وقفة لتأمّلِ الشّعرِ مع الذّات ..


 

لم أكن أعلم انني في يوم ما سأكتب شعراً تملأ كلماتُه نفسي ، بعد أن كنتُ أقف كلّ يوم خميس في ساحة المدرسة وانا في الصّف الخامس الابتدائي مع مجموعة رافعي العلم ، بعدها اقرأ ما احفظ من شعر او قصيدة ، ولم تكن غير :
(( إذا الشّعبُ يوماً أراد الحياة .. فلابد أن يستجيب القدر )) كانت هذه القصيدة ضمن ما مطلوب حفظه من المنهج الدراسي . لم اعرف الشّابي ، ولا اين تقع تونس حينها على خارطة الوطن العربي ؛ أمّا اليوم فلديّ من الأصدقاء هناك ما لا أقدرُ على إحصائه .
كان الشّعرُ عصياً عليًّ حفظه ؛ فمع حبي للجواهري كنت أعاني جداً من حفظ ما مطلوب مني وانا اخوض غمار دراستي املاً في إنهاء الثانوية بسلامة بعيداً عن إعادةِ سنةٍ جديدة ، ومجال تخصصي في الفرع العلميّ وليس أدبياً !
حتى أشعاري لم استطع حفظها بعد أن كتبتها ؛ والى يومنا هذا ، ومع كل هذه المعاناة أجدني احياناً احفظ الشعر منذ الوهلة الاولى لقراءته ، ما سرُّ هذا التباين ؟ لا اعرف .
منذ صغري حفظت لقباني اشعاراً كثيرة ، وللسّياب ، والمتنبي . اتعجّبُ كيف تدخل تلك الكلمات بلا استئذان الى عقلي ، وتحفظها ذاكرتي ، وتكمن هناك بلا قطيعة ، لكني نسيت كلّ ما حفظتهُ أثناء دراستي ، ولم يبقَ الاّ ما كان خارج المنهج احياناً كثيرة .
ذات مرة طَلبَ استاذنا ممتحناً ؛ ان نكتب سبعةَ أبياتٍ مما نحفظ لابي الطيب المتنبي ؛ كنت احفظ من المقرّر سبعة ابيات بالتّمام ، والكمال ؛ لكني احفظ من ذاكرتي اكثر ؛ فكتبت أثنين وعشرين بيتاً، لماذا فعلت ذلك ؟ قد يكون السبب هو إثارة إعجاب استاذي الذي لم يتوانَ بمنحي أعلى درجة نهاية العام الدراسي ، فكانت أول درجة امتيازٍ لي ، ولعله هو المطلوب حينها .
كانت اشعارُ الثّورة ، والحب تتملّكني ، ولا حدودَ لها؛ الثورة على الواقع ، وعلى الوجدان ، وحتى على الاحلام . لم احفظ لنازك ، ولا للبياتي حتى هذه اللحظة شيئاً ، لكني معهما أجدُ نفسي أعانق خيالاتي، واهيم مع نسائم الحياة . حفظتُ انشودةَ المطر للسيّاب لاني أحبه، وأحبّها ، وما زلت الى الآن أتصورُ نفسي ذلك العاشق الذي ينظرُ للأعلى أملاً بإشارةٍ، أو ابتسامةٍ رقيقةٍ من محبوبته ، او أتعلّقُ بقطعةٍ صغيرة من الورق فيها مكتوبٌ :
أحبك ، أو أعشقك ، أو انت حبيبي الذي لا انساه .
حفظت بيتين للجواهري :
حييّتُ سفْحكِ عن بعدٍ فحييني ..
يا دجلةَ الخيرِ يا أمَّ البساتينِ ..
حييتُ سفحكِ ظمآناً الوذ به ..
لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطّينِ
لكني اقف مبهوراً جامداً امام ما كَتبَ ؛ كانّي جالس بينه ، وبين المتنبي مستمعاً لحوارٍ قلّما اعرف تفسيرَ معانيه ؛ لكني أذوب في سحره ، وبيانه .
أسماءٌ كثيرة ؛ كنجومِ السّماء ، أو شُهبٍ تتساقط كل حين امام ناظري ، والمدهشُ انّ أولَ كتابَ شعرٍ قرأته كان للشّاعر بابلو نيرودا الذي ذكّرني قوله بعد مقتل صديقه رئيس تشيلي سلفادور الليندي برصاص عسكرِ الانقلاب البينوشيتي حين هجم على بيته العسكر يفتشون عن السلاح لانه صديق الرئيس ، ولمّا سئل عن السلاح قال : شعري هو سلاحي .. بقيت هذه الكلمات عالقة في ذهني ؛ حقاً هو سلاحٌ جميلٌ وخطير .
ومع هذا لم أكنْ أعرف نيرودا ، ولا الليندي الا بعد موت الشاعر وهو يقول كلماتَه الاخيرة :
إن تلك الشخصية (( سلفادور الليندي )) المجيدة ، الميتة ، كانت تمضي وهي مخرّقة برصاص رشّاشات عساكر تشيلي؛ الذين خانوا تشيلي مرة اخرى. لكنّي لم احفظ من شعره سوى صورة البطولة ، والثورة ، والحرية ؛ مع أنّي لم أكن يسارياً ، أو يمينياً ، وطالما قرأتُ في نهاري الأدبَ الروسيّ ، وفي ليلي أتهجّدُ بدعاءٍ الى الآن أردّدهُ :
( اللهمّ إنّا نرغبُ اليكَ في دولةٍ كريمةٍ تخلّصنا فيها من الظّالمين ) .
حتى في محراب صلواتي أتذكّرُ الشعرَ الشهيد ؛ المضمّخة دماؤه بلونها الأحمر، وانا لا احبُّ كل ثوبٍ أحمر ، ٱلاّ راياتِ الشّهادة ، وبطولةَ الأبطال ، وعلم بلادي ، والصّرخات الحمراء المدويّة ضدَ العنف والاستغلال، واستعبادِ البشرِ أينما كانوا .
أمّا محمّد مفتاح الفيتوري ، شاعر الحرية السوداني، فما تزال الى الآن اصداءُ كلماتِه التي رسخَت ، وتعمّقت تناغيني : الملايينُ افاقت من كراها .. ما تراها .. ملأ الافقَ صداها ….
ومحمود درويش وهو يوقّعُ وثيقته الشخصيّة : أنا عربي .. ورقمُ بطاقتي خمسون ألف .. اطفالي ثمانية ..وتاسعهم سيأتي بعد صيف .
هذه الصور المتّقدة لم تعْلق بالذّاكرة فقط، لكنها ترسخت في اللا شعور ، او ما يسمّى العقلُ الباطن، ومتى ما أحتجتُ اليها فإنها تقفزُ أمامي كدليلٍ للسّائحين لا يفارقُ الجماعةَ خوفاً من الضّياع ، لذلك ربما حفِظَتْها الذاكرةُ بلا تعبِ الحفظ .
كذلك لم يكن لعبد المحسن الكاظمي ، او محمد مهدي البصير ؛ عملاقا الشعر والفصاحة نصيبٌ من الحفظ ، وهما لم يفارقا دراستنا اينما كنّا ، وإن كان الشعر حجازياً ، او يمنياً ؛ لكنّ بناءه ، وكمالَ عذوبته، وجمالَ سحره ، وبيانه إستقرّ عراقياً بدون منازع الى الحين باعتراف الجميع ؛ لذلك لم يكن غريباً عندما تطفو كلُّ الأشعار و تسبحُ في عقلي ، وروحي، وذاكرتي لشعراء عراقيين ، وكأنهم بالفطرة ولدوا هكذا ، وجُبلوا بالشّعر ، وقد تكون هذه الحقيقة . حتى كتّاب الشعر العاميّ ( الشّعبي ) لا يجاريهم أحدٌ فيما يكتبون ، وكأنهم ينفثون سحرَهم الأخّاذ بين الكلمات ؛ ليصنعوا مجدَها وعُلاها ، والاسماءُ لا تُحصى .
مما أعشقه من الشّعر كلمات الغزل ، وكتبْتُ ما أحسبه أجمل غزليّاتي حين اشتعلت حربُ الثمان سنوات ؛ فكانت ملآذي ألآمن وانا اكتبُ بعيداً عن كلّ شيء ، لئلا تقعَ إحدى القصائدَ بيد العيون الماكرة آنذاك ، وأقبعُ بعدها خلف أبوابٍ من حديدٍ لا يُعرفُ لونُه ، فكان الغزل هو حارسي الأمين الذي فارقني الآن بعد أن ذهبَ في إجازة طويلةٍ ، ربما بلا رجعة ، لان الورد يعشق الماء ، وأنا الآن بين ظلالٍ من لهبٍ لا يلحفُني وحدي ، بل هناك ملايين مثلي تبحث عن ظِلٍّ آمن غيره ، ولم تجد !
لم اكن أعلم انّ للشعر طقوساً ، ومواسمَ كغيره من الكتابة الاّ بعد سنواتٍ من البعد والقطيعة ، لكنها ما كانت طلاقاً خلعيّاً مؤبداً ؛ إنما كان طلاقاً رجعيّاً ؛ عِدّتُه جيلٌ كامل ؛ فلو تزوجَتْ إحدى قصائدي وقتئذ لأنجبتْ الآن أطفالاً وأراهم تلاميذَ مدرسة.
مارستُ طقوسي من جديد بهدوءٍ مع الوانٍ تهبها لي الطبيعة تارةً ، وأحياناً يهبها ظلمُ الانسان لأخيه الانسان ، وارسم بها لوحاتي ساعةَ يحينُ اللقاء ، أو يدقّ ناقوسُ الأرواحِ العطشى للحروف.
لم تعُد الجميلاتُ ما اطمح اليه من وصفهنَّ ؛ فالجمال ليس ابداً وجهُ امراةٍ ، او جسدٌ يترقرق بين القلب ، والعينين . فالشعرُ له شهوة خاصّة مفضوحة ليس لها حياء ، ولا تخشى أقسى العقوبات ، أمّا شهواتي فقد انحرفت صوبَ الورود ، وصباها ، وندى الصّباح، وأريجَ زينته ، وكلَّ اوراقِ الأشجار ، وما تحملُ من ألوان .
بسمةُ طفلٍ صغيرٍ ، او جذائلُ طفلة جميلة تدهشُ خلجاتي لصفائها ، ونقائها ، أو ترجعني لذكرياتٍ لم أرَ مثلها في حياتي حين كنتُ صغيراً ، وحياتي اليوم كقطارٍ يكادُ يخرجُ عن محلِ سيره ، ويهوي في مكانٍ سحيقٍ لا يعرفُ قراراً ، او زمناً للرحيل رغمَ الاستعدادِ والتأهّب .
أسئلةٌ شتّى تراودني كثيراً : مَنْ منّا أوصل رسالتَه بما تحملُ من جُملٍ تخلو من تعقيد ؟ مَن مازال الى الآن يلهثُ خلف سرابٍ من ضوءٍ متشتت ؟ من انتصفَ من نفسه قبل ان يقولَ وداعاً ؟
اكملتُ كلَّ عباراتِ رسالتي الاّ سطرين قربَ الهامش، كي أذيّلُها بتوقيعٍ استنبطه مع آخر كلمةٍ ، حتى لا يتكرّرُ بينَ يديَّ مرةً ثانية ، فقد يضيع القلمُ ، او لا تقوى أصابعي على إمساكِه ، لأنّ الأمور غالباً ما تخرجُ من بين أيدينا ونحن ننظرُ بدهشةٍ ولا نعرفُ ماذا نفعل ، أمّا أنتم أصدقائي فلا أعرفُ ماذا تُضمِرون ، او ماذا ستكون رسائلُكُم ، ولعلّي مِن هوسِ الشّعرِ ، وذكرياته أوجّه أسئلتي مُجبِراً من لا يسعى لإجابةٍ أبداً ، او لا يحبّذ سماعَها منّي ، او من غيري ؛ أن يعود الى نفسه ..

لا تعليقات

اترك رد