تمثال لاظوغلي


 

يُخلد الناس بلكمات تبقى عالقة في وجدان الناس، أو بنغمة شجية تتعلق بها النفوس، أو بريشة فنان وبقع من ألوان يتعلق بيها أعين البشر جيل بعد جيل، وربما بأعمال عظيمة تؤثر في معاصريه سلبًا أو ايجابًا، وتبقى درس للتابعين وتابعي التابعين ومن المحتمل حتى قيام الساعة، أو بحجر فوق حجر يكونوا شاهد على عظمة الفكر والبناء والمعمار كما في أهرام الجيزة أو المعابد المنتشرة في كل ربوع صعيد مصر، أو بتمثال نحته فنان عبقري ليبقي ذكرى صاحبه حتى نهاية العمر، نتذكر صاحبه وننسى صانعه.

محمد بك لاظوغلي كتخدا مصر في عهد محمد علي باشا أي نائب الوالي، خُلد لأكثر من سبب، فهو له الكثير من الأعمال الهامة التي لا يمكن أن يمحوها أحد من تاريخ مصر الحديث، فهو أول من اسس الدواويين والمصالح الحكومية وكان الساعد الأيمن للوالي محمد علي باشا في تحديث مصر، وله تمثال معروف للجميع يقف منتصبًأ في ميدان يحمل اسمه أيضًا.

هو دون شك أو منازع واضع بذرة التحديث في إدارة القطر المصري، تلك الدواويين التي تحولت فيما بعد لنظارات ومن ثم إلى وزارات، وهو نظام جديد دخل لعالم الإدارة في مصر على يد محمد علي ومساعده كتخدا بك محمد لاظوغلي.

ومن المعروف أنّ هذا اللاظوغلي هو أحد الأضلاع الخمسة في المؤامرة المعروفة بمذبحة القلعة أو مذبحة المماليك والتي تمت في اول مارس عام 1811 م، والأضلاع الأربعة الباقية للمؤامرة هم محمد علي باشا والي مصر ونائب السلطان؛ وهو المدبر والمخطط والمستفيد الأول والأكبر من تلك المذبحة، وحسن باشا قائد الجنود الارناءود، وصالح قوش أحد ضباط الجند، وإبراهيم أغا حارس الباب، وصالح قوش هذا هو الذي كان يقود الجنود الارناءود في الموكب وكانو يسيرون خلف الممالليك وهو بنفسه الذي اعطى لجنوده الأشارة المتفق عليها لبدء المذبحة.

اما كتخدا بك محمد لاظوغلي هو من خرج بعد أن توقف أطلاق الرصاص ليجهز على باقي المماليك، سواء داخل القلعة من أصحاب الحظ العثر الذين حضروا بناء على دعوة والي مصر أو من المماليك المتخلفين الذين تم القبض عليهم ولم يحضروا لوداع الجيش الذاهب لقتال الدولة السعودية الأولى.

ورغم أنّ محمد لاظوغلي له ماثر كثيرة في تحديث نظام الإداري إلا إنه شخصيًا لم يخلو من عيب سياسي خطير وهو لم يتورع عن محاربة خصومه بكل الوسائل المشروع منها وغير المشروع، وكان دائم التجسس عليهم ويدس لهم عند الباشا، وكانت جواسيسه بناء على اوامره يتسللون خفية إلى المقاهي التي اعتاد السياسيون والوطنيون الجلوس عليها، وكذلك بيوت الأعيان وينقلون له كل ما يدور فيها من أحاديث وحوارات ومحاورات ومناقشات سياسية عبر رسائل سرية يضعونها في فتحة باب بيت في حي السيدة زينب حيث تسكن سيدة ينحصر دورها نقل هذه الرسائل إلى مكتب محمد لاظوغلي في القلعة، ومن حسن تدبيره أن لكل جاسوس ساعة معينة يذهب فيها لوضع رسالته حتى لا يلتقون أو يتعرفون على بعضهم البعض.

في عام 1869 كلف الخديوي محافظ القاهرة “أحمد باشا الدرة” بمهمة تبدو بسيطة ولكنها اربكت محافظ العاصمة وكادت أن تعصف بمستقبله السياسي والمهني، حيث طلب منه الخديوي ايجاد صورة لمحمد لاظوغلي باشا، وهنا كانت الورطة؛ فهو ليس له أي صور متوفرة.

وبما أن الصورة المطلوبة لواحد من أهم واضعي ومؤسسي الروتين الوظيفي في مصر والذي مازلنا نعاني منه لم يكن أمام المحافظ إلا أن يتصرف ويبحث عن مخرج لورطته، لكن ماذا يفعل؟ وما في اليد حيلة، والعين بصيرة واليد قصيرة.

ولكن وبالصدفة البحتة وأثناء تجول المحافظ بخان الخليلي لاحظ سقا يشبه الباشا المطلوب صورته إلى حد كبير، تنفس الصعداء وأمر باحضار السقا إلى مبنى المحافظة.

عليك تخيل حالة هذا السقا المسكين وهو مسحوب من قبل الحرس الخاص بالماحفظ لمبنى المحافظة، وكمية الهلع والخوف التي عاناهم هذا الرجل البسيط، وكمية الخيالات عن العذابات التي سوف يتلقاها والتي سوف تنتهي دون شك للموت أو الاعدام بطريقة ما لا تخلو من القسوة عن جريمة لم يرتكبها كما العادة.

مع وصول هذا الرجل المسكين وجد نفسه أمام حلة نائب الوالي وسيفه وعمامته ونياشينه، وقبل أن يبلع الرجل ريقه أو يفهم ما يدور حوله كان المحافظ بنفسه يلبسه ملابس الكتخدا بيده، ويأمر مصور المحافظة بالتقاط صورة له بعد أن ارشد صاحب قربة الماء كيف يقف وكيف يمسك سيفه.

وهكذا خرج “أحمد الدرة باشا” من ورطته وصنع التمثال المشهور الموجود في ميدان لاظوغلي المثال الفرنسي “جاك مار” عام 1872 على أساس صورة السقا الذي خرج من مبنى المحافظة لا يصدق نفسه أنه نجى بهذه السهولة، دون صفعة على قفاه أو ركل لمؤخرته، وهكذا يضع الله سره في أهون خلقه لينقذ الباشا المحافظ، وربما بعد فترة من الزمن وبعد أن وُضع الثمثال في مكانه في ميدان لاظوغلي وقف هذا السقا وظهره محني من ثقل القربة عليها يتأمل التمثال الذي صنع على شاكلته والتي لو اقسم للمارة أنّ هذا التمثال له ما صدقه أحد أو لاستدعو له من يسحبه للمارستان.

لا تعليقات

اترك رد