النحات سهيل الهنداوي مابين إنجازاته السابقة وإنجازاته الحالية

 

النحات سهيل الهنداوي مابين إنجازاته السابقة وإنجازاته الحالية
مسلة سفر التدوين وملحمة جلجامش وبورتريتات رليف نحتية

للنحات سهيل الهنداوي – إنجازات كثيرة ومتنوعة من رليف ومدور. حيث أنجز العديد من الأعمال النحتية في الساحات العامة في العراق البلدان الأخرى، ومنها تمثال جمال عبد الناصر وتمثال عروس مندلي وجدارية لأحد المعارك في صدر الإسلام، وجدارية ألف ليلة وليلة، كما أنجز تمثال بعنوان الشموخ في عمان. ومن أعماله الأخيرة في كندا، هي منحوتات بصيغة الرليف على شكل حلقات مدورة، تتضمن شخصيات أدبية من شعراء: منهم الجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد وبدر شاكر السياب والرصاقي والزهاوي. وكذلك لرواد الحركة التشكيلية العراقية: كالفنان فائق حسن ومحمد غني حكمت وحافظ الدروبي وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وكذلك المهندسة المعروفة زها حداد. .وغيرهم من مشاهير العالم. لقد كانت أعمال لها خصوصية الإختيار والإتقان الممنهج الأكاديمي، للتدوين، وجلب الأنظار بإعجاب وتخليد لهم لهذه المرحلة ولأجيال لاحقة.

ومن أنجازات ألفنان – سهيل الهنداوي – العالمية المهمة بعد إستقراره في كندا ألذي يتجسد بنصب في النمسا، ألذي يحمل عنوان «مسلة سفر التدوين» . حيث تم وضع أمام مدخل مقر الأمم المتحدة في العاصمة النمساوية فيينا. لقد كان للنصب أهمية كبيرة في الأداء الشكلي والمضمون ألذي تم تنفيذه بمادتي البرونزوالكرانيت بإرتفاع 5 امتار، وأنجز في أيطاليا. لقد كان محتوى العمل وما يتضمنه من رموز تراثية، هي من إختياره، دون تقيد بافتراضات مقترحة. لقد جسد إختراع الكتابة وبداية التدوين كإرث انساني عالمي، تتوافق معها جميع المشتركات الثقافية الإنسانية العامة.

إذ كانت تحتوي على كتابة مسمارية، وأجزاء تراثية كمسلة نرامسين وملوية سامراء وغيرهما، وكذلك ما أنجزه الواسطي ألذي يعد حلقة وصل بين التراث القديم والمعاصر من الرايات، كمقام البرقعدية، وغيرها من مصادر تراثية عراقية، كما إستخدم الخط بطريقة محورة وغير مقيدة بأنواع للخط المعروفة من جراء إختياره هو، حيث تقترب من الخط المسماري، من خلال النسيج التشكيلي، لغرض الإقتراب من شعور الهاجس الحسي المسماري، وبالرغم مما سبقه من قبل ألفنان الراحل – الصكار – إلا إنه أكثر تحرر من قواعد الخط العربي. استطاع الفنان الهنداوي ان يرسخ هويته الخاصة وهوية العراق وسط مجموعة كبير من الفنانين العالميين، لقد تجسد ذلك من خلال إنفراديته الخاصة من حيث المهارة والتقنية العالية الناجمة من الخبرة والممارسة الكثيرة من جراء نتاجاته السابقة وعبر مراحل من الخوض في تعددية التجريب الإبداعية المرتبطة بذاكرته العراقية المكتظة بالرموز والإشارات.

إن ما يميز هذا الإنجاز المنفرد في الخصوصية لديه، يمثل الإنجاز الأول لنحات عراقي يوضع في مثل هكذا ساحة مهمة. وكما هو معروف، تعد الكتابة السومرية هي منبع للتأسيس اللغوي البشري لمختلف الأجناس في المكان والزمان، حيث تعد رموز الكتابة السومرية ألذي يعود الى القرن السابع والعشرين قبل الميلاد، حيث تم حينها تدوين أول نظام كتابي في التاريخ البشري. وعلى اليمين من الخط السومري يأتي شعار الشمس، التي أعتبرها الإنسان، ولا يزال، منبع الحياة ونور الخليقة. يتم ذلك من خلال رؤيتنا إلى تدرج الرسومات على سطح النصب، لتصل بنا الى الخطوط المسمارية، التي وثّق ظهورها أولى مؤشرات إختراع الكتابة التي تم تطويرها عبر مراحل لاحقة زمنية من قبل المجتمعات البشرية،

ولهذا النصب رموز تبين التطور البشري في الجانب الزراعي، والصناعات الرئيسة، لذلك نجد إن في هذا النصب تدوينات متنوعة للتراث والتاريخ البشري، تم ذلك بتجسيد تلك المضامين بصيغة شكلانية جمالية. حيث يتجسد مضمون رسوما تشير الى حقبة الزراعة، ألتي تحكي قصة أول تبادل اقتصادي للسلعة، ثم الأختام التي تماثل فن التصوير في وقتها الحاضر، والماء الذي عمّد حياة البشر على الأرض، والأنهار التي ترمز الى العطاء الإنساني. يرتفع النصب بقامة تصل الى 5.2 أمتار، وهو من البرونز الخالص، وفي قاعدته قطعة من الغرانيت التي دوّن عليها باللغتين الألمانية والإنكليزية كلمات الإهداء لمدينة فيينا.

وهنا تجدر الإشارة الى الجهود التي قام بها صندوق الاوبيك للتنمية الدولية (أُفيد) قبل الاتفاق على مثل هذا النصب بتفاصيله ورموزه، حيث تمت استشارة البروفيسور مايكل جورسا، رئيس كلية الدراسات الشرقية في جامعة فيينا، والإستعانة بتخصصه في مجال التاريخ المتصل بمنطقة الشرق لمرحلة ما قبل الميلاد. علماً بأن هنالك القليل ممن تخصصوا في الحضارة السومرية، ولهذا فإن صندوق الاوبيك (أُفيد) يجد أنه قد تشرّف بالعمل مع البروفيسور مايكل جورسا حرصاً على دقة كل التفاصيل التي ظهرت في النصب التذكاري لـ«أُفيد».

ملحمة كلكامش :

ملحمة جلجامش في الجزء السفلي لا زال في مشروعه القادم لتكملة ما بدأ به من إنجاز كبير، كون الملحمة تتكون ضمن جزاء من الطوفان. وألتي تعد أحداث درامية بين كلكامش وانكيدو، وكما هو معروف إن تدوين الملحمة لم تكن من قبل كاتب محدد، وإنما تراكمت تدويناتها عبر قرون من ذاكرة الشعوب، عبر أربعة آلاف سنة، وخاصة ما بعد تدوين الكتابة. لقد كان توضيف الأجزاء والمفردات من التراث الآشوري ألذي تأثر به ألفنان – الهنداوي مبكراً، وفي نفس الوقت استعان بمفردات ألفن السومري لإنسيابية الأداء وانجذابيته وعامل إيصاله إلى الآخرين، ونقصد به في الأجواء الغربية خصوصاً. لقد مرت أجزاء عمله المتكون من 14 جزء عبر مراحل من التهيء لها وتدوينها بالسكيجات، ثم أبان تلك المراحل حصل لها تطور مختلف في تطبيق صيغ أدائها الأخير. وفي أجزاء أعماله تم إستخدام الزقورة وعلاقتها بالأله. ومنها انهيارها في مرحلة الطوفان. وتعد ملحمة جلجامش هي ملحمة سومرية شعرية مكتوبة بخط مسماري على 12 لوحاً طينياً، أكتشفت لأول مرة عام 1853م في موقع أثري أكتشف بالصدفة، وعرف فيما بعد أنه كان المكتبة الشخصية للملك الآشوري آشوربانيبال في نينوى في العراق ويحتفظ بالألواح الطينية التي كتبت عليها الملحمة في المتحف البريطاني. الألواح مكتوبة باللغة الأكادية ويحمل في نهايته توقيعا لشخص إسمه: شين ئيقي ئونيني – الذي يتصور البعض أنه كاتب الملحمة التي يعتبرها البعض أقدم قصة كتبها الإنسان. ولقد كانت بداية الملحمة تبدأ بالحديث عن جلجامش، ملك أورك – الوركاء الذي كانت والدته إله خالداً ووالده بشراً فانيا،ً ولهذا قيل بأن ثلثيه إله والثلث الباقي بشر. وبسبب الجزء الفاني منه يبدأ بإدراك حقيقة أنه لن يكون خالداً. تجعل الملحمة جلجامش ملكاً غير محبوب من قبل سكان أورك، حيث تنسب له ممارسات سيئة منها ممارسة تسخير الناس في بناء سور ضخم حول أورك العظيمة. ابتهل سكان أورك للآلهة بأن تجد لهم مخرجاً من ظلم جلجامش فاستجابت الآلهة وقامت إحدى الإلهات، واسمها أرورو، بخلق رجل من الطين وحي كان الشعر الكثيف يغطي جسده ويعيش في البرية يأكل الأعشاب ويشرب الماء مع الحيوانات، أي أنه كان على النقيض تماماً من شخصية جلجامش. ويرى بعض المحللين أن هناك رموزاً إلى الصراع بين المدنية وحياة المدن الذي بدأ السومريون بالتعود عليه تدريجياً، بعد أن غادروا حياة البساطة والزراعة المتمثلة في شخصية أنكيدو.

لقد كان أنكيدو يخلص الحيوانات من مصيدة الصيادين الذين كانوا يقتاتون على الصيد، فقام الصيادون برفع شكواهم إلى الملك جلجامش؛ فأمر إحدى خادمات المعبد بالذهاب ومحاولة إغراء أنكيدو ليمارس الجنس معها؛ وبهذا تبتعد الحيوانات عن مصاحبة أنكيدو ويصبح أنكيدو مروضاً ومدنياً. حالف النجاح خطة الملك جلجامش، وبدأت خادمة المعبد -وكان اسمها شمخات، وتعمل خادمة في معبد الآلهة عشتار – بتعليم أنكيدو الحياة المدنية؛ ككيفية الأكل واللبس وشرب النبيذ، ثم تبدأ بإخبار أنكيدو عن قوة جلجامش وكيف أنه يدخل بالعروسات قبل أن يدخل بهن أزواجهن. ولما عرف أنكيدو بهذا قرر أن يتحدى جلجامش في مصارعة ليجبره على ترك تلك العادة. يتصارع الإثنان بشراسة؛ فهما متقاربان في القوة، ولكن الغلبة في النهاية كانت لجلجامش، حيث أعترف أنكيدو بقوة جلجامش، وبعد هذه الحادثة يصبح الإثنان صديقين حميمين. يحاول جلجامش دائماً القيام بأعمال عظيمة ليبقى اسمه خالداً، فيقرر في يوم من الأيام الذهاب إلى غابة من أشجار الأرز؛ فيقطع جميع أشجارها، وليحقق هذا عليه القضاء على حارس الغابة، وهو مخلوق ضخم وقبيح إسمه خومبابا. ومن الجدير بالذكر أن غابة الأرز كان المكان الذي تعيش فيه الآلهة ويعتقد أن المكان المقصود هو غابات أرز لبنان.

وبإختصار: تعد ملحمة گلگامش من أقدم القصص أو الأعمال الأدبية في التاريخ، وهي أهم من ملحمة عمر الحديثة حتى، حيث يكون گلگامش ملك ظالم تخلق إله أنكيدو لمعاداته، لكن بعد نزال ينتصر به كلكامش يصبحا صديقين في رحلة البحث عن الخلود الذي أستنتج في النهاية إن الخلود بالأعمال لا بالاعمار. هذا ملخص بسيط عن ملحمة گلگامش ولكن القصة تكمن على أن تعتبر ملحمة گلگامش من المآثر الأدبية الكبرى التي وصلت لنا تراث العراق القديم، وهي من دون شك أقدم ملحمة شعرية نعرفها حتى الآن من بين ملاحم العالم والتي حصلت على شعبية بالغة وفي الغالب كانت الملحمة مهيئة للإنشاد والقراءة في الإحتفالات وقد ترجمت هذه الملحمة إلى لغات عدة الفرنسية الإنكليزية الرومانية الدانيماركية الجورجية الإيطالية العبرية ونقلها من اللغة الأكدية إلى العربية دكتور نجيب إبراهيم ميخائيل ويظهر ان شخصية گلگامش كانت محببة وذات شعبية وهي مؤلفة من اثنتي عشر لوحا. لقد أوضحت ذلك بإختصار عن ملحمة گلگامش كي أوضح أهمية ثيمات ومعاني العمل النحتي ألذي تدون في إنجازه ألمهم.. لذلك جسد ألفنان – سهيل الهنداوي – هذا الإنجاز عالمياً لأهميته الكبرى ليس في الوسط الفني تحديداً وإنما على المستوى العالمي الإجتماعي.

الهنداوي من مواليد الصويرة – العراق 1948. وأنهى دراسة البكلوريوس في الفنون الجميلة من جامعة بغداد عام 1970. أنجز العديد من الأعمال النحتية في الساحات العامة في العراق وخارجه ومنها تمثال جمال عبد الناصر وتمثال عروس مندلي وجدارية لأحد المعارك في صدر الإسلام، وجدارية ألف ليلة وليلة كما أنجز تمثال بعنوان الشموخ في عمان.


المقال السابقلن نصمت ابدا … حاكموا اتحاد الكرة المصرى الفاسد
المقال التالىالدين والدنيا – ج2
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد