لا ترفعي سقف التحدي


 

دخلتْ تضحك بصخب، تطقطق بكعبها الشاهق بتسعةِ سنتمترات، تتمايل كعارضة أزياء مبتدئة. تقذف هاتفها ذو الغلاف المشجّرباللون الزهري إلى الأعلى فيشهق وهو في الفضاء ثم تعود لتلتقطه بعبث وطيش. اقتربت من صديقتها وانثنت على وجهها تغني:

* ستريته كخاتم في اصبعي.

أزاحت صديقتها وجهها عنها وقامت من على مكتبها وقالت:

* لا ترفعي سقف التحدي مع رجل لأنك ستندمين فلا شيء لديه يخسره.

قهقهت وأعادت وجهها مرة ثانية وهمهمت:

* سترينه أضعف من ضعيف، يتساقط ما بين أقدامي كأوراق الخريف..!!

بحسرة وبنبرة مجروحة قالت لها:

* لوجه الله ولوجه المحبة ما بيننا أنصحك، و وللتاريخ والمصير للمصير المشترك ما بين جميع النساء، وللعذاب الذي ستشرب نخبه كل امرأة حمقاء أقول لك:

“لا تعقدي رهاناً مع رجل في غرائزه؛ ففي كلا الحالتين ستطلعين من اللعبة أنت الخاسرة. فطاولة القمار منك، والزهر بيده؛ وكيفما دار واستقر حجر القمار سيكون هو الرابح”

انفجرت ضاحكة، وراحت تدور، وتدور بكرسيها إلى أن استقر دورانه، ثم سحبته لتصير بقرب أذن صديقتها وتمتمت لها:

* منطقك هذا، هو منطق البائسات الضعيفات والمستسلمات لأقدارهن؛ أنت يا صديقتي واحدة من النسوة الجاهليات اللواتي يسلمن عقولهن للخرافات واساطير الأولين عن قوة الرجل وبأن المرأة هي الحلقة الأضعف ودائماً هي الضحية.

عادت وجلست خلف مكتبها وبلهجة مغمسة بالعصبية سألتها:

* لماذا تودين أن تعقدي مع هذا الرجل رهاناً وتضعينه باختبار على شيء أنت تدرين بأنه وبحكم الغريزة قد يسقط في الاختبار؟

* تهذيبه الزائد عن اللزوم يستفزني ويفتح فيَّ شبابيك الفضول. يتعبني الرجل المؤدب يصفع انوثتي على خدها بقسوة؛ ويدفعني للغضب أحياناً ويثير شهيتي للرهان والتحدي.

* المرأة لديها انطباع مسبق ومؤرخ في العقل الباطن؛ بأن الرجل كتلة غرائز لا أكثر، وحين لا تتحرك غرائزه تشعر أنوثتها بالحرج والإهانة وهذا ما يؤرقك أنت.

* لا أؤمن مطلقاً ولا أصدق أن على هذه الأرض رجلاً بلا شهوة جارفة وحتى الأنبياء وقعوا في الغواية، ومهما ادّعوا واستعصموا عن المرأة لابد وأن يسقطوا في حضن الغواية.

* أنت مجنونة؛ بدل من أن تراهني على ضعف وقوة غرائزه أمام جبروت غوايتك؛ لما لا تراهني على اختلافه وتميزه وتحافظين على نقائه؟

* كلما راهنت على رجل بأنه مختلف عن قطيع الذكور، للآسف سرعان ما يخذلني وبالأختبار الثالث يخلع ثياب عفته.

* أنت تراهنين على شيء تعرفين بحدس الأنثى نتائجه، وتعلمين علم اليقين بأن الرجل قد يصمد ويتحمل أيّ شيء إلا الغواية؛ رهانك هو رهان الخائبات واللواتي يبحثن بأنفسهن عن خيبة جديدة تؤكد لهن بأن الرجال جميعم متشابهون. المرأة تمد يدها وهي بكامل وعيها قبل أن تفقده في جحر الأفاعي ومن ثم تصرخ وتشتكي من لدغ الأفاعي.

