مرايا السخرية بين الحياة والمسرح وأصداء أوالياتها الأحفورية

 

نافذة 02: المسرح والحياة

أُسسُ الحياة وأواليتها بمعنى مخصوصٍ لآليات ممارستها والعيش بتفاصيل يومها العادي، كثرما احتضنت آلاماً وتهكمات منا ومن وجودنا بتمامه وبأكمل وأشمل معالمه.. إنّها تسخر من تفاعلنا أو انفعالنا بضغوطها مما ينبع منا ويقع علينا بأحماله وأوصابه. ومن تجاريب الإنسان تتبدى صور تعكسها مرايا هي أصداء بعضها بعضا، فشيءٌ يأتي من آخر أو يولد منه.. والأواليات بتنوعاتِها تتبادلُ الأثر والنتيجة.. وكثرما جاء النقيض بنقيضه.. فاحتدام الانفعال والشد والتوتر يدفع إلى التهكم والاستهزاء أو يلجأ امرئٌ بسببه إلى السخرية من أمر أو آخر، انعتاقاً مما وصله من احتقانٍ، ربما تجاوزَ حدَّ التفجر…

فما السخرية(Irony, sarcasm, parody) في الحياة وما هي في المسرح؟ وتمهيداً للإجابة، لننطلق باستكناه الأمور في اتساع فضائها؛ فسخر بأمر أو منه هزء به و\أو منه وأنت تسخر منه أي تلذعه بكلم تتهكم فيه من مشكل و\أو شخص، أي تحتقره وسط بيئة بعينها وسياق محددٍ؛ سيكون إيجاباً بموضع الانتفاض على ما نفرتَ منه أو أنك توترت من فكرة أو فعل استدعى تهكمك للفصم بين الناس وتلك السمة بوساطة صيغة (تعبيرية) لا بمعالجة مباشرة عقلية مجردة محضة..

وهكذا فإنّ السخرية تتضمن انتفاء أو انتهاء الخشية من عاقبةٍ.. والساخرلم يعد يعبأ بما أو بمن يسخر منه. كأن تكون السخرية من خرافة تتحصن بالقدسية المزيفة ولكنها ذات السطوة فتكون كسرت الخشية وإرهاب الإنسان من الخروج عليها أو تكون السخرية من كهنوت مزيف له قوة البلطجة والمصادرة وتفضح السخرية الحقيقة بعد أن يكون من أبدع السخرية قد كسر حاجز الخشية من تلك المحظورات وما ترهب الناس به.

وعلى ذكر المزيف من الحقيقي في حيوات البشرية؛ يكون بين السخرية والاستهزاء فارق، أنَّ السخرية قد تكون وسيلة إصلاح وتغيير وأداة فضح الزيف على سبيل المثال كما مر المثل.. وهنا تكون السخرية تعبير نقدي يحطم عامل الإخافة والإرعاب ويكسر حاجز الخشية ليتحول إلى إنفار الناس من تلك السمة المسخور منها ليدغ إلى التخلي عن السمة (المستهزأ) بها، سخريةً؛ على أن الاستهزاء يشير إلى نقدٍ أو ذم أمرٍ غير موجود حقا وفعلا لا بالشخص المستهزأ به أو منه ولا بالفكرة التي يُسخر منها بتلك التوصيفات التعبيرية، وهي بتلك الحال تصير مجرد تعبير سلبي، تتبدى فيه العدائية واضحة مع القيم الأخلاقية السامية، إذ ترتكب الانتقاص والازدراء سبّة مرضية..

وإن كانت السخرية مفرغةً من القيمة النقدية لا تشتغل إلا بصورة هدمية ولن تكون بمسار البناء أو سياقه إنما بالتأكيد بمسار السلب والانتقاص كما أسلفنا.. ولهذا فلا بد من الحذر الشديد من مكان استخدام السخرية وتوقيته وكيفيته. بمعنى أن الوجه أو المسار الآخر لتعريف السخرية، كما قيل من قبل بأنها: (برق النميمة) وصنوان الهزء شتماً وسباً بلا غاية سوى الانتقاص والإهانة، ازدراءً وتحقيراً، حيث وضع المرء بما لا يراه حقه، بالضحك منه أو به مثلما يتضح في وقائع حيواتنا وتجاريبنا حين توقع الظروف بامرئٍ أو أمر بعينه لسبب ما من أسباب الصراع في الحياة…

إذن، السخرية هي تهكمٌ نقديٌّ من جهةِ كونهِ سمةً تعبيرية استنفد المرءُ فيها أو عندها فرص الصبر وتجاوز مرحلة التوتر والاحتقان إلى التفجر والسخرية متعددة الأدوات والوسائل والأسس فهي بأواليات اشتغالها تتعدد وتختلف بين الازدراء والتحقير والإهانة وبين الهزء والضحك بما لا يمس المرء أو الفكرة التي تتعرض لنيرانها..

على أن مثل تلك الأواليات قد تولّد عند بعضهم في أحايين بعينها رهابا يسمى رهاب السخرية خشية من أن تحط من قدر المرء وسط بيئته بدل تنجاهها الإيجابي لتغيير سمة مضحوك منها أو الوقوع بما يحقّر المرء أو يزدريه وسط أقرانه بدل انصباب النقد على معايبه ومثالبه لمحوها…

ووسط أوضاع عبثية وأشكال سحق تفرضها انهيارات المنظومة القيمية بمكان وزمان بعينهما، كثرما تنزلق السخرية إلى حيث تحمل الأمور على اللعب بصورة العبث لا بنائية ولا إيجابية فيه؛ فهي إذ تؤدَّى بتمثيل سمة بصيغة تضخيمها و\أو المبالغة في عرضها وتوصيفها بأدائها قولا أو فعلا وبالإيحاء والإشارة أو الإيماء قد تقع بمنطقة تتجاوز منطقة الحذر بين اللعبة البريئة وتلك التي ترتكب تجاوزاً أو إهانة.. ومثل ذلك توظّف السخرية التهكم في صيغ الأداء من بوابة اصطناع الجهل بأمر وإبراز آخر نقيضه، فأنت تسمع أو تقرأ عبارة أو مفردة فيما القصد منها لا ظاهرها وما يصل لأول وهلة بل النقيض منه وعادة يتضمن هذا الأسلوب البلاغي استخفافا بموضع التعبير القائم على ظاهر للتبجيل..

وبعامة، فلطالما سخرت الحياة منا وتهكمت علينا بل أبعد منه استهزأت بنا وتلك معالمها وسط عواصفها وهيجان أعاصير استغلالها وعنفها المفرط.. فنشاهد صور مراياها وأصداء أحداثها ووقائع مجرياتها. وإذا تمعنتَ موقع الحكماء والعلماء ومواقع الحثالة وتمعنتَ وتبصرت كيف يتعامل الفارغ قيمة بالممتلئ بها سترى تقلبات وتناقضات بلا حدود.. وتمعن في رسائل مرايا وأصداء الممتلئ بخزائن (أمواله مقابل الممتلئ بخزائن منطقه العقلي) وقيمه بين (الثري والغني الأول أموالا والثاني قيما وعلوما وخبرات) فستجد من يسخر مِن مَن.. وتلكم هي أولى المرايا والأصداء التي تعجّ بها حياة بظلال العنف وظلم الجهل للعقل في الوجود الإنساني؛ فكيف نراها على الركح في زمن باع واشترى حتى بهذا المنجز الحضاري وأواليات وجوده أقصد المسرح..؟

* لمزيد من التعمق (اللغوي) يُنظر بشأن ذلك المعاجم اللغوية الاصطلاحية

إذا كان المسرح وليد المدينة ومنطقها فإنّ الكوميديا لوناً مسرحياً تبقى في ذات السياق مرتبطة بالتعبير عن حياة الإنسان وسلوكه قيمياً بالاحتفال بوجوده ووقائع ذاك الوجود بصيغة محددة الضوابط والمعالم. وكون الكوميديا تعبير حياة، فإنها تأخذ أصداء صور تلك الحياة بمرايا للمحاكاة بالقول والفعل، ولهذا لا مناص من التمعن في السخرية ومعالم الأداء فيها ووسائلها في تناظر فاعل وليس جامداً كفوتوغراف تقليدي..

إن الكوميديا ليست سخرية بالشكل وصورة مرآة انعكاسية جامدة لكنها أبعد من ذلك تقنين آخر للسخرية على الركح بوصفها فعل مقصود منه تجسيد ثقافة المدينة المنتجة للمسرح مع ما يستمده من الذاكرة الجمعية لطقوس ما قبل المدينة ومنطقها حيث استدعاء خطاب الأسطورة وآليات التعبد أو إسقاط القدسية على أداء أو آخر..

تلك كانت المرحلة الأولى من الكوميديا يوم وظَّفت طقسيات (الآلهة) تحديداً بما ارتبط بالزراعة وآلهتها ونزول المجتمع للاحتفال بالحصاد وبين الزرع والغرس والبذار وبين الحصد وجني المحصول كانت بعض الاحتفالات التيي تفرِّغ ضغوط الصراعات واحتقاناتها بفجاجة المغالاة بشأن رموز الجنس وإيحاءاته وسلوكيات عديدة مرافقة.. ربما جوهر تلك المرحلة في الفارصات \ الهزليات منحت فرص تنفيس لمنع تفجرات بعينها، ولتقويم مسارات بعينها مجتمعياً.. والتنفيس يتأتى من التقاط الوضعيات السلوكية بالسخرية والاستهزاء وبالإدانة ربما مرت أولا من قدسية الآلهة لكنها تستقر على معالجة تعبيرية للإشكالية…

بجميع الأحوال الكوميديا حتى بمراحلها الراهنة ليست تلك التي تحكمها النهاية السعيدة فقط لا غير ولكنها تلك التي تنتهي بنيوياً بترتيب الوضعية الأساس من دون هدمها أو قوانينها على الرغم من وصولها لمرحلة تعديلها إصلاحيا، طبعا الإصلاح هنا ليس على وفق معجم جماعة شعار (الإصلاح) بعراق الكوارث اليوم بل بمعناه الذي عرفته البشرية واستخدمته حيثما دعت الضرورة..

لعلي هنا أشير إلى أن هزليات الإغريق (الفارصFARCE) واحتفالياتهم التي اتسمت بالغناء الجماعي وبعض البذاءات وحمل رموز الخصوبة كالجهاز التناسلي للرجل ما كان بمجون (فساد) نظامنا العام وبشاعات ما ارتكبه ويرتكبه بحق الإنسان والعراقي نموذجاً، أذكِّرُ هنا بالتستر على مجون هدم المنظومة القيمية بعراق اليوم لمآرب ومصالح رغائب وأطماع وفحش الطبقة السياسية ببلد الفساد الأول عالميا بعصرنا ما يعني أن مجون احتفالات الخصب قديما أنقى بوجه بعينه من مجون ما يجري راهنا في العراق، فلماذا لا تظهر كوميديا على الركح العراقي أو سخرية في ميادين اليوم العادي للعراقي؟

يقينا يدرك العراقي بتجربته اليوم، أن قوانين الكوميديا التي تحتفظ الوضعية الأساس وتقودها فقط إلى إصلاح بعينه يمنح المسرة بنهاية سعيدة لا يتلاءم ووضعية العراق التي تتطلب تغييرا جوهريا وانقلابا بالوضعية الحياتية ومنظومتها الأمر الذي لا يدخل بالقوانين الإصلاحية للكوميديا.. ولهذا لا نجد العراقي يمارس إنتاج السخرية وسط آلامه ومواجعه بل فواجعه لا حياتيا ولا إبداعيا في إنتاج على الركح أو في نزول كرنفالي في الميادين.. التركيبة النفسية والخيار العقلي يذهب باتجاه آخر بغض النظر عن بعض ومضات مما يحيا في فضاء التطلع والأمل وليس مما يعالج الواقع..

وطبعا حين بمارس العراقي اليوم الكوميديا على الركح أو السخرية بميادين حياته سنشاهد أو نرصد مواضع إيلام ووجع تتجاوز مناطق الحذر في أواليات اشتغال السخرية بمنطقتي الإبداع المسرحي والسلوك اليومي الحياتي.. تلك هي تفاصيل انطباع وهوية كثرما ترقى كوميديانا إلى (الهجائيات SATIRE) حيث مهاجمة صريحة للعادات والتقاليد المنحدرة من زمن الاقطاع العصمللي ووريثه الاقطاع بالدولة العراقية الحديثة ما يتضمن إدانة صريحة هي الأخرى للمؤسسة الاجتماعية اليوم ممثلة بالكهنوتين الديني السياسي على أنّ تلك الإدانة تتسم بحدتها عبر آليات الاستهزاء والازدراء بوصف تلك المؤسسة لكل من يخرج عليها حتى لو بوسائل الظُّرف والخفة أو بالسخرية بوجهها النقدي الإيجابي بالتهكمSARCASM ولا أقول بالهزليات وقوانينها البنائية >>>

إنّ مقدار القيود تغلغلت حتى إلى الشرطي الذاتي أي تقييد المرء لنفسه وسلوكياته داخليا قبل الوقوع تحت عقوبات الشرطي المجتمعي بمؤسستيه المدنية والرسمية التي تجسدها سلطة الكهنوت الديني وإسقاطات القدسية المزيفة له وسلطة الكهنوت السياسي بحكومة تتستر بالأولى.. وبتضخم مقادر ذاك التقييد برزت عندنا تلك الخشية التي تعبر عنها عبارة اللهم اجعلها ضحكة خير عقب كل ضحكة ترتسم على شفاه العراقي.. ومن ثمّ هيأ هذا للكوميديا السوداء الكوميديا الدامعة لكن بحيرة من مشاركة باشتغالاتها أم رفضها على خلفية ما أشرنا إليه من واقع مأزوم…

أما أساليب الضحك وصنع المسرة وإعداد ولو لحظة عابرة للاسترخاء فلربما كانت مقالب المفاجأة واللعب على الكلمات والتعبيرات اللفظية اللغوية أقل أثراً أو أكثر في التنحي عن الأداء مثلما نرى من غياب مفردات إثارة البهجة بوضع شيوع المأساوي والظلامي.. وبوضع تفشي مصطلح (الاستحالة) كاستحالة التغيير بسطوة البلطجة المافيوية ما يضاعفه أيضا الضخ الإعلامي بكل لحظة للتراجيدي وعنفه والظلامي وخداعه على اساس أن الطقس الأكثر شيوعا هو البكائيات وما يثير الحزن والأسى والاكتئاب واستلاب البهجة ومصادرتها.. حينها طبعا تتحول فرص صنع الضحكة إلى موضع التنحي والانحسار والوقوع أسيرة وضعيات الانقلابات أو بصيغة أخرى التقلبات سوداء وهي أدخل في الضحك الممزوج بالصراخ وصوت البكاء الروحي الداخلي…

هنا أوضاع مثل إحراج الآخر أو العبث البدني وإشاراته سيكون من (السخف) ما لا يسمح بالضحك البريء بل يقف حائلا من دون المسرة للفاصل النفسي بينه وبين السلوك وقيم يُخشى عليها أو منها بحسب الحال..

وحتى كوميديا الموقف SIT,COMS أو الأخرى الرومانسية ما عادت سهلة القبول والتفاعل مع سوداوية النظر إلى لا إلى اللغة وألفاظها ولكن إلى الأوضاع في ضوء تشوه العلاقات وافتقاد الثقة ورهاب السخرية وحواجز تعتيم تخلط بين المسرة ومعانيها وبين الاستهزاء وإيذائه فتصير حاجزا في العمق النفسي للمتلقي ولمن يمارس السخرية أو الكوميديا بتنوعات مفرداتها ومساراتها..

ومع ذلك بات متاحا في العزلة العائلية الأسرية وخلف الجدران حالات تلقي الكوميديا وممارسة الضحك الهستيري بسلطة داعمة من خيال المتلقي تمتاح شيئا كثرما ينتهي بالأسى والانزواء لا بالاستفادة لا متعة تريح ولا عظة تُنهي ما يُسخَر منه…

إنها هزلية الحياة كاسفنجة تمتص محاولات الخلاص الكوميدي وتعود السخرية بوصفها معالجة أو أداءً تعبيرياً لتتخلى عن فرص التأثير بحجم منجزها المرتجى، في ظروف الحظر والمنع والتكفير بحال استخدم المرء (هنا المواطن العراقي بظل السلطة الكهنوتية) ألفاظاً أو عبارات بقصد صنع المقلب أو المفاجأة أو التناقض إيحاء بقيمة او ثيمة ضاحكة أو هجائية نقدية تثير المتعة وتفيد بالمعنى المرتجى. ولظروف العراقي ما عاد يمكنه تضخيم العيوب الجسدية الجسمية أو العضوية والنفسية السلوكية أو العقلية لأنها ستتحول إلى تشويه مؤلم وسلوك عدائي لا نقدي ولا براءة فيه.. وأقصد بهذا التعريف بمعطيات السخرية وكوميدياها بخلاف معطيات واقع وعقوباته حيث سرقة البسمة حتى من شفاه الأطفال ببراءة وجودهم مع ملايين أطفال الشوارع والمخيمات والنزوح…

ما تبقى من مفردة (س، خ،ر) هو السخرة حيث القهر والابتزاز والمصادرة لا بسمة مصنوعة من أواليات المسرة والضحك… وكل حركة صوتية أو بدنية أو معنوية لها مما ينكأ الجراحات سوداوية أكثر مما يحاول اجتراره بعضهم من الزمن الجميل لإنسانية العراقي!

بهذا افتقدنا إمكانات تفعيل دور السخرية روحيا نفسيا ومعالجتها واقع الفرد أو مساهمتها في نشر موقف اجتماعي كما تقول الدراسات العلمية وبهذا تكون الالتباسات في فهم الآخر وفي الاتصال بلغة السخرية واقعة بين الفهم والاستفادة وتعزيز الإيجاب وهو ينحسر وبين سوء الفهم الناجم ليس بالضرورة عن مقاصد الساخِر بل عن الالتباس الذي نشير إليه بضغوط الواقع ما يتفشى اليوم بظل سلطة ظلامية هي سلطة الكهنوتين الديني المزيف والسياسي المفسد حد التخمة البائسة…

طبعا هذه المعالجة لا تقصد إدانة السخرية في قوانينها السليمة بخاصة بين الغضب من أمر واشمئزاز منه ونقدها إياه تخلصا بالكشف بقصد المعالجة إنما هي معالجة تقصد إدانة ما يقمع حرية النقد بكل صوره ومنه النقد بآليات الكوميديا على الركح والسخرية بمعنى التهكم غيجابا في يومياتنا وسلوكنا فيها..

هذا ما بتنا نفتقده، وترغب هذه المعالجة المقترحة من حلقات المسرح والحياة أن تكشف جانبا من صور المرايا وأصدائها بمستويي الحياة ونظيرها المسرحي بأواليات موجودة منذ زمن بعيد تحتفظ أحفورة الزمن الأول بصوره ما يمكننا من استيلاده مجدا باستعادة حرياتنا ورفض أشكال القيود القامعة لحرياتنا بادعاء الدفاع عن المقدس فيما الحقيقة ليست سوى زيف الكهنوتين الديني السياسي اليوم…

وأشير بصراحة لعبارة ازدراء الدين التي يستغلونها دجلا لفرض قيم نقيضة للقدسية بنزاهتها وغارقة في وحل الزيف والدجل ومن هنا يتواصل استغلالنا حدا يكسرنا من الدخل فلا نتقبل لا المسرة والضحكة بل لا نتقبل الآخر ونرفض حتى لأنفسنا سمة السعادة وسلوك مفرداتها التي تمثل وجودنا وغايته بنيويا بكل تفاصيل البنى التي تتعدد وتتنوع…

وبين الفكاهة ومزحتها الآنية العابرة بتوفير أسباب الضحك آنيا بلا غاية هادفة وبين السخرية حيث الضحكة بقيمة ومعنى ودلالة يحرمون على العراقي حتى الضحكة العابرة تخيلوا أننا نحذر من الضحكة كي لا يؤوّلون ممارستنا الضحكة باللاأخلاقية وبالدونية بخاصة هنا ضحكة المرأة أو الفتاة ومعانيها في خيالات المجتمع المريض وضحكة الرجل وأحابيلها بأوهام المفسدين ودجل قدسيتهم وإسقاطاتها

وعلى سبيل المثال الجنس بوصفه ثيمة قيمية تكوينية بوجودنا يتحول لمجرد رخيص السلوك وسوداوي المعنى بظلال تلك الأوبئة وأمراضها المتفشية ويحرّم ذكره أو توظيف إيحاءات بشانه كونه المفسدة المطلقة فيما هو سلعة للمفسدين المتحكمين بفرض قيم الزيف مقابل قمع القيم التي تستعيد أنسنة وجودنا… ولنتابع في قراءة موضوعنا في السخرية وكوميديا وجودنا بسلامة السلوك وسلامة معانيه وتوظيفاتها بحرية او بتحرر من أشكال القمع والمصادرة..

وحتى نستعيد أبسط اشكال كوميديانا من تلوينات صوتية وحركات بريئة المقاصد ينبغي أن نعيد إقرار تلك الأواليات الأحفورية بصورها ونوظفها لما يجسد معاني وجودنا ومتغيراته وكسر جماح من يصادرنا وشوكته لتحرير المواطن بل ليحرر نفسه أولا غذ الحرية لا تُهدى ولكنها تُنتزع من مستعبديها قامعيها..

وهنا نستعيد أداة أخرى من أدوات تمكيننا من سلوكياتنا حرة تضبطها أفضل قوانين عيشنا وتقدمنا ولعل الكوميديا ووسائلها هي من بين أولى تلك الدلالات السامية لسلوكنا…

فهلا استعدنا صنع المسرة بدءا من تفاصيل يومنا العادي وليس انتهاء بأعقد قوانين علاقاتنا الحياتية وألوان تعبيرنا اشتغالا في بناء وجودنا…؟

أترك للباحثات والباحثين في مجال المسرح ومحور الكوميديا موضوعا للدراسة والبحث والتقصي وصولا إلى منجز جديد يمثل مفردة تحرر وانعتاق واستعادة أنسنة وجودنا..

وشكري لتفهم هذه الرقاءة كونها توظف المسرح بطريقة تعيده إلى منابع ولادنه لا تاريخا بل بنيويا وجوديا.. وإلى لقاء يتجدد بتفاعل بهي لكنّ ولكم

المقال السابقالنّشيد الوطني
المقال التالىدماء ومناصب
وُلِد في أحضان الفرات منتصف الخمسينات بمدينة حديثة في الأنبار.. تنقل بين مدنها في سني حياته الأولى ليستقر في بغداد منذ مطلع الستينات. خاض معترك الحياة العامة مبكرا؛ بخاصة هنا في مجالات المسرح والمسرحية وأنشطة الطلبة بمجالات الآداب والفنون والثقافة العامة.. كان مستمعا شغوفا بالأغنية العربية الكلاسية ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد