عرس الماء


 

قال لي :”هل تكتب المنجز؟”
قلت له :”أطلب ذلك فيكتبني هو .أقول ذلك ولا مجاز.نعم يكتبني هو.”

قاتلهم الله .كم أسقيهم من مائي ولا أجد منهم إلاّ العقوق و الجحود”: ما هذا الماء الأجاج؟ يا لطيف…يستقرب العين المالحة فيملأ منها قربه ويوهمنا بأنه ماء عذب فرات.. ” “اذهب أنت وماؤك إلى الجحيم”

وتلح النسوة في الدّعاء :” فليهلكه سيدي فلان ما أملح ماءه.” وتضحك صاحبة الحان وتقول :”ما أشدّ جحودكنّ .ألستن كنتن تطلبن ذلك متغنجات ؟”

ويضحك صنبور الماء والقربة والشيخ ذو السنّ .يضحكجميعهم في صوت واحد وتطير من الشجرة المقابلة كل طيور العالم مزقزقة. وتضحك في نهاية الحكاية صاحبة الحان..”. ألم تكنّ تطلبن ذلك متغنجات؟”

وقبل اليوم كان”يسقينا من قلبه المتورم بالحزن.” ” يسقينا من مهجته” ” يسقينا من خرافته التي يبتدعها في الليل الصامت ذي السترّ” “يسقينا أوهاما”…”يسقينا وكفى”

في كل صباح في كل مساء يستيقظ فيّ الماء فيهدر فيّ الموج ويعلوه الزبدّ. فأربط القربه على ظهري وألتمس عكازي وأسلك به الطريق إلى البئر.” لله درك يا قربتي .لقد شابني ما شابك من شكّ”. وترتعد القربة من البرد وتقبلني بين كتفيّ وتسرّ لي :”أحبك والماء” وأسمع الماء يغرّد وحبابه يردّد ترانيم داود.”

“في كل صباح يسبح الماءُ الصباحَ. في كل مساء يسبّح المساء مائي .وبين الميقاتين ركعتان واحدة باسم الخصب وواحدة باسم الجدب. وغائبه لا ذكر لها.”

” يطلبني الماء ويلحّ عليّ فيقبسني من تاريخ الصمتعن ثرثرة الماء والضياع عن سبيل الارتواء والشرود عن صراط الحياة. يطلبني الشرود فيشعل في قلبي النار وتتأجج ألسنة اللهب وهي تصيح :”حماد جاء .حمادعجرد على الباب. وديك الجنّ يطرق النافذة ووالبة يقرأ زبوره على النسيان .”

أيها السقّاء يا نرسيس الفيافي يا فقيد الماء يا ابن العطش والقحط والنار والحريق” أيها الفينيق” ,متى تتخذ إلينا الطريق؟ وأستفيق من نومي العميق على طرق على بلور نافذتي:

-أيها السقاء المنحرف قم وائتنا بماء عذب فرات فنحن في انتظار الضيوف. قم وائتنا بالسِّقاء مترجرجة متبرجة منتفخة التفاصيل, قم قبل الليل. قم لك الويل من كسول.

وأقوم إلى البئر العميقة أرهبها بالحبل الطويل وبالدلاء وأحدثها بما يريده أهل القرية فتشيح عني بوجهها ثمّ تعضّ على طرف لحافها الأزرق الذي تخللته آثار العرق المالح لتقول لي :”تبا لهم لا يعرفون فضلك حتى جاءتهم صنابير الفرنجة النحاسية . إنهم لا يعطشون. يشربون من فضلة الجنة التي يوعدون, إنهم يقلدون من يعطش إلى الحبّ ومن يجوع من قلة الوجد. إنهم لا يجدون. علّمهم أيها السقاء أنّ البئر لا تجود إلاّ بما فيها وأن السِّقاء واسطة أمينة وصاحبها يوشك أن تبتلعه صفحة الماء البلورية المفتونة بالشمس نهارا وبالنجم ليلا.

ثمّ تغادرني البئر وأغادر صاحبة الحانة الضاحكة وأنا أداعب مفاتن قربتي وهي تغرس بين كتفيّ قبلاتها النارية المائية. وأقول للماء :”أنت أحق منها بالعرس” فيقول لي الماء: “أتكتبني؟” فأقول: “الآن أكتبك فلا تمح ما أخبر به عنك”

تغادرني البئر مبتعدة عني ململمة ملاحفها الزرقاء وتغور في الوهاد وتسرق من مسمعي صاحبةُ الحانة قهقهاتها المجنونة ثم تغلق دونها بابها وأختلي بالقربة والماء, أختلي بالوجد فأكتب القصص التي يمليها عليّ الماء وتزينها تلافيف المفاتن فتكون مني الصحائف المسوّدات فأنهض من مرقدي أحمل كتبي بين يديّ وأنا أسير نحو القرية. وما إن أصل حتى أشرع في طرق الأبواب فيفتح لي الماء الأبواب فتقرأ النساء حكايات السكارى فيضحكن ويغنجن ويطلبن مني الدخول بسرعة وما إن يبدأ الماء في النزول في الخزاناتوالقلال وتُسمع قرقرته حتى يجتمع الرجال حولي فيقربون الماء من أفواههم ومن أنوفهم ثمّ يصيحون في صوت واحد…:”لعنك الله من محتال .اخرج منها فإنكرجيم وإنّ عليك اللعنة إلى يوم العطش الأكبر.

“فتسبقني القربة إلى ظهري ويبكي الماء بكاء المفارق ويترنم بالأغاني المبكيات ويرجوني أن أمحو الصحف وأمزقها…

ضحكت الحنفية وقالت لي:” هل تكتب المنجز؟”

فتحتها إلى أقصاها وجلست تحت شلال الماء وأنا أردّد :”عرس الماء هو عرسي وما أريد أن أفارقك ولا أبحث عن طهارة منكِ..”

لا تعليقات

اترك رد