* عزيزتي المثالية سأظل في تجاربي واختباراتي لعلني أجد رجلاً حقيقي ولا يفتعل الأدب والتهذيب

* هل أبوك هو واحد من هذا القطيع الذي يقع في الغواية مثل أبناء جلدته، وهل تأمنين على أمك منه وهل تصدقين ما يدعيه عن العفة؟

* ربما لو أنه تعرض للغواية سوف يسقط في احضانها

* وإن لم يتعرض لها من أفعى مثلك؟

* لا ادري في الحقيقة واعترف لك بأنني لم أدرج والدي ضمن قائمة الذكور

* لكنه رجل وينطبق عليه ما ينطبق على غيره من الرجال حسب نظرية الغواية التي تؤمنين بها.

صمتت وكأنها قد تلقت صفعة على صدغ ذهنها، وتوقفت فجأة عجلة شقاوتها واستسلمت للشرود. صديقتها كانت تنظر إليها بشفقة وحنان وكأنها قد أحست بالصفعة التي دوختها وأذهلتها.

كما يستثني الرجل أمه وأخته وزوجته من فعل الرذيلة؛ كذلك الأنثى هي تستثني والدها من الوقوع في الرذيلة لأنها منذ الصغر حفرت له ملامح خاصة كاملة ومطلقة لا يشوبها عيب وليس في تكوينه الخلقي أي تشوه أو نقصان.

تظل الأنثى في بحث دائم عن توأم لوالدها لكنها تفشل وتصاب بالخذلان لأنها تريد رجلاً صورة طبق الأصل عن والدها حين يكون هذا الأب حنوناً ويشبعها ويغرقها بالدفء

الرجولي. فلو أنها تفصل ما بين صورة أبيها وصورة الحبيب وتعترف في داخلها بحتمية الاختلاف ما بين ملامح الأب وطبيعة علاقتها به وما بين طبيعة الرجل الغريب.

لو تفكر المرأة وتتريث قبل أن تعقد رهاناً مع رجل على غرائزه وتتنبه بأن هذا الرجل قد يكون كما والدها، وتصدق بأنه صادق بأدبه وتعففه كما صدقت طوال الوقت عفه والدها.

ولو أن الرجل قبل أن يفكر باغتيال أنثى على اعتبار إنها مجرد فريسة مشاع لغرائزه؛ يضع صورة أمه أمام ناظريه، وتتجلى له صورة أخته قبل أن يهمَّ بتلك الأنثى. ويصدق بأن ثمة إناث بريئات ورائعات كما يرى أخته عفيفة ورائعة؛ فلا يعقد مع الأصحاب رهاناً على سرعة اغتياله لبراءتها ويطعن أنوثتها دون رحمة.

كل شيء يقبل الرهان والتحدي إلا الغرائز لا يجوز الرهان عليها وحتى إن سقطت الضحية بفعل الغواية أو الحب الموهوم والعاطفة المزعومة لا تكون فيها مغلوبة ولا مهزومة لأنها حين سقطت لم تكن بكامل وعيها؛ والعقد يفقد شرعيته إذا لم تكتمل شروطه وبنوده، ومن شروط العقد أن يكون المتعاقد برشده وبكامل وعيه ولم يتعرض للإكراه، والغواية بحد ذاتها هي إكراه للغرائز، وكلام الحب المفتعل هو تضليل للعاطفة.

فلا تضعي غرائز الرجل على طاولة القمار ولا تعقدي عليها الرهان، ولا ترفعي من سقف التحدي معه في الغواية. ولا تقامري يا صديقتي يا شقيقتي والتمسي الخير ببعض الرجال لتنعمي بالأمان؛ فالأمان لا يأتي من الغرباء، أنت من يصنع هذا الأمان بداخلك حين تؤمنين بأن الأرض ليست عاقراً لا تنجب من رحمها من بهم خير وبهم كل الأمان. فكما أنجبت من رحمها والدك، ومعلمك هي أنجبت من مثلهم؛ وكما أنجبت الأرض من رحمها أمك بطهرها وعفتها فقد أنجبت من رحمها كثير من الطاهرات الرائعات.

المقال السابقأنه السعر الجيد للنفط
المقال التالىأضاليل وأباطيل وأحابيل الإيهام بالديموقراطية في العراق
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد