النّشيد الوطني


 

لقلب يخفق حين يضطرب النّشيد. نردّده فتبكي العين حين يرفع من جديد. أحاول أن أفكّر… أسأل لماذا نعزفه؟ لا أعلم أحدا بما يجول في رأسي لأنّ الفكر جريمة في عرف شعوب تعوّدت على التمسيد، ولأنّ الإسراف في اِستعمال العقل جريمة واِغتيال العقل من صفات العبيد. فنحن أقصى طموحنا مشاهدة بطل مسلسل مدبلج ومتابعة كأس العالم وتحليلها مثل أي مختصّ فريد.

موطني موطني وأنا أردّد هذا النّشيد… سيعذّبك حبّك وتنهار وأنت تعبد صنما هو الوطن … يضحك عليك ويعدك بالعسل من مؤخّرة الدّبور وبكرسي السّعادة وليس سوى أمنية أن تحبّك هذه البلاد وتبادلها الحبّ صباح مساء. ولكنّك لم تكن يوما صديقا للخشب…أنت من أتباع أبي لهب… ترتقي في الفقر وقوافل تجّارك تدخل من الأبواب الخلفيّة وزناتك ينتهكون عذرّيتك. فيا وطن المهمّشين تكلّم ويا دارس التّاريخ تعلّم…

هذا العلم… ننشده… نبكي لأجله… هذا النّشيد لشعبك المنسيّ بين متاهتين نفس النّشيد نموت نموت ويحيا الوطن… يحيا لمن؟ لا أريد جوابا، فالجواب في مثل هذا الوضع أمر لا يفيد… نفس الحماقة ونفس الجنون وعند الموت والاستشهاد يرفع النّشيد. وعند النّشيد وعند اللّعب نحيّي العلم بعزيمة نظنّ أنّها من حديد…ثمّ نسكن قبور الخوف والعجز ولا يستجيب لنا القدر: هذا المكابر والعنيد… فنبكي وطنا نرى فيه حثالة بعض البشر قاءهم الزّمن وقد باعوه سرّا وفي العلن…

لماذا يا وطنا ضقت بنا وكنّا ننشدك في المدارس والثّكنات والملاعب الرّياضيّة؟ فقدناك فاغتربنا وشُغلنا عنك فاحترقنا… موطني موطني: المياه والدّواء والكهرباء والغذاء في غلاء… في غلاء… الصّغير والكبير والفقير والغنيّ… في اِستياء… في اِستياء… الوطن ولادة وهويّة وحياة…خلود وشهادة وصلاة… سرّ وعلانية حبّ وطواعيّة. وطني سؤال وقضيّة…

لكم يعجبني الاستماع للنّشيدين الوطنيين الجزائري والتّونسي… حدّثني صديق قبائلي جزائريّ أنّ النّشيد الوطني الجزائري هو الوحيد الذّي تمّ تأليفه داخل السّجن وكتبت كلماته بالدّماء على الجدران حرفيّا ولا يزال إلى اليوم يتوعّد بالانتقام من فرنسا الاستعمارية وهو من أكثر الأناشيد الوطنيّة تأثيرا في العالم.

تقول كلماته:
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب
وطويناه كما نطوي الكتاب

يا فرنسا إنّ ذا يوم الحساب
فاستعدّي وخُذي منّا الجواب

إنّ في ثورتنا فصل الخطاب
وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا

ولذلك تجد منسوب الوطنيّة لدى الشّعب الجزائريّ صادقا مرتفعا.

الوطن نجمتنا… هلالُنا ونحن له مخلصون… فماذا سيكتب التّاريخ؟

فم أعمى وذاكرة خرساء… ما أصغر الدّولة وما أكبر الموجة… إن لم يكتمل حضوري بك يا وطني فقد كنت أتعاطى انتسابي لك بالوراثة… النّشيد… له انحناءات… رسائل أهملها ساعي البريد…

وضعناك صحبة الأناشيد الرّديئة كمن يحمل وطنه في كيس من قماش فهل إن سلّمتك قلبي سأصبح عاشقا أو قدّمت لك رغيفي سأصبح جائعا؟

وطن أسير إملاءات أصحاب المال والنّفوذ، لا يغضب لطفل لا يرتدي حِذاء…لطفل على صليب الشّعب يُصلب…لكهل توجعه طرقة المسمار… لرجولة لا تغار.

فارفعوا أياديكم عنه وأقيموا بهذا للنّشيد… سنحيا فاشهدوا رغم خريف الجوار.

لا تعليقات

اترك رد