد وفّق الروائي في تحريك شخوص روايته وبنسق ينسجم مع الحدث السرديّ الفاعِل ، حيث وظّف التحرك الميداني على ارض الواقع والتنقل بالسفر الى سامراء للقاء المقدم وليد ابو خالدة كان ضرورة ملحة للوقوف على تفصيلات ميدانية دقيقة ، وتمهيداً للفعل الآتي ، فلا يمكن للبطل التحرك ما لم يحط بخريطة الطريق الى الهدف ، ثم زجّ شخصية كردية ( كاكا سعيد ) رديفاً في متابعة الحدث السردي ، لإشاعة روح الامل وعدم اليأس .
نقرأ في الرواية : ( نزلت مبكراً في اليوم التالي احمل حقيبة صغيرة ، وتركت رزان نائمة في الفراش ، …. ) ص 96 .
( الحقيبة الصغيرة ) دلالة البدء بالانطلاق في مهمته التي عزم عليها ، كونها تمثل حملاً خفيفاً ، لما يهمّ به من أمر جسيم ، رؤية عمته ( ديلما ) لنزوله بهذا الشكل ، بيّن لها رغبته الجامحة ، – هنا – يشتد الصراع الحدثي فيما بينهما ، تصل الى القسم بالسيد المسيح ، والسيد القديسة مريم العذراء ، لتنبثق لحظة عاطفية ممتزجة بالحزن والألم ، في موقف رزان : ( خرجتُ وعند الباب هرعت تركض خلفي وتصرخ : ” اسحااااق ” توقفت احتضنتني ، عانقتها بقوة ، قبلتها برأسها وعينيها وهمست بأذنها : ” سأعود لعينيك ولن انسى دموعك ابداً ، ادعي لي عند السيدة ، ما هي إلا ايام وأعود ” . ) ص 97 .
جواز السفر و نقطة للتحوّل

حسب الخطة التكتيكية التي وضعت لـ ( اسحاق ) لا بدَّ له من الحصول على جواز سفر مزور من احدى الدول الاوربية ، كي يتسنى له الدخول الى تركيا ، ليندسّ كمتطوّع عن طريق أحد مكاتب التطوّع الموجودة في اسطنبول .
لقد كانت السويد محطة انتقالية أخرى ، حيث التقى بعمه ( توم ) وزوجته السويدية ( كار ولا ) وابنتهما الطفلة ( ريتا ) ، موقفان يعرضهما الروائي : موقف ( العم توم ) الرافض لفكرة السفر الى الموصل وإقحام اسحاق نفسه واحتمالات عدم نجاته من براثن داعش ، وموقف ( اسحاق ) الثابت في تحقيق ما يدور في رأسه من انقاذ عمته ( ميريام ) ، وعدم تقبّله لأي رأي آخر :
( تناولت العشاء معهم ثم جلسنا لوحدنا بعد أن فارقتنا زوجته ، تحدثنا طويلاً حول موضوع سفري الى الموصل وحاول بكل ما أوتي من حجج أن يثنيني عن السفر ، وقد قابلته بصمود لا مثيل له في ابتغاء هدفي ، أخيراً أمتعض لتصرفي وعدم احترامي لأراء الاهل ، كدت أن أخرج ، وقفت وتناولت حقيبتي لأترك شقته ، لما رأى إصراري سكت وبدّل لهجته واستوقفني معتذراً … ) ص 102 – 103 .
هذه الخطوط التي رسمها الروائي ( عبدالرضا صالح محمد ) كي يبين للقارئ المتتبع ، أن بطل الرواية ، لديه اصرار قوي وغير متذبذب ، وأنه ساعٍ الى هدفه الذي خطّط له ، رفضه للتراجع عن رأيه يمنحنا فرصة المتابعة والتشويق الباعث على الاستمرار في القراءة .
أضف الى أن الروائي ، نجح في انعاش ذاكرة بطله حيث جوّ السويد ، ربما يمنحه فرصة التخلي أو التراجع عن فكرته التي بناها في رأسه ، إلا أن هذا الامر لم يثنِ عزيمته ، ولم يقلل من شغفه في الوصول الى مبتغاه .

الفيرا والكشف عن مخططات

لقد تعامل الروائي مع شخوص روايته بدقّة متناهية ، وحسب متطلبات سردية متناسقة ، مما جعله – وبما يمتلكه من قدرة توظيفية – أن يزجّ بشخصية ( الفيرا ) أفغانية الاصل ولاجئة في السويد ، لها رغبة في التطوع في صفوف داعش ، كان للرحلة بالطائرة أثرٌ واضحة في التعارف فيما بينهما ، ومن ثم النزول للمبيت في أحد الفنادق التركية في منطقة ( السلطان أحمد ) .
على هامش ( الفيرا ) .. لم يفت الروائي في روايته يحمل اشارة واضحة عن ادانة وتورط ( تركيا ) بتمويل الارهاب وداعش ، فهي تغذي الارهاب بالمتطّوعين الاجانب ، من خلال مكاتب التطوع المنتشرة فيها :
( استيقظت الساعة العاشرة بعد نوم عميق ، تناولت افطاري في الفندق ، اخفيت جوازي الصحيح ببطانة حقيبتي وحملت الجواز المزور ، ثم خرجت للبحث عن مكاتب التطوع … ) ص 108 .
ثم يهيئ الروائي شخصية ( الفيرا ) للقارئ ، كي يعطي صورة متكاملة لهذه الشخصية التي سيكون لها دور بارز في أحداث الرواية السردية ، ( الفيرا ) تخرجت من الاعدادية بدرجة امتياز ، رغبتها وطموحها ان تكون طبيبة كون والدها يعمل طبيباً ايضاً ، أما أخوها فهو طالب كلية طب ، قتلا أثر تفجير في وسط السوق اثناء خروجهما من العيادة ، مما اضطرها هي ووالدتها الى الهجرة الى السويد .
هذا يؤكد لنا أن ( الفيرا ) شخصية واعية ومثقفة وتعي ما يدور حولها من احداث ، لكن لأسباب احاطت بها ، من حيث تأثير أحدى الممرضات التي تعمل معها في أحدى المستشفيات في السويد بالتطوع في تنظيم داعش ، حيث إغراءات المال والمغامرة واللهو والعبث والطيش ، ناهيك عن سبب آخر هو زواج امها من ( رولان البلجيكي ) ، ودعوة صديقه ( رشيد المغربي ) لها بالانخراط مع المتطوعات ، ولظروف نفسية كان لها الاثر في قبولها لهذا العرض .
شكلت ( الفيرا ) كإحدى المتطوعات أنموذجاً مصغّراً لما كان يختفي خلف عباءة هذا التنظيم الارهابي ، حشود من المتطوعين بمختلف الاعمار والبلدان والجنسيات ، تكشف عن مخططات استعمارية ارهابية مستقبلية .

داعش قبح المظهر والجوهر

الوصول الى قضاء ( تلكيف ) في الموصل ، دلالة على أن الاحداث الزمانية والمكانية والفعلية أخذت مساراً مغايراً ، حيث بدأوا بتغيير الملابس كنوع من الانتماء الى التنظيم : ( وزعوا الخمارات والعباءات على النساء … ) ص 115 ، ( وتغيير ملابسنا بالزي الافغاني ، وأشاروا الى أحد الخياطين في المدينة لبيع تلك الملابس ، قصدن ذلك البائع واشترينا منه الملابس ذات الفصال الافغاني التي كان يخيطها ، اودعت ملابسي في الحقيبة وارتديت الثوب القصير والسروال الطويل والصدار .) ص 116- 117 .
الروائي يحاول أن يوغل في أدقّ التفاصيل ، لغاية : أن هذا التنظيم الارهابي يشكل حلقة متكاملة من حلقات الخراب والدمار الانساني قبل أن يكون هنالك خراب ودمار في البنى التحتية ، فهو جادٌّ في الكشف عن بواطن رسمها داعش في خراب الانسان والمكان ، وتشويه معالم الجمال وقتله ، حيثما وطئت اقدامهم أيّ مكان .
لذا / نجد الروائي حريص على نقل الحدث بالصورة والخبر المحزن ، اذ يصوّر ( الموصل ) بعيني ( اسحاق ) : ( ، وجدتها خرساء لا نداء يصدع ولا صدى يقرع ، غير نعيب البوم والرصاص ، احسست ببؤسها وخوائها وخرابها وحزنها وفاقتها وانهيارها ، وهي ترتدي ثوبها الاسود ، حزناً على أهلها وعلمائها وأدبائها وشعرائها وكتابها وفنانيها ، … ) ص 117.
ثم يعقد الروائي وجه مقارنة ما بين صورة الحاضر والماضي لمدينة الموصل لكي يجعل القارئ أمام حقيقة ماثلة ، أنه لا نقطة التقاء ما بين الصورتين ، الموصل آلت الى الخراب والدمار والانهيار في ظل الارهاب وسطوته ، والماضي حمل بين طياته عبق الـتأريخ وجماله :
( ، منذ العصور القديمة وحتى الآن ، المدينة الحسناء المزدانة بشعرها الذهبي وثوبها الفيروزي وهي تفخر بمراقصة الشمس ومعانقة القمر ومصاحبة النجوم ، فيا عجبا ، بالأمس تركتها تزهو باشراقتها واليوم يسودها الظلام ، أهكذا أضحت بين عشية وضحاها ! ) ص 118 .
ثم يعرض الروائي الاساليب التي اتبعوها مع المتطوعين ، حيث قاموا بتفتيشهم تفتيشاَ دقيقاً ، ممّا يدل على / أولا ً : تخوفهم من المتطوعين ، وأخذ الحيطة والحذر منهم ، ثانياً : كأمر احترازي لمجيء شخصية داعشية تلتقي معهم ، لذا كان عليهم لزاماً اتباع هذا الأمر .
( نزلنا أمام المسجد النوري ، اوقفونا صفين ، طلبوا منا وضع حقائبنا على جهة ، تولى أحدهم تفتيشها مستخرجاً منها الهواتف النقالة وكل ما يوحي لهم بالخطر من سكاكين أو أي آلة حادة وحتى الاقلام والأوراق ومقلمات الاظافر الصغيرة ، وفرش ومعجون الاسنان ومعجون الحلاقة والصابون ، ولم يبقوا فيها الا الملابس ، أما الحارسان الآخران فقاما بتفتيشنا تفتيشاً دقيقاً من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين ، ونزع الأحذية والجوارب ، جعلونا طابوراً أدخلونا الى المسجد فراداً …. ) ص 118 .
هذه سياسة الارهاب ، تقوم على : أن الارهاب يخشى الارهاب نفسه ، ممن يأتي اليه متطوعاً لكي ينخرط في صفوفه ، أن الارهاب لا دين له ، ولا نظام له ، كل ما لديه هو فوضى بفوضى ، وخراب وقتل وتهجير وسبي .. مفردات تدور في دائرة الباطل والكذب ، هكذا أرادها ( اسحاق ) رسالة لفضح هذا الهجين .
ما زال الروائي مستمراً في الكشف عن ممارسات الارهاب ومن يدعمه عالمياً وعربياً ، أجندة غربية ، وضعت ضمن خطط عسكرية لهذه المرحلة الخطيرة التي شكلت محوراً كبيراً ، وعاملاً لا يمكن الاستهانة به في هدم البنى التحتية للبلدان العربية ، وطمس الهوية العربية عامة والعراقية خاصة بأساليب قمعية .. وحشية ، لذا / نجده يسلط الضوء على الاساليب المتبعة مع المتطوعين في التدريب القاسي ، على مختلف الاسلحة :
( يحتوي تمارين قاسية من ضمنها الضرب المبرح بالأرجل والعصي ، يقوم على تدريبنا عسكريين متمرسين جاؤوا من بلاد أجنبية لا يعرفون التحدث بالعربية ، … ) ص 121 .
بعدها تتضح المؤامرة الكبيرة : ( ، وأخذ الارهابيون يتمددون في القرى والأراضي الشاسعة زحفاً نحو بغداد دون مقاومة ، لإسقاط الحكومة فيها وإعلان بغداد عاصمة للخلافة الاسلامية كما منتهم نفوسهم ، .. ) ص 122 .
فإسقاط بغداد يحلينا الى ما تعرضت له بغداد خلال العصور التأريخية من هجمات كثيرة ، ولاسيما احتلال بغداد من ( هولاكو ) الذي كان صورة ماضوية مطابقة لإرهاب داعش في الحاضر .

التهافت على داعش
عرض لنا الروائي صورة مصغرة لـ ( الفيرا ) ، التي كانت لها رغبة في الانضمام الى داعش ، ولأمور عرضناها سابقاً ، لكن الروائي يعمد الى التأكيد على هذه الحالة السلبية ، وهي التهافت الى الانضمام الى داعش الارهاب ، هذا التطرف العالمي حيث الاعداد المتزايدة ومن مختلف بلدان العالم ، ليس للإيمان قضية وهدف سامٍ بقدر ما هو تهافت على المال والجنس ، وذا جاء نتيجة اعلام مضلل مدعوم من جهات عالمية ، اضف الى إن هؤلاء المتطوعين هم من الشباب العاطل عن العمل او ممن يعاني من حالات نفسية ، او من المجرمين والمحكوم عليهم ، الذين عرفوا بأجرامهم العالمي :
( بدأ المتطوعون يتوافدون من جميع انحاء العالم ، من دول اوربا وأمريكا وبريطانيا وروسيا وتركيا والدول الاسيوية والدول العربية وإفريقيا ، طمعاً بالجنس والمال اللذين غرروا بهما من خلال الاعلام المضلل ووسائل التواصل الاجتماعي وبعض القنوات الداعمة لهم ، الذين باعوا ذممهم مقابل الدولار ، وكان معظمهم من الشباب العاطلين عن العمل والبائسين من الحياة وأصحاب الامراض النفسية والمجرمين التي تنتابهم هستريا القتل والاستحواذ على الاخر . ) ص 122 .

سوق السبايا في الموصل
الجنس واللهاث خلفه شكل عاملا رئيسياً في منظومة الارهاب الداعشي ، بل ثقافة يحاولون من خلالها اصطياد كل من يعاني من الحرمان أو مرض نفسي او مجرم اعتاد على انتهاك الحرمات ، جعلوه سهل المنال ، وحسب الرغبات والنزوات ، غير مبالين بالعرض والشرف والقيمة الاخلاقية للمرأة وكرامتها ، تعرض النساء السبايا على الملأ ، وكأنهن بضاعة تباع وتشترى بثمن بخس ، وبذا تضيع حقوق الانسان بين همجية الارهاب وسطوته :
( سمح لنا باختيار ما نرغب منهن ، اختار زميلي واحدة واخترت الاخرى ، كانت شابة بعمر التاسعة عشرة تقريباً ، سألتها عن اسمها فقالت ( نارين ) طلبوا من زميلي الباكستاني عشرين دولارا وطالبوا مني أربعين ، ولما سألتهم عن السبب اجابوني باني انتقيت فتاة صغيرة بينما اختار زميلي امرأة في الثلاثين ، لم اكن اعرف هذا ، ولكن الباكستاني كانت لديه معلومات عن اسعار النساء دفعنا المبلغ واصطحبناهن معنا الى نقطة حراستنا . ) ص 124 .
يختلف موقف ( اسحاق ) عن الاخرين ، كونه عراقياً غيوراً على عرضه وشرفه وأرضه ، وما سبب تواجده إلا لهذا الغرض الكبير ، لم يكن بمعزل عما يدور حوله ، إنه يشعر بأن هذه الفتاة المسلوبة الحقّ لم تك إلا ضحية من ضحايا الارهاب ، ردّ فعل ( نارين ) وشعورها القوي تجاه ( اسحاق ) كإنسان فيه سمات مختلفة عمن رأتهم ، جعلها تحدثه بنبرة حزن :
( رفضت صاحبتي الدخول الى المحكمة ، وهي توجه كلامها لي بانكسار وحزن : ” أنا لا اريد الانسلاخ عن ديني وقوميتي ولا أعترف بهذا الزواج ، ولا أؤمن به ، انه فاحشة مقيتة ، لم أكن يوما سلعة أباع واشترى ” اسكتها بإشارة من يدي ، وقد كبرت بناظري واحترمت انسانيتها ، وهذا ما كنت اتمناه ، … ) ص 124 .
لقد مثل رفض ( نارين ) للدخول الى المحكمة لغرض الزواج ، موقف العراقية الأيزيدية الذائدة عن شرفها ودينها ومعتقدها ، لذا انعكس هذا الموقف لدى ( اسحاق ) ليلتقيان بمنحى واحدٍ دون أن يكشف عن موقفه بادئ الامر .
يسرد لنا الروائي موقفاً آخر حدث ، حينما ترك ( اسحاق ) باب الدار مفتوحاً رغبةً منه في فسح المجال لـ ( نارين ) بالهرب والنجاة :
( غير أن تصوراتي تبخرت حينما وجدتها في البيت قد أحضرت كل شيء ، رأيتها وعلامات الاستفهام تسبقها ، وقبل أن أسألها سألتني : ” لماذا تركت البيت مفتوحاً . ” اجبتها بسؤال ٍ : ولماذا لم تهربي ؟ سكت كلانا ، وساد الصمت بيننا ، وكل يتحدث مع نفسه ، فأنا خيل لي انها أطمأنت لي ولعشرتي ، لذلك لم تقدم على الهرب أو انها لم تجد مكاناً أفضل من هذا لتلوذ له ، … ) ص 127 .

منظومة الإعلام الكاذب
لقد اعتمد تنظيم داعش على منظومة الاعلام المختلفة ، لما له من قوة فاعلة وخطيرة في جذب المتطوعين وتضليلهم بشتى الطرائق ، مما هيّأ له فرصة كبيرة في توسيع رقعة التحرك في العراق وانتشاره على محافظات أخرى ، لكن الحقائق تتكشف فيما بعد ، من خلال الرؤية الصادقة على ارض الواقع قد اختلفت عما كانوا يدعون له ، فالإسلام لم يك – في المنظور الداعشي – إلا واجهة اعلانية كاذبة لتمرير وتسويق مخططات كبرى صنعتها دول وبلدان استعمارية ، يعرض لنا الروائي انطباعات عن لسان ( أمير خان الباكستاني ) صديق ( اسحاق ) حيث ظهرت على ملامحه بوادر الندم للتطوع بحوارية اختزلت كثير من المعاني :
( عرفت أنه غير راض عما يحدث ، وحاولت جره الى الكلام فوضح لي عدم رضاه على تصرفهم وقتلهم وإيذائهم للناس الابرياء بدون حقّ ، وأنهم مهما يكونوا مسلمين يشهدون الشهادتين أو يؤمنون بالله ونبيهم ، رأيته نادما على تطوعه وانخراطه في صفوفهم . ) ص 138 .
إنه غسل الأدمغة الذي جبلت عليه داعش الارهاب في تغرير الناس وتضليلهم بفكرة الدولة الاسلامية وعودة الخلافة من جديد ، مما جعل البعض يتوهم انها حقيقة ، فانساق وراء الخيال والإعلانات الكاذبة عن طريق وسائل الاعلام وقنوات التواصل الاجتماعي المختلفة ، لذا يكشف لنا ( الباكستاني ) :
( : ” لم أكن اعرف أنهم بهذا المستوى من الجريمة والقتل والذبح والأعمال التي يتبرأ الدين الاسلامي الحنيف منها ومن شناعتها ، دين الرحمة والإخاء والشفقة ” ثم سكت يتمتم مع نفسه حاولت معرفة ما يدور بذهنه ، كان متخوفاًً من وشايتي به ، .. ) ص 129 .

