كأس العالم لكرة القدم بوصفها منظومات علامية إعلانية


 

أسفرت المسابقات الرياضية ومنها كأس العالم التي تجري وقائعها هذه الأيام في روسيا عن كثير من المعطيات منها تنوع الإطرحات البصرية العلامية الإعلانية لأكثر من (32) دولة مشاركة فعلياً وأكثر من (100) دولة تتابع هذ الحدث الكبير الذي يأتلم كل أربعة سنوات ، وبحسبة بسيطة هناك منظومة بشرية تعد بالمليارات تتابع هذه التدفقات البصرية الممزوجة بمختلف القيم والتقاليد والموروثات والعقائد والمرجعيات الفكرية والعقلية التي تمتد جذورها إلى الاف السنين ،أي إنها تمثل خلاصة التكوين البشري بكل ماتحمله من جينات إنسانية ، ولأن علم العلامات يُعِد كل المنتجات الإنسانية منظومات علامية من إشارة اليد والكلام ووصولاً إلى الزي الذي يرتديه اللاعب ، أو الجمهور لإننا بالنتيجة أمام منظومات علامية إعلانية تِحول فيها اللاعب والجمهور إلى محمولات ووسائط نقلية دعائية لمجموعة كبيرة من الرموز التي يعتقد بها الأنسان وتجلى ذلك في ماياتي:

– أعلام الدول المشتركة في المسابقة ، وهي منظومات علامية لونية ذات ترميز مرتبط بمنظومة الدول والعقيدة الجمعية لشعوبها.

– أزياء اللاعبين التي حملت كثيراً من سمات أعلام الدول ذات البعد الإعلاني الإرسالي الوطني .

– البث الإعلاني داخل الملاعب ، أو في خارجها ، أو أثناء القطوعات الإعلانية في القنوات الناقلة.

– التعزيز البصري لعدد كبير من الترميزات ، إشارات اليد ، أو علامات الوجه، أوحركات اللاعبين ، أو تعبيرات الجمهور المتابع.

– الترويج لعد كبير من الوشوم وقصات الشعر ، وتقليعات الأزياء، إلى غير ذلك.

– الترويج لبعض من ثقافات وتقاليد البلدان المشاركة ، فضلا عن إستعمال مختلف اللغات الوطنية وغير الوطنية، وكان الرابح الأكبر البلد المضيف من حيث الترويج السياحي والثقافي والإقتصادي ، بل وحتى السياسي ، إذ حضر بعض من رؤساءالدول ، ومنهم (بوتين).

– توسع دائرة الترويج الإعلامي من خلال الإكسسوارت الإعلانية ،أو المطبوعات ، أو الهدايا التي تروج لمختلف الأنماط العلامية ذات الجذور المرتبطة بحالة البلد المضيف ،أو لبدان أُخر ومن ذلك كثير كثير ، ولو أردنا أن نفكك بعضاً من تلك التمظهرات البصرية تتوافر لدينا العديد من المعطيات السيميائية ، منها مايتصل بثقافة الفرد والمجتمع ومنها مايرتبط بالحالة الإنسانية في بعدها الجمعي ، وفي كل الأحوال فأن الدوائر والوكالات الإعلانية إستثمرت كل ذلك لأن هذه المسابقات تمثل فرصة حقيقية تم شرءاها بمال كبير مقابل هذا الفضاء الإعلاني الواسع من حيث التواصل الإتصالي والتداولي والحوار الثقافي بين هذا وذاك

وبين هذا المجتمع وذاك ، فهو مثقافة بصرية وعقلية من طراز مختلف عن غيره من أنماط المثاقفات ، لهذا فأن الشركات والمؤسسات الإقتصادية ذات البعد العولمي حجزت لنفسها مكاناً منمازاً في هذا الوسط العلامي الإعلاني سواء أكانت في المساحات الإعلانية الثابة ، أو المتحركة ، أو من خلال ثوانٍ محددة في النقل الفضائي ، فضلا عن ذلك هي فرصة لتعزيز قيمها التصميمية والإنتاجية وأقيامها السوقية ، ومن المثير أن يشير بعض الخبراء إلى ان القيمة السوقية للبطولة إنخفضت بعد أن خرجت بعض الفرق الكبيرة من الادوار الأُول للبطولة والتي كانت تضم خيرة لاعبي العالم أمثال(ميسي الارجنتيني ورونالدو البرتغالي)، من جانب أخر فقد حملت بعض المشاهد الإعلانية منظومات علامية قد لايعرفها بعض الناس مثلما حصل مع لاعبَي سويسرا في مبارتهما امام صريبا الذَيَن ارسلا ترميزاً علاميا بيدهما عُدَ ذا بعد سياسي يتنافى مع قيم الرياضة ، لكن هذه العلامة أدت إرساليتها أمام مليارات البشر الذين فككوها،أو مرت عليهم دون تفكيك لبنيتها، كما حفلت البطولة بمنظومات علامية أُخر منها مايرتبط بالجمهور على إختلاف تنوعاته، من ذلك مايرتبط بالمخالفة المظهرية ،أعني بذلك المشجعات الإيرانيات اللاتي تصرفن بعيداً عن منظومات وتقاليد بلدهما (طبعا نحن لم نتأكد من طبيعة وجودهن وما أن كُنَ وصلن من إيران ،أو هًن في خارجه أساساً) ،من جهة أخرى أخرى حفل البطولة بترميزات تمثل بلدانها (الكنغر، والديك، والدب النسور،الأُسود ) إلى غير ذلك، كما تمت مشاهدة أنماط (الشُكر) بعد تسجيل الإهداف مرتبطة بديانات المشاركين كل حسب مرجعياته. ، وهي دون شك إرساليات علامية تتمظهر عند الإنسان وهي جزء من تركيبته العقيدية، ومن المفيد الإشارة إلى الحضور الإعلامي للأسماء الرياضية المعروفة في مجال كرة القدم التي جذبت الأنظار اليها وكانت محط المقابلات الإعلامية وعدسات التصوير ، فضلاً عن صورهم التي إنتشرت في الملاعب وهي مرفقة بشعارات لفظية ، والحق يقال أن هؤلاء كانوا (نكهة) البطولة وتعزيزها الإعلاني ، بل اسهموا كثيراً في الترويج العلامي من خلال سلوكهم في أرض الملعب ، وهكذا تم إستثمار مختلف الأنماط العلامية خدمة للتوجهات الإعلانية التي تسود تقاليدها الترويجية في عصرنا الحالي.

ولابد من الإشارة الى معطاً بصرياً مهما تمثل في إستغلال هذا الفوار الإعلاني الإتصالي للتعبير عن بعض السياسات الدولية، إذ لم تغب السياسة في هذا الكرنفال البصري ،وإن كان رياضياً ، فقد حضرت دول برموزها، الأعلام وغيرها وهي ليست من بين الدول المشاركة ، بل مررت علاماتها من خلال جمهور التشجيع ، وبعض منها كان مهتماً بالحضور أمام كاميرات القنوات الفضائية، ولنا أن نعرف إن هذه العلامات سجلت حضورا بصرياً أمام ملايين المشاهدين وما يعنيه هذا الحضور ، وفي الواقع فأن الجمهور تحول اساساً الى صيغ إعلانية متنقلة وكان من أبرزها الوجوه التي حملت رسومات أعلام الدول ، أو لبس العديد من الإكسسوارات المتصلة بتقاليد البلدان ، قبعات، قرون إيقونات بصرية متنوعة .

إن كأس العالم وغيره هو مجال مهم للترويج الأعلامي والمثاقفة البصرية التي تستحق البحث والتقصي العلمي المنهجي لما لها من أهمية في التداول والتواصل مع المجتمعات لاسيما ونحن نعيش فعلاً عصر الإنفوميديا المعرفية والبصرية ذات المعطيات المعززة لكثير من القيم .

لا تعليقات

اترك رد