اَلْجَائِزَةُ مَا الْجَائِزَةُ


 

تصدير:

وقّع ذو الرئاستين الفضلُ بن سهل:” الأمورُ بتمامِها، والأعمالُ بخواتمِها، والصّنائعُ باستدامتِها، وإلى الغايةِ جريُ الجوادِ؛ فهناك كَشَفَتِ الخِبْرَةُ قناعَ الشكِّ؛ فحُمِدَ السّابقُ، وذُمَّ السّاقطُ “.

***

هذا الصّيفُ… وذي حُمَيّاه كحُميّا جَهْد وكبَد، وإيمان ومغالبة وصبر كنتم فيه، وهذا حصاد الدّرس وذا راحُه ورَوْحه.

أهلَ الظّفرِ من أبنائنا التّلاميذ، ما أجملكم – وأنتم حفلُ العلم والعرفان- تأخذون جوائزكم فتلبس بكم مدارسُكم ومعاهدُكم ألوانَها، ويضوع نشرُكم؛ نشرُها… ! تهفو إليكم قلوب، وترنو إليكم أعين، وتحيا بكم الضّمائر، ونرتفع … نرتفع بكم … ويرتفع الوطن… اليومَ تنكر الأرضُ حضيضها.

ها بلغت بكم أقلامُكم شأوَكم، وها أشرعت الطّريق، طريقٌ أعْلَمْتموها بخطوكم، وامتحنتموها بصبركم فهُدِيتم وما أكثر ما تختلف تلقاءَ السّالكين بناتُ الطّريق!

الجائزة… ما الجائزة؟

أهي تلك الّتي يأخذها أبناؤنا المُجيدون بين أيديهم أم تلك الّتي تَعْلِقُها الرّوحُ لسرٍّ فيها هو معناها الصّميم؟ وما معناها الصّميمُ؟

أصل الجائزة لغةً “الجِيزَة من الماء مقدار ما يجوز به المسافر من مَنْهَلٍ إِلى مَنْهَلٍ”. وحسبنا هذا معنى صميما. وهل سفر كالسّفر في الأسْفارِ؟، وهل حياةٌ – والماء أُقنومُها- كحياة القلوب والعقول يَمُدُّها الحرفُ أسبابَها؟ وهل منهل عذْب فراتٌ كمنهل العلم والعرفان؟

الجائزة جَواز إلى… جواز إلى أفق من الرّضى والبهجة والمعرفة والقيمة…

جواز إلى أفق من الرّضى عن النّفس قدرةً وإيمانا بالقدرة وإشهادا عليها بهذا النّجاح المؤزّر. انظر تره في بريق العينين، وفي افترار الثّغر، وفي الزّينة لهذا اليومِ يومِ الزّينة.

الرّضى عن النّفس!… كلّما أدرِك شأوٌ طُلب آخرُ، وكذا الأفقُ كلّما سِرتَ رسمتَ خطّا له جديدا. وهذه جائزتك بنيَّ، بنيّتي، فخرُك الآن وعنوانُ فخر قادم هو آت لا محالةَ بعزمك وتصميمك ومثابرتك. هذا همسُها

الخفيّ وأنت تستلمها من يد معلّمك أو أستاذك أو أبيك…، يدِ رجل من رجالات التّربية وأنت مُحتفاهم ومُحتفَلهم.

جوازٌ إلى أفق من البهجة والمحتفى بهم وبهنّ من تلميذاتنا وتلاميذنا نُوّارٌ تباهج روضُه، والحفلُ المُحْتَفون من آباء وأمّهات وأساتيذ ومديرين ومشرفين… قد اجتمعت قلوبهم وتظاهرت عزائمهم من أجل هدف جامع وغاية بعيدة لكلّ سهمٌ فيها. وأجلّ الغايات بناء الإنسان المُريد العارف القادر. وتلك أثافيّ الفعل النّاجع: رغبة ومعرفة وقدرة. وإنّ نجاحَ أبنائنا نجاحُنا وإعجابُكم؛ قولُكم لنا مرحى ! . وإنّ هذا النّجاح مؤذن بنجاحات أخر ما كان هدفٌ وقصدُ سبيلٍ، وما كان عزمٌ وتصميمٌ.

أفق من البهجة ما كان اجتماع وشهود، وما حضر النّادي أهلوه. وما رحُب المكان والزّمان فاتّسعت الأرض وامتدّ الحلم، وما تسلّم الجائزة صاحبها وما سلّمها حَدِب ناصح أو ذو أثرَة وفضْل. وكم متخلّفٍ عن يوم الجائزة لا عذر له.

جواز إلى أفق من المعرفة عقلا ذكيّا سؤولا، وروحا متوثّبة متشوّفة، ووجدانا حيّا متيقّظا، أفقٍ يرتقي إليه المتعلّم آخر كلّ سنة دراسيّة ( قرار مجلس القسم: يرتقي) وكذا النّجاح جوازٌ وظهور وارتفاع. أو يقصر عنه فيذهب سفلا ويرسُبُ من ثقلٍ. وكم تثقل الأجساد لا تطلب السّماء بأجنحة الرّوح. (قرار مجلس القسم: يرسب). للّه ما أبلغ هاتين الاستعارتين وما أحرى أن تكون وأضرابَهما ممّا يجري على ألسنتنا مدخلا لتدريس المجاز في أقسامنا!

جواز إلى أفق من المعرفة، والجائزة جِيزة يُسْقاها صاحبُها من عيون الكتب يحملُه فُراتُها على أن يرِدَه مُستزيدا، والجائزةُ طريق أنت مجازُه (1) وروحُك الطُّلَعة. ولن تكون الجائزة هذا الأفقَ وهذا المجازَ إذا لم تَسْنُ فترخُص لها الأموال، وإذا لم تُوكَل لعقل مختصّ يتخيّر عناوينها ومفرداتها – “واختيار المرء جزء من عقله”- حتى تكون على أقدار أصحابها نموّا وإمكان فعل. وممّا يؤسف له أنّ الجوائز المدرسيّة في بعض المؤسّسات التّربويّة سانحةً للتّخلّص من عناوينَ ترِبَتْ على الرّفوف أو نُسيت في الصّناديق، فإذا خلا تلاميذنا إلى جوائزهم أنكروها وضاقوا بها.

أفق من المعرفة والجائزة ذَكا فضولِهم؛ قد يجتهد البعض فيجعل من كتب السّنة الدّراسيّة القادمة جوائز تحفظ للآباء مُفْتَتَحَها بعض دراهمهم الّتي عصفت بها رِيَب الدّهرِ، وتكون للتّلاميذ شُرفةً على درس سيشهدون، ولكنّ للدّرس ميقاتَه ومقامَه، والجائزةُ أوساعَه ومداه. وللدّرس أدواته المشتركة والجائزة ما اختصّ وامتاز.

الجائزة… ما الجائزة؟

جواز إلى أفق من القيمة؛ قيمة العلم والعرفان، قيمة النّجاح والإبداع، قيمة درسٍ كان وشمَ الحرفِ على شغاف الروحِ، وكان طُمأنينة الذّات في وطن المعنى، وكان مثالا تقدّه الأحلامُ وتقفوه العزائمُ، وكان أثرا تستهديه الخُطى، وكان نصّا يُقرأ بعد حين، وكان نصّا يُكتب من جديد.

الجائزة بين أيديكم أكبر من هذا الظّرْف الّذي ازّيّن وزها، وممّا اشتمل عليه وقد جاد وغلا، الجائزة تحملونها بين أيديكم ولكنّها لا تُحْمَل إلّا على المجاز: إنّ المكانَ مؤئلُ الفعل، وإنّ الفعلَ أثرٌ يؤتثرُ، وإنّي على هذا أجيزكم. وإنّكم على هذا تُجِيزون معلّميكم.

الجائزة … ما الجائزة؟ سؤالك. وجواب السّؤال: الجائزةُ ما الجائزة.

كذا انتهى سؤالُك إلى جواب عَظّم سُؤلَكَ.

وكذا جائزتُك يحفظها القلبُ فلا تُنسى… وكلّكم قائل: واها لجائزتي الأولى ! (2).

(1) المَجازُ: الطريقُ إذا قُطِعَ من أحد جانِبَيْهِ إلى الآخَر.

(2) واها: للتّعجّب من طيب الشّيء.

لا تعليقات

اترك رد