حُقَنُ تثبيطِ الغضب


 

مذ تكشفت خيوط اللعبة للمخدوعين بالتغيير أو ” التحرير ” في العراق ، الحالمين بسلال غذائية أمريكية من أطايب الطعام و الشراب و حصص شهرية من واردات النفط تودع في حساب كل مواطن أول الشهر يُبلغه بها البنك القريب من داره بواسطة مسج على آيفونه و هو مستلق على جودلية إسفنجية أمام فوهة مبردة الهواء بلا شغل و لا عمل و حوريات أمريكيات مثنى و ثلاث و رباع مع شقة و سيارة ، و مذ بان لهم زيف ما خدعوهم به تكشف ” للمظلومين ” أنهم الآن فقط باتوا تحت الظلم فبدأ اليأس يتسلل إلى قلوبهم و يصنع ما اصطلح عليه صدقاً حيناً و زوراً أحياناً بالحراك الشعبي الذي يفترض أن يهدف لتغيير الأوضاع بصورة جذرية لكن شعار محاسبة الفاسدين و” إصلاح ” ما فسد و الذي أقحم في سوح التظاهر ، بالإضافة لأسباب أخرى بالطبع ، حمل في طياته من الخبث ما يغطي على النيات الطيبة لآلاف و أحياناً ملايين المتظاهرين و خدعهم من جديد كما خدعهم أول مرة و استنزف جهودهم ، و أقول ” الخبث ” لأنه صور الوضع السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي و الأمني المزري وكأنه أصبح مزرياً نتيجة لوجود بضعة فاسدين نتظاهر ضدهم و نغيرهم و ينتهي الأمر لا نتيجة نظام أقامه الإحتلال و طربت له الأحزاب التي جاء بها بني على أساس تدمير مرتكزات المجتمع و أسس تعايشه لضمان استمرار تدفق خيراته الى الدول المحتلة مقابل الفُتات الذي يلقى لهذه الأحزاب على شكل امتيازات يحصلون عليها و رواتب يتقاضونها و مناصب و مقاولات يقتسمونها بالتحاصص فيما بينهم لجمع أموال تودع هي الأخرى في حسابات تلك الدول .

و من أجل أن يضمن هذا النظام لنفسه البقاء قائماً كان لابد من إيجاد طبقة تأخذ على عاتقها حمايته من الثورات الشعبية بغياب جيش وطني قادر على تبني هذه المهمة ، طبقة خبيرة بزرق إبر التخدير العقلي ، يثق بها المواطن البسيط ثقة عمياء و ينفذ أوامرها و نواهيها بلا تفكير ويتحمل ألم حقنة التخدير بصبر ، هذه الطبقة التي كانت في البداية مقتصرة على رجال التضليل الديني قامت في صفحتها الأولى بدور الإعلام من خلال عشرات الفضائيات و آلاف المنابر المنتشرة في طول البلاد و عرضها لا تفوت مناسبة و لا خطبة جمعة إلا و استغلتها لتصور للناس أن الله اصطفى هؤلاء السياسيين و منّ علينا بهم كفرصة تحسدنا عليها شعوب العالم و عليه يجب حمايتها و تكرار انتخابها ( حتى لو كانت فاسدة ) و عندما مل المواطن العاطل و الجائع و المريض من حُقن التخدير هذه و قرر النزول إلى الشارع للتظاهر و لم تنجح معه محاولات القمع و التغييب لبعض الناشطين و شعر النظام بالخطرعمد لتوجيه أذرعه الحزبية ببدء الصفحة الثانية : أن تنزل معه إلى الشارع ، تتظاهر و تهتف و تختطف الراية من يد شبابه و هي بذلك تسيطر على حركة المتظاهرين و توجههم بالشكل الذي تريد بل و ترفع الشعارات التي تريدها هي ، تبدأ التظاهرة من ساحة الطيران مدنية فإذا ما وصلت ساحة التحرير تحولت إلى موكب عزاء ترتفع فيه رايات الأحزاب و صور الزعماء الذين يملكون المال و السلاح و يمسكون أطراف العملية السياسية التي يتظاهر ضدها الشباب حتى يئسوا من تحقيق شيء في ظل هيمنة هؤلاء على توجهات التظاهرات فانسحبوا لا يللون على شيء .

في الموجة اللاحقة من التظاهرات مهدوا لهم عملية احتلال البرلمان ” تحت السيطرة ” ليجهضوها فتنتهي إلى لاشيء ، هنا تمكن النظام من قياس سرعة و شدة العاصفة و نجح في حرفها عن مسارها لينتقل إلى الصفحة الثالثة ، الصفحة ” الألكترونية ” حيث شهدت الفترة الأخيرة إنشاء صفحات ألكترونية على مواقع التواصل تحمل شعارات كبيرة طالما حلم بتحقيقها الشباب الصابر و الحالم بدولة يُحترم فيها الإنسان و يُنصف و تصان حقوقه ، و بدل أن يوجه النظام التظاهرات ضد نفسه في سوح التحرير صار يقودها على مواقع التواصل و بعض القنوات التلفزيونية ضد نفسه أيضاً باستخدام جيوش مدربة تعرف متى تهاجم النظام و أين تهاجمه لامتصاص نقمة و غضب الناس و توجيه أحجارهم بعيداً عن زجاج النظام ، أهمية هذه الصفحة تأتي من تزامنها مع انتهاء صلاحية مجلس النواب وبدء مرحلة السباحة في الهواء في ظل تجاهل الكتل السياسية لقضية تزوير الانتخابات و حرق صناديقها . هذه المرة قد يزجونهم في عملية اقتحام جديدة لمجلس النواب ومجلس الوزراء تحت حماية هذه القوى و أذرعها المسلحة تغرق البلاد على إثرها في فوضى عارمة و تنتهي بإقامة نظام جديد، رئاسي ربما ، يداعب مشاعر الحالمين ببعض المركزية التي شتتها النظام الحالي بذرائع شتى مع عملية تبديل الثياب لذات الممثلين أو دفع جيل من الكومبارس إلى الواجهة الأمامية في عملية قد تمد في عمر النظام ” الجديد ” لخمس عشرة سنة أخرى . و من تطبيقات الصفحة الثالثة هذه أيضاً ظهور شخصيات بعضها كان يتقلد مناصب رفيعة في حكومات الإحتلال السابقة و بعضها شخصيات مبهمة في ظل بروباكاندا ملفتة تتحدث عن بدء عملية كبيرة تقودها الولايات المتحدة لاعتقال مئات الشخصيات من الفاسدين و إعادة أموالهم إلى العراق وهي بالونات يطلقها النظام لاستقطاب و سحب الأصوات الغاضبة بعيداً عن البؤر الحقيقية لثورة يخشى قيامها . هذه الشخصيات لم تشرح لنا بالضبط لماذا تريد الولايات المتحدة تغيير نظام صنعته بنفسها و يخدمها بتفان و لماذا تريد إعادة أموالهم من حساباتهم في الولايات المتحدة و غيرها فيما يتبجح رئيسها ليل نهار بسعيه لترليون دولار و نصف ثمن كلابه الذين نفقوا في بلادنا ، بل ماذا ينتظر العراقيون من ألولايات المتحدة أكثر مما أذاقتهم .

حقن تثبيط الغضب التي تناوب على حقنها في مؤخرات الشعب المسكين رجال التضليل الديني و رجال التضليل الإعلامي باستخدام المال الفاسد و السلاح و الدين و كل ما يقع تحت أيديهم ، هذه الحقن أصابت الكثيرين بالإدمان وصاروا يتنقلون بين منابر الخطباء و شاشات جوالاتهم بحثاً عن جديدهم القديم و استمالت الكثيرين لتغيير مواقفهم و القبول بالقضاء و القدر فيما ركن المتبقون إلى القنوط .

و سيبقى الوضع على ماهو عليه و على المتضرر اللجوء إلى القضاء .

لا تعليقات

اترك رد