حوار مع الفنانة ميساء فواز بكدش


 

ميساء فواز بكدش
الفنانة السورية المعاصرة تساهم في التعبير عن إبداعاتها الفنية الواعدة رغم العوائق

التراث الحضاري العربي..ملكية مقدسة والمساس به كارثة وجريمة
الطفل العربي بحاجة إلى المزيد من الاهتمام برسومه الفنية

يظل المشهد التشكيلي السوري مفعم بالنشاط والديناميكية رغم قسوة الواقع وويلات الحرب التي تعثرت بسببها مهرجانات وملتقيات فنية وأدبية كثيرة كما نتج عنها هجرة الكثير من الفنانيين ورغم هذا الواقع المؤلم إلا أن شمس الإبداع الفني السوري تحتفظ بحرارتها ودفئها الإنساني.

المشهد التشكيلي السوري يتسم بروح قوية يدعو إلى مزيد من الإبداع والتفاؤل ويرسل للعالم رسائل المحبة والسلام، بهذه العبارة إستهلت الفنانة السورية ميساء فواز بكدش حديثها معنا ثم تؤكد “يظل الفنان السوري المعاصر رغم الظروف التي تمر بها بلاده يواصل إبداعاته الفنية ويساهم برفد الحضارة الإنسانية بما يعبر عن أحاسيسه ومشاعره عن المحبة والسلام ونبذ العنف في جميع صوره.”
طلبنا منها أن تعرف بنفسها للقراء ردت ببساطة “والله أنا أحب المدرسة السريالية والتكعيبية .ولكن أعمالي منوعة لأني بحب الرسم للأطفال وعمل المجسمات من المعجون الملون وعملت بتصميم المجوهرات في الاردن عند شوكت الشامي واشتركت بمسابقات تصميم المجوهرات ثلاث مرات على التوالي والحمد لله كانو بيختارو أعمالي دائماً ،أحب الرسم الواقعي كثير لأنه هو الذي يبرهن على موهبة الفنان ومقدرته على تجسيد الواقع بلوحته وفيها تحدي كبير.”
ثم أضافت : “انا مهتمة بالاسلوب السريالي ولكن اكثر أعمالي واقعية .استخدمت اسلوب الفنان (خوان ميرو) في رسم وتصميم قصة عالمية بعنوان “ليلة والذئب” فاستخدمت خامتين في التنفيذ وهي الكولاج والبوستر المجسم المصنوع من الصلصال الملون.”
ميساء طالبة دكتوراة فنون جميلة بجامعة حلوان بالقاهرة، موضوع بحثها عن فن الجرافيك السوري وانعكاس الهويات المجاورة عليه وعن الجرافيكيين السوريين كونها تحب أن تقدم شيئاً لبلدها ووجد الموضوع ترحيب ودعم أساتذتها في مصر.
تميل ميساء إلى رسومات الأطفال رغم أن البعض قد لا يهتم به بسبب قلة وضعف مردوده المادي لكنها شخصياً تتأثر بما ترسمه وتشعر بلذة فائقة تم توضح أهمية ذلك وما يحتاجه منا الطفل العربي بقولها :ـ “إننا نرسم للأطفال قصص ومسلسلات ورسوم متحركة إلا أننا نحن بدورنا نتأثر برسومهم وإبداعاتهم الفطرية.
يقول جوزيف ألبرتر وهو أستاذ في مدرسة الباوهاوس ((على التلاميذ والمعلمين أن يتعلموا من بعضهم البعض بصفة مستمرة بالإستشارة والتنافس….))


ولقد تم الاعتراف برسوم الأطفال (المنتج الطفولي) عام 1934 يشرح فيه مؤلفه حبيب جورجي خصائص رسوم الأطفال.
ولازال الطفل العربي بحاجة إلى المزيد من الاهتمام برسومه الفنية وحسن اختيار مايلائم أعمار الأطفال العرب من تصميمات جرافيكية معدة للأطفال بما يساهم في نموهم الجسدي والعقلي والانفعالي وينمي الذائقة الجمالية لديهم.”
ترى ضيفتنا أن الإرث الحضاري السوري القدم يظل حياً ومؤثراً إلى اليوم عن هذه النقطة تقول :ـ ” الرموز الفنية التشكيلية السورية هي مستمدة من الجذور الحضارية للإنسان السوري منذ عهود الممالك السورية القديمة ماقبل الميلاد وانتهاء بالإرث الحضاري العربي وإنني كفنانة تشكيلية لابد أن أتأثر بالبيئة والمحيط الذي نعيشه وقد يظهر في بعض أعمالنا الفنية.”
سألناها،
هل لعب الدين دورا سلبيا بفتاوى تحريم النحت وأنواع فن الرسم؟
ردت بقولها :ـ يقول الدكتور عفيف البهنسي في كتابه (خطاب الأصالة في الفن والعمارة):
((إن أنصار المنع لعبو دورا كبيرا في عدم اهتمام المستشرقين بمسألة التحريم التي أخذت المزيد من اهتمامهم لتبرير الفن التجريدي (الرقش العربي) وبيان اختلاف الفن الاسلامي عن الفن الأوروبي ))
لعل هذا يعكس اهتمام الفنان المعلم بفن الخط والرقش العربي وفن التوريق إضافة إلى الرسوم التوضيحية في المخطوطات العربية الإسلامية القديمة.
التراث الحضاري العربي..ملكية مقدسة
وهي ترى إن الفنان العربي هو وريث حضارات زاهرة خلقها الأجداد منذ آلاف السنين قبل الميلاد وقد تتوجت هذه الحضارات بالأرومة العربية في الفنون التشكيلية والتطبيقية والعمارة مما يدعم إبداعاته الفنية الحديثة والمعاصرة، لذلك فالفنان العربي عليه أن يعي ويدرس ويفهم الإرث الفني والحضاري ونحن بحاجة لتوثيق هذه الفنون وحمايتها من لسرقة والتشويهات الكارثية التي تحدث بسبب الحروب والصراعات بعدة دول عربية، ثم تؤكد على هذه القضية بقولها :ـ “إن التراث الحضاري في البلاد العربية هو المعبر عن هوية الأمة وهو ملكية مقدسة لا يجب العبث بها أو التفريط بها مما يستوجب الحفاظ عليها وحمايتها.وإن فقدان هذا التراث هو كارثة لاحدود لها.”
ثم تطرقنا في حديثنا عن المشهد التشكيلي السوري بالداخل وتقدم ميساء شهادتها قائلة :ـ “إن المشهد التشكيلي السوري تعود بدايته في مطلع القرن العشرين وقد تعاقب على هذا المشهد أجيال من الفنانين التشكيليين من مصورين ونحاتين إلا أن الفن الجرافيكي السوري هو حديث العهد فقد بدأ في النصف الثاني من القرن العشرين بعد تأسيس كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق عام 1961م.
ولازال المشهد التشكيلي للفن السوري يدعو إلى المزيد من الإبداع والتفاؤل.
لاتزال الفنانة السورية المعاصرة تأخذ دورها في الحركة الفنية التشكيلية محليا وعربيا رغم كل العوائق وتشارك في معارض دولية ،وهناك أسماء لا حصر لها.”
ثم تحكي لنا عن تجربتها الفنية والتي بدأت مبكرة منذ طفولتها لنشأتها في أسرة تمارس الفن وهي شديدة التأثر بأعمال والدها الفنان د.فواز البكدش الذيدرس الفن في باريس وشارك في معارض محلية وعربية ودولية.
وتقول:ـ “كان والدي يخصص لي ولأخوتي جدارا لعرض أعمالي عندما كنت طفلة أنا ولأخواتي في المنزل ويقدم لنا الدعم والتشجيع في مرسمه الذي يشكل جزأ من بيتنا الذي نعيش فيه وقد تولد لي ميل قوي لتشكيل المجسمات بواسطة المعجون الذي تعرفت عليه في مرسم والدي، وقد تزودت بالخبرة الفنية ومعرفة الألوان مما شكل لي رصيدا معرفيا في حياتي وتجاربي الفنية.”

ميساء بكدش ترفض التقوقع أو التقيