الفنان عبد الجبار عباس .. ام علي


 

(اللي يعيش) تمثيلية كوميدية اسبوعية تتناول هموم الناس في تلك الفترة ومشاكلهم بطريقة فكاهية عرضت من على شاشة تلفزيون العراق بعد تأسيسه في عام 1956 اشترك فيها مجموعة من روّاد الحركة الفنية في العراق منهم المرحوم (كامل القيسي )بشخصية ابوعلي ,و(كريم عواد) بشخصية الابن الشقاوة (ابو عظمة ) ,أما شخصية ام علي فقد مثلها باجادة تامة الفنان المرحوم (عبد الجبار عباس ) في زمن كان فيه العنصر النسائي يكان يكون معدوم وجوده في الساحة الفنية. لم تكن ملامح عبد الجبار عباس انثوية ,ولا صوته من الرقة أو بطبقة ناعمة تجعله يصلح لتمثيل شخصية امرأة ,لكنها خطوة شجاعة من فنان موهوب له ثقة بنفسه تفوّق فيها على كل التقاليد والعرف البالية, فلبس الملابس النسائية وشدّ (الجرغد)أو (الفوطة النسائية )على رأسه واستعدّ جيدا لكي يمثل شخصية امعلي المرأة المسترجلة بصوته الاجش الذي لم يغيرأو يحاول ان يغير من طبقة صوته القاسية .كانت هذه الشخصية بداية لمجموعة من الادوارالنسائية التي مثلها هذا الفنان لشخصيات نسائية مختلفة الصفات والاوصاف, لكنه لم يغير من ملامح وجهه أو صوته الكثير بل اعتمد على قوّة شخصيته وموهبته في بث صورة من القناعة اتجاه عين وذهن المشاهد لكي يجعله يصل الى درجة من القناعة, بأن من يؤدي هذه الشخصية ليس سوى امرأة فنانة تقنع المتلقي بأنها صاحبة قضية تود ان تعلن عنها امام الجمهور المتعطش لمثل هكذا اعمال جريئة وممتعة في ان واحد .

حينما يقدم رجل فنان ولد في محلة باب الشيخ ,الحي البغدادي المعروف بتقاليده الراسخة ,الشقاوات والفن الاصيل المتمثل بالمقامات العراقية ,وقراءة الموالد وو.. على مثل هكذا عمل هذا يعني الكثير لكن الفنان عبد الجبار عباس لم يفكر بكل هذا بقدر تفكيره بموهبته وقناعته بها فوقف مع زملائه ليسد ظاهرة قلّة العنصر النسائي انذاك ويستغل فرصة الظهور والحصول على فرص لتمثيل شخصيات نسائية اخر ىنجح في تجسيدها كثيرا .عبد الجبار شخصية شعبية محببّة لايمكن نسيانها. يمكنه ان يتفاعل مع المكان وساكنيه فيوزّع الافعال بالتساوي حسب اهمية الشخصية, وقيمة الفعل الذي عليها ان تقوم به داخل بنية العمل الفني ,وبدل ان يصبح صوته الاجش وبالا عليه كان نعمة استغلها الفنان عبد الجبار الذي يجعل المتلقي يقترب منه ويتعايش معه ولا يشعر بأي ازعاج من ذلك الصوت الذي يمزّق علم الصمت ويخلق لنفسه مساحة صوتية تتلون في الحزن والفرح, وتشيع ملامح الحزن في المواقف الحزينة ,وجو المرح والفرح في المواقف المضحكة . شخصية وحضور ومواصفات وموهبة هذا الفنان حجزت له مكانا في معظم الاعمال التي كانت تصنع انذاك من مسرح وتلفزيون وسينما, فكان القاسم الاعظم فيها بأدوار راسخة في اذهان مشاهدي التلفزيون والسينما ومتابعي الاذاعة . كانت طريقته في تمثيل الشخصيات النسائية تختلف عن باقي الممثلين الذين ادّو مثل هذه الشخصيات مثل زميله الفنان (سمير القاضي ) الذي كان يحاكي صفات المرأة لكسب المتلقي واضحاكه ,لكن عبد الجبار بملامحه القاسية وصوته الرجولي المميز عمل بطريقة العارف الذي يبغي التمييز والبحث عن المختلف وسط التشابه في تلك المنطقة الفنية .


لم يقتصر نشاط عبد الجبار التمثيلي على الشخصيات النسائية بل تجاوز ذلك نحو الشخصيات الشعبية التي تحمل نكهة المحلية والقفشة التي تدخل القلوب وتصنع جو من الفرح في مجتمع كان يجيد صناعة الموقف الطريف حتى في المواقف الحزينة, وهذا ماجعل زميله الفنان المرحوم خليل الرفاعي يضع له مقعدا مهما في اغلب الاعمال التي تتناول البيئة البغدادية المحببة للجميع الذي كان يجيد كتابتها. وكان فاعلا ومؤثرا في مسلسلات (ابو البلاوي ,حامض حلو ) وغيرها.كذلك كان من الشخصيات المهمة التي خلقت لها مكانا مهما في مسلسل (تحت موس الحلاق ) ,المسلسل الذي بقي راسخا في الذاكرة العراقية التي احبّت شخصية عبد الجبار عباس كما احبّت شخصيات مهمة مثل حجي راضي وعبوسي وغيرها .لم يقتصر نشاط ونجاح فناننا المرحوم على ماسبق فقد تفوق ايضا في افلام الرسوم المتحركة مثل شخصية( زعبور) في سلسلة (سنان) المشهورة عام 1975.كذلك فأن موهبة عبد الجبار عباس جعلت فنان مثل الفنان الكبير (جعفر السعدي )تضعه نصب عينيها فتشركه في اعمال مهمة مثل (المتنبي ) و(وامعتصماه) أيضا لاقى عبد الجبار عباس ترحيبا حارا من الفنان المرحوم يوسف العاني حينما انتمى الى فرقة مسرح الفن الحديث في اواسط الخمسينات من القرن الماضي ,

ثم لاقى نفس الترحيب من الفنان المرحوم (بدري حسون فريد )الذي اسس فرقة (شباب الطليعة ), وكان عضوا فاعلا فيها حينما قدمت الفرقة مسرحية (اللص والشرطي ).كل تلك النشاطات والفرق والاعمال التي توالت على عبد الجبار لم تتعبه او تجعله اسيرا لكاركتر واحد بل انه استطاع انيعيش كل شخصية أداها في المسرح والسينما والتلفزيون والاذاعة ولم يكن بحاجة الى كثير من التمارين والبروفات, اذ انه يعيش الشخصية منذ القراءة الاولى فيرسم لها المساحة التي تستحقها ويتفاعل معها بتفاصيل وجهه التي تحمل ملامح العراقي المتعب الذي يفهم البيئة وتفاصيلها ,ويفهم الصيغة التي تتقبل بها طرح الحوار وتقطيعه الذي يهتم به كثيرا كي يمنح المتلقي فسحة من الوقت ليستوعب ألية سحب الحروف التي تصنع الكلمة ,اذ يمعن عبد الجبار في صياغتها لفظيا حسب ماتحتاج تلك الشخصية ,فهو اما على علم, أو في موهبة تجعله يجيد قراءة طبيعة الشخصية التي يمثلها, ودرجة انغماسها في وحدة الفعل الذي ينتمي الى البيئة والمجتمع الذي يتناول ذلك الموضوع .

أما قساوة صوته وملامحه المميزة فانها لم تطغي على العفوية التي كان يتميز بها ,ولا على صدق تعامله مع الشخصية المناطة له ,فكان خير منافس لكاريكترات السينما والفن التلفزيوني المصري . عبد الجبار في المسرح الذي بدأ فيه, كان مميزا ,وتم اختياره في اهم العروض انذاك مثل مسرحيات (مرهون ابو قمبورة ,البستوكة ,النخلة والجيران ,يريد يعيش ,الخرابة ,القربان ,هاملت عربيا ,رسالة مفقودة ,انه امك ياشاكر ,الحلم ,الخان,بغداد الازل بين الجد والهزل ) .أما في التلفزيون فقد كان محبوبا من قبل المتلقي الذي يحس بصعوبة جريان عملية التلقي منه في الوهلة الاولى, لكنه مايلبث ان يكسب ود واندماج وتواصل المتلقي معه, وكان مميزا في كثير من الاعمال التلفزيونية مثل (ثلاثية حضرة صاحب السعادة ,لن ينتكس الوليد ,الوجه الاخر ,رباعية موسى يعود ,ابن حران ,افتح ياسمسم ,كاسب كار ) .كما انه احب السينما التي احبته ايضا ومنحته عددا مهما من الافلام السينمائية التي ابتدأها كومبارسا في فيلم (سعيد افندي )لكاميران حسني ,وماكيرا في فيلم (عليا وعصام ),ثم مثل شخصية العربنجي في الفيلم المهم (المنعطف ) اخراج المرحوم جعفرعلي ,كذلك فانه قام بأداء شخصيات مهمة في افلام (فتنة وحسن ,ارحموني ,عروس الفرات ,ابوهيلة ,شايف خير , الحارس ,العاشق,الحدود الملتهبة ,فائق يتزوج ,تحت سماء واحدة ) .كما ان عبد الجبار عباس كان يكنّ للاذاعةعشقا كبيرا فهو اضافة الى تمثيله في اعمال اذاعية كبيرة منذ دخوله لها وتعيينه عضوا في قسم التمثيليات بالبرامج الخاصة لاذاعة العراقالى نهاية مشواره الفني .في البدء قام بتمثيل شخصيات في بعض البرامج الريفية ,ثم امتهن الاخراج الاذاعي فكان مبدعا يفهم في كيفية التعامل مع الصوت والمؤثر والحوار .

الرجل الفنان عبد الجبار عباس كان فنانا حسّاسا وانسانا طيب القلب يحب اصدقائه ومخلص معهم لدرجة انه تأثّر كثيرا وتألم وفقد جزءا كبير من ذاكرته اثر فقدان صديقا له .عاش الطفل عبد الجبار في محلّة الفضل ابنا لاب يعمل في حمّام المربعة لكنه يحب السينما ومشاهدة فرسانها, فيأخذ معه عبد الجبار الصغير ليرتاد السينمات في شارع الرشيد (الرشيد ,الزوراء,الوطني ,الرافدين الصيفي ) ,ويستمتع الطفل الصغير وهو يشاهد محمد عبد الوهاب ويوسف وهبي وغيرهم ,فيتمنى ان يمثل مثل هذه الشخصيات .حينما توفي والد عبد الجبار, عمل على مساعدة والدته في الخبز وجمع الحطب ,ثم عمل مصورا فوتوغرافيا في الحدائق والساحات العامة ,ودخل المدرسة الجعفرية المسائية فشكّل فيها فرقة مسرحية انتجت مسرحيات عديدة منها مسرحية (نساء نابليون ). عمل فناننا الكبير في اواخر ايامه حارسا في احد المدارس التي سكن فيها بكرامته التي تأرجح لاجلها بين الموت والالم وفقدان الذاكرة ودهس السيارة التي تسببت في وفاته فيما بعد .رحم الله عبد الجبار عباس الذي مثّل ام علي ومثّل امهات وأباء ,واخوان وو..وكان مبدعا حقيقيا .

لا تعليقات

اترك رد