قهرمان يوسف يلاحق الضوء … حتى يبقى اللون وهاجاً


 

من الخشبة إلى اللوحة ، من المسرح إلى التشكيل ، حيث أخرج أكثر من عمل مسرحي لتقدم على خشبة المركز الثقافي في الحسكة في بداية الثمانينات ، و حين فكر أن يقدم مسرحه بالكردية لم يجد أمامه إلا عيد نوروز حيث المكان الوحيد الذي من الممكن أن يقدمه رغم الضغوطات الأمنية حينها ، و حين بدأت هذه الضغوطات تكبر ، توجه إلى دمشق و من هناك إلى قبرص ليقيم فيها سنوات عديدة ، و حين لم يجد ما يبحث عنه و أن الخناق مازال يشتد على رقبته توجه إلى كندا ، و هنا كانت حياته الجديدة و على نحو أخص مع الريشة و اللون ، حيث بات يدرسه أكاديمياً و كان لابد من مواهبه و عشقه لهذا المجال أن تقولا لونه .

نعم هي رحلة شاقة و متعبة ، لكن تحديه للزمن و للظروف ، وتملكه لإرادة تليق بفنان جعلاه يرسم طموحاته بالطريقة التي يحبها ، فكانت الريشة و اللون خير أداة للتعبير ، مستفيداً من ذاكرته الحميدة ، المشبعة بالمكان و الإنسان ، و بأشياء تحل ضيوفاً على منجزه رغماً عنه ، فالذي يعتاد على رائحة أمه لا يمكن أن يبتعد عنها ، و إن اضطر إلى ذلك ستبقى مرافقة له إلى آخر رشقة روح ، و بطعمها الطازج .

تبدو أعمال قهرمان قريبة من نقطة تقاطع الضوء الحارق لصيف البلاد مع تلك الخطوط التي تنطلق من أطراف مواسمها نحو مصائر حكايته بحدودها المفتوحة على عالم تخيّيليّ ، عالم فيه المدى يولد من ألوانه ذاتها و هي تنطلق من طرفي لوحته ، فالمناخ العام لأعماله تقربنا من ماضينا الذي نفتقده الآن كثيراً ، من ماضينا حيث الحركة في أوجها و اللون في وهجه ، و هذا ما يثيرنا بقلق نحو غد قد يكون قريباً من عصر الكهوف ، و هذا يزيدنا إلتصاقاً بلوحته علها تشكل الوجود الكلي للإنسان ، فمن ضربات متكررة ، على وجوه متكررة يدخل بعض عناصره على نحو غير جلي في مساحات أكثر تأملية ، و أكثر تشابكاً في إحتواءاتها الشفيفة غير المنفصلة عن حقله الجمالي العام ، و هنا يلاحظ أن تمثيل تدرجاته اللونية بكثافتها تزداد وهجاً حين يكون من الحواف نحو المركز حيث بؤرة العمل ، هذا على صعيد الحقل الظاهري لمشهده البصري ،

أما الحقيقة الفنية فتبدأ بالظهور كإشعاعات تقسم مساحاته إلى أطياف هي ليست إلا نتيجة إلتقاء بين عالميه ، الظاهر و الباطن على شكل حركات منها تولد حسه اللمسي مشيداً مع حسه البصري مكاناً مقدساً في أنحاء عديدة من عمله ، و من هذه الزاوية فإن كل تعبيرياته تتم داخل المدى الحامل لدلالاته ، الحامل لهجرته و ترحاله ، لبحثه الدؤوب و المركز عن المعنى لوجوده ، عن الطاقة التي ستحقق ذاتية الإنسان فيه ككائن جميل منه و له تسرد كل الألوان و الأساطير ،

ككائن تنبش في ذاكرته المبلورة بأفق جمالي ، بمسار يجتر الإشكالات المؤرقة داخل متخيله حيث التقاطعات خفيفة بالقياس إلى ما يجري داخل العمل ذاته و في مستوياتها الكثيرة و بدورانها غير المحدود فلا يترك الزمن بتفاصيله و لا الصمت بدواليبه ، فاللحظات عنده ليست إلا آلات مرمية كالناس في بوتقة الطغيان و لغته ، و في ظل الجدالات القائمة بين ملامح شخوصه يظهرها يوسف كشكل من الحوارات التي تعبر عن تفتقات وعيها الجديد و كيفية صوغها على شبكة غير محدودة من العلامات التي تحكمها روابط سيميائية تعود إلى كون يوسف يدفع بتجربته الإبداعية إلى عمق التجربة الإنسانية بإعتبارها منطلق لتحديد سيروراتها الإدراكية ،

فالمسألة عنده في النهاية ليست إسقاطاً حرفياً كتقليد الحالة بلعابها ، و لا توزيع الحكاية بألوانها وفق ثنائيات تواصلية تنشط في مواقع كثيرة ، بل المسألة هي تقويض الفضاءات بمكابدات تقربها بهدوء من زمن التوقع و الحدس ، هي تقويض الحد المتمركز في براري الشيء نفسه ، و هذا ما يجعله فرارياً يستخدم المخيلة على نحو أوسع و أشمل و على وجه الخصوص حين يريد أن يقول مقولاته الفنية و التي تحاكي كثيراً اللامكان .

 

 

 

 

لا تعليقات

اترك رد