عقدة وحلّ
يحاول الروائي أن يرجعنا إلى أن المهمة التي جاء من أجلها بطل الرواية هي مهمة انقاذ عمته ( ميريام ) لكنه غرق في دوامة الحدث الذي لم يستطع الانفلات منه ، كون أن ما يدور حوله يشكل قوة جاذبة لا تمنحه فرصة للتفكير في مهمته ، لذا كان عليه لزاماً ان يعيد حساباته :
( وجدت نفسي ابتعد عن المهمة التي تطوعت من اجلها ، وان ميريام باتت عصية ، كما أن نارين صارت عقبة في تحركي مما دعاني الى التفكير في الخروج من هذين المشكلتين ، ووضعت عدة احتمالات لإنقاذ نارين أولا ثم التفرغ للبحث عن ميريام ) ص 141 .
لذا / كان الحلّ الوحيد الذي طرح إمامه أن يفكر بجارهم ( أبو امنة ) جارهم القديم في الموصل ، الذي ودّعوا لديه بيتهم وبيت عمته ( ديلما ) ، هذا الحلّ فتح لديه أفق إنفراج أزمته التي يعاني منها ..

نارين ، واعتناق الإسلام بالإكراه
شخصية ( نارين ) وبما تمثله من ثقل في رواية سبايا دولة الخرافة ، لها حضورها التجسيدي الذي كان في كشف ما تقوم به عصابات الإرهاب من إكراه وإجبار الناس على اعتناق الإسلام كرها ، وتحت تهديدات شتى ، هذه الفتاة الايزيدية التي تعرضت للسبي كغيرها من الفتيات الايزيدات والمسيحيات ، وكيفية تكفير كل من لم يتوافق مع منهجهم المريض الإرهابي :
( .. إلا انه غضب مؤكدا لي باني كافرة يحق له ان يفعل بي ما يشاء ، إلا ان اترك ديني واعتنق الاسلام ، فأبديت له موافقتي لاعتناق الاسلام بشرط ان يتركني خرج غاضبا ، وادخل عليّ ثلاثة كمن حراسه طلبوا مني ان اخلع جميع ملابس ، رفضت ذلك فما كان منهم إلا ان نزعوا …. ) ص 143.
لتكون ( نارين ) شاهداً حيّا على ما اقترفته ايدي المجرمين من الاستهانة والاستخفاف بالدين الاسلامي وبقية الديانات الاخرى ، شاهدة على أن ما يفعله هؤلاء هو جريمة كبرى ، ووصمة عار لا يمكن ان يرتضيها اي انسان مخلص .
الروائي بهذا النهج السردي الذي كان له دور كبير في ملاحظة تحركات شخوص روايته ، وعلى وفق حركية متناسقة ، يؤكد على ما أشرنا اليه سابقا ، في الدور التكفيري الذي يلعبه هذا الارهاب المعاصر في بثّ الكراهية والبغضاء بين الديانات السماوية ، وهذا لم يأت من فراغ بل جاء ضمن أجندة عالمية مخططة ومهيأة للتشويش واستعباد الاخر وسلب حريته ومصادرتها :
( رفضت ووجهت له كلاما لاذعا لهم : ” هكذا دين يحلل اغتصاب النساء ويضربهن ويعتبرهن عبيدا لا اقبله ” رفع الشيخ يده عن رأسي وأمر : ( ابعدوا هذه الكافرة عني ) . ص 144
الديانات السامية والرسالات السماوية ، جاءت لتحرير الانسان من براثن العبودية والطغيان والديكتاتورية ( نارين ) مثلت نقطة القوة في الرفض وعدم الخنوع والخضوع لهؤلاء ، وعلى الرغم مما لاقته من قهر واستعباد وإذلال ، هذه الفتاة التي وجهت ضربة اعلامية قوية وصارخة ازاء التصرفات المسيئة لها ، انها في قلب الارهاب ولا تخشاه ، ترفض مثل هذا الدين القاهر تحت وطأة السلاح وتهديدات الفحولة المارقة بالعنجهية المتغطرسة ، فما كان رد الشيخ إلا التكفير ، سلاح التسقيط وشيفرة الانتهاك غير المبرر.
بينما يعرض الروائي ( عبدالرضا صالح محمد ) موقف بطل روايته اسحاق مع نارين ، الذي مثل الموقف الانساني الحالم بالتحرر والمحارب لزمر الارهاب بموقفه البطولي السردي الذي تتبعناه خلال الرواية :
( سألتني عن السبب فأجبتها : ” لأنك انسانة مثلي ولا اريد لك العبودية . ” ابتسمت ابتسامة فاترة جاء صوتها معاتبا: هل مللت مني ، وتريد ابعادي ، لاني لم امنحك ما يرغب به الرجال ، ارجوك اتركني معك ” ) ص 146 .
موقفان يصبان في بودقة الانسانية الحقة ، البطل يحاول بما يقدر عليه ان يحرّر هذه السبيّة من براثن الارهاب ، و( نارين ) السبيّة تتعلق بالمحرر ، كونها شعرت بإنسانيته الكبيرة ، منحى بحرية الانسان وخلاصه ، تجسد في عبارتيهما ، ليؤكد لنا البطل فيما بعد في معرض كلامه :
( .. وكأنني أنقذت ميريام وليس نارين فليس هناك فرق بينهما ، فكلاهما شابتان تنتمي كل إلى عالمها وعادتها ومجتمعها وكلاهما معتدى عليها ، تمنيت لو استطعت أن انقذ كل النساء اللواتي تعرضن للسبي والإهانة والإذلال والاغتصاب ، .. ) ص 147 .
إنها الصورة الإنسانية المتطابقة لمن تعرض للحدث ذاته ، لم يجد البطل فرقاً بين الصورتين ، غير روابط إنسانية ومجتمعية وعادات وأواصر مشتركة ، إنها رسالة لكل إنسان تتجسد فيها صورة الرفض الكبير .. صورة البطل المنقذ .

السبايا طبقات
الفكر المريض دائماً تجده يحاول أن يقلل من قيمة الانسان ويجرّده من انسانيته وكرامته ويستهين به وبما حباه الله من قيمة عليا ، الفكر الداعشي .. فكر مهووس بالقتل والتهجير والإرهاب وسفك الدماء وانتهاك حرمة الانسان ، فكر يحاول أن يقللَّ من شأن المرأة ويحجّم دورها ليجعل منها سلعة رخيصة لا أهمية لها في بناء المجتمع ، فهي ( سبيّة ) بالمنظور الداعشي ، يقول الكاتب السوري الدكتور ( نبيل فياض ) :
( قبل أيام ، صدر عن داعش كتيّب حول نكاح السبايا. ويوضح الكتّيب الذي نُشر قبل أسبوع من قبل “ قسم شؤون الأسرى والنساء ” تفاصيل صادمة عن شروط ممارسة الجنس مع “السبايا” ومتى يمكن ضرب المرأة ، وفي أي ظروف يُسمح باغتصاب الفتيات الصغار. وفي وقت سابق من هذا الشهر تمّ نشر “ قائمة أسعار ” ظهر من خلالها أنّه مقابل 40 دولار يمكن لعناصر التنظيم شراء امرأة يزيدية أو مسيحية في العقد الرابع من عمرها. لكن قد يصل سعر الطفلة التي تبلغ من العمر 9 سنوات إلى مبلغ أكبر بأربعة أضعاف. ) (2)
ثمّ نلاحظ ذلك سردياً بقول الروائي :
( ضحك السمسار وبصوته المبحوح : ” إن ما تطلبه لا تجده هنا ولا في محل آخر للنخاسة ، وان هذه الصفات من النساء مرغوبات يشترونهن بسرعة ، وتجدها عند القادة في القصور ، يأخذونهن محظيات لهم ؟ ”
… خرجت أفكر بهذه المعلومة الجديدة التي افادني بها وأختصر عليّ الطريق ، صدقت مقولته فان الفاكهة اللذيذة والطازجة تكون من نصيب الملوك يتناولنها متى شاءوا ورغبوا ، … ) ص 150 .
مما يدلّ لدينا أن الروائي يسلّط الضوء على هذا الجانب رغبة منه في فضح وكشف صور اذلال وامتهان المرأة ، والتعامل معها كجسد يتعرّى أمام فحولة من لا يملكون الانسانية الحقيقية التي ضاعت في دهاليز وعتمة هذا الفكر المريض ، السبايا طبقات ، والأسعار متفاوتة وحسب ما ارادوه هم ، ليكون هناك دلالة ترابطيّة لزمنية جاهلية او ما سبقها . إذ يروي اليعقوبي في تاريخه قائلا ً: ( أول من سبى السبايا من العرب : سبا بن يعرب بن قحطان ، وكان اسم ( سبا ) عبد شمس ، وهو أول من ملك ملوك العرب وسار في الأرض وسبا السبايا ) . (3 )
حتى وإن لم يكن ( سبا بن يعرب ) ، صاحب السبق في السبيّ ، أو أنّ ارتباط الاسم به جاء مجرد حالة عرضية ، فهناك من العرب من كان سبباً في هذه ، فحروبهم اتاحت لهم نزعة امتلاك المرأة وسبيها ، حالها حال الغنائم الاخرى ، وأن ابناء الاماء هم عبيدٌ ، وأبناء غير شرعيين وغير معترف بهم من الميراث في العرف الاجتماعي السائد – آنذاك – في نظر العرب واليونان والرومان واليهود والبابليين .

لغة الرواية
تختلف لغة الشخصيات من رواية الى أخرى ، وحسب رؤية الروائي ذاته ، لكن من الملفت للنظر ، أن لغة رواية ( سبايا دولة الخرافة ) امتازت بالرصانة اللغوية وقلّة اللهجة العامية ، فنجد أن الروائي ( عبدالرضا صالح محمد ) جعلها ذات بعد ثقافي ، لأن الحدث أزمة وطن ، في مواجهة ارهاب تكفيري ، لذا / فاللغة الفصيحة ذات بعد ايصالي باثّ لكل قارئ ومتلقي فشخصياته مثلت شريحة مثقفة وواعية وتنحدر من عوائل ذات إرث ثقافي رصين ، وما انشغال بطل الرواية ( اسحاق ) حينما اتخذ احد البيوت في الموصل دارا ً له ، ليجد فيه مكتبة عامرة ، ليحطب منها وقوده الثقافي :
( تجولت في داخل البيت ، عثرت على مكتبة كبيرة تحتوي على كتب متنوعة اغلبها روايات ، ووجدت مخطوطات قصصية وروائية ، حدستُ أن صاحب البيت روائي أو أديب أو استاذ ، اخترت أحد الروايات وعملت لي كوباً من الحليب وبدأت أقرأ فيها حتى اعتراني الكرى وضعتها الى جنبي ونمت ) ص 164 .
كما تطالعنا تقنية الانسيابية المتراخية والوصفية التي طغت عليها في مواضع معينة ، ألزمت الروائي أن يسلط الضوء عليها على وفق متتاليات لا بدّ منها ، لتمنحنا البعد البؤري للحدث السردي ، وكأننا نجد أنفسنا في أتون تلكم الأحداث وبلا شعور ، هذه الرواية اضافة جادّة للمكتبة العربية والعراقية ، كونها توثيقاً لمرحلة خطيرة مرّ بها العراق والوطن العربي ، تكالب الارهاب على تجزئة الكلّ والبعض ، تجزئة لم تجد لها إلا روح اللغة الحيّة رصداً لم يزدد إلا صلابة رغم همجية داعش .

هوامش :
(1) الرواية والتأريخ ( بحث في مستويات الخطاب في الرواية التأريخية العربية ) : نضال الشمالي ، عالم الكتب الحديثة ، الاردن الطبعة الاولى – 2006 ص 113 .
(2 ) داعش دليل نكاح السبايا ، الدكتور نبيل فياض / موقع نبيل فياض الالكتروني ، تاريخ 13 كانون 1 / ديسمبر 2014 .
(3) تاريخ اليعقوبي : احمد بن ابي يعقوب ، ج 1 ، ص 195 ، ت عبد الأمير مهنا ، شركة الأعلمي للمطبوعات ط 1، بيروت / لبنان 2010 .

المقال السابقاَلْجَائِزَةُ مَا الْجَائِزَةُ
المقال التالىعرس الماء
حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق - العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية - كلية الاداب - قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو البيت الثقافي العربي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد