أطفال الشوارع في لهيب تموز


 
لوحة للفنانة صبا غالب

غبار، حر، قساوة ،اشياء مهملة ونفايات تتطاير هنا وهناك, تتكدس على الرصيف المر.

ذلك الرصيف القبيح صار ملجأً يتكأ عليه اليتامى والنازحون ،في كفة اليابسة بقايا احلامهم التي حفروها على رماله ، ايامهم المقتولة مُمدَّة تفترش اسفلت الشارع تغتسل بدم بارد وحزن وحجارة بليدة . عتمة قلوب نسيت المطر ولم تعد تنتظر مساءً بهيٍّ أغرّ.

قرب نقطة التفتيش في الشارع الرئيسي كان هناك مجموعة من الاطفال تتراوح اعمارهم بين سبعة وخمسة عشرعاما على بعد امتار من السيطرة يحملون اشياءً للبيع ، قناني بلاستيكية وماء مثلج ، كارتات رصيد للهاتف الخلوي ،عصائر ومثلجات لبيعها للراكبين بالسيارات المتوقفة عند السيطرة فالطريق موحش لا يوجد فيه غير مركبات متنقلة بين مدينتي اربيل و نينوى.

كنت أنظر اليهم من شباك المركبة حين توقفنا بسبب الازدحام عند نقطة التفتيش …أجساد تبعثرت تحت وهج الشمس ،قدر ملعون يضعهم في فك الحوت ليفترسهم ،

الشارع هو كل اهلهم و اقاربهم والرصيف هو الام الحنون يربيهم ويعلمهم في مدرسته أن التسول ألف باء الحياة وهو لغة الفقراء ولا وجود للكرامة والإباء في جيب فارغ .

احد الاطفال كان يلتصق بالسيارة التي امامي غير مهتم للمخاطر يضع وجهه على زجاج الشباك المغلق يستجدي إمراة متوسطة العمر تجلس بالمقعد الامامي وفي حضنها طفلة صغيرة (الله يخليج و يوفقج و يعطيج اولاد ….يخليلج سارة ولارا… ).

عبارات حفظها عن ظهر قلب و تعوّد القائها كل يوم وكل دقيقة على كل سيارة تقف بالسيطرة أنه ذكي فهو يختار الكلمات حسب ملامح الراكب إن كانت امراة من الديانة المسيحية لاتضع الحجاب على راسها وإن كانت مسلمة سيتم تغير نمطية بعض الدعوات فيجري التعديلات حسب السيارة وفخامتها والراكبين فيها

انتقل الى السيارة الاخرى ليثير عطف امراة مسنة :(الله يشفيج ويخليلج علي وعمر وتزوجيهم وتروحين للحج والعمرة ) ثم وبعد ان يأس تحول على الشباك الاخر ليتحدث الى الشاب (الله ينطيك زوجة واولاد وينجحك بالامتحان وتدخل كلية الطب وتصير طبيب مشهور عندك قصر وفلوس) وهكذا مع كل مركبة تقف يستطلع الوجوه ويحاول بكل ما أوتي من دهاء ان يستدرج عطف الراكب للحصول على أي نقود تخرج من جيبه، انه يستعمل خلايا دماغه البشرية ليمتص ما في جيوب الراكبين فيتحول الى طُفيلي بائس بدل ان يكون انسان مُنتج يعمل ويبدع .

كنت استغرب و أتسائل وانا اجلس في مركبة مبردة ، كيف تعلّم هؤلاء الصغار كل هذا الدهاء وهم بعمر الطفولة, وكيف

يتحمل جسدهم الطريّ كل هذه القساوة وحرارة جو تصل الى خمسين درجة مئوية عند منتصف نهار تموز أنهم يضحكون ويتسامرون ,ثم يتشاجرون متجاهلين لهيب الشمس وجفاف وحروق جلودهم .

غريب ومدهش فعلا قدراتهم الجبارة على تحدي الحر وهزيمته بكل شجاعة وإمكانياتهم الكبيرة على التأقلم مع الجحيم….تخيلتُ نفسي لو وقفت معهم بهذا الجو في وقت الظهيرة لمدة 10 دقائق فقط، ربما سيغمى علي واصاب بضربة شمس وأُنقل للمستشفى ،هل يمكن ان يكون طين أجسادهم مختلف عن طين جسدنا؟ ام ان الحياة تُغيّر كيميائيتهُ ؟ تتدخل في تركيب الحامض النووي DNA لتحدث عندهم طفرات وراثية تستبدل القواعد النيتروجينية بقواعد من الرصاص المقاوم ترتبط مع بعضها بأواصر من الحديد الصلب ,

تعدّل تركيب خلاياهم لتتأقلم مع البيئة والجو والظروف ، فالأرض القاسية تولد اجسادا قاسية بكل شيء بالقدرات ، بالطباع ،بالعواطف وبالمشاعر

والا فكيف تسمح تلك الام لطفلها الصغير فلذة كبدها بالخروج من البيت بهذا الحر والتسكع بالشارع بين السيارات والمخاطر ليتسول ويجلب لها بعض دنانير ،اين ذهب القلب الحنون اين الامومة اين الرحمة ؟

ربما ماتت عاطفتها حين مات ضمير المجتمع الذي ولدهم بالخيم وجعل منهم ضحية الكوارث والفقر والجهل ليرميهم ويطحنهم في دوامة القهر

الحياة بالنسبة لهم غير مرئية كل شيء يضمحل ويموت ،النخوة والشهامة والايثار و ما يتبقى هو قساوة تتسلل الى مساماتهم تلتحم بعروقهم فتصبح الاوكسجين الذي يملأ الرئة فكيف لنا ان نستبشر بهم خيرا ؟ إن كان الحرمان والعقد النفسية تلتهم طفولتهم ، أطفال تعرضوا لأبشع انواع التعنيف من الاسرة, من المجتمع ,من الوطن, من الحياة ؛ اهمال متعمد ومقصود كخنجر مسموم يجعلهم على شفا حفرة من السقوط في الانحراف والارهاب للوصول لحفنة دنانير يشترون بها ما ينقصهم في محاولة للعيش ولو لمرة واحدة كبشر!

كيف يمكننا ان نمنع تحولهم بعد مرحلة الشرنقة في المخيمات و الملاجيء الى طفيليات تقتات على التسول, وقراد يمتص دم الاخرين ويستعمل الارهاب للوصول لغايته, او ربما الى وحوش و زومبي تقتل بلا رحمة… كيف لنا ان نمنعهم ان يطلقوا العنان لصرخات الحرمان ولشيطان حقدهم على المجتمع الذي نفاهم الى المزابل .

المقال السابقفِتَنْ !
المقال التالىازدهار الجنس البشري 3-8
طبيبة وكاتبة وفنانة تشكيلية من العراق اقامت 4 معارض شخصية في كلية الطب الجامعة المستنصرية اشتركت بمعارض في نقابة الاطباء ووزارة الثقافة العراقية والجامعة المستنصرية واسكتلندا اهدت احدى لوحاتها لنقابة الاطباء العراقية بدأت بالنشر في 2014 في مواقع التواصل وعدد من المجلات الالكترونية تكتب وتر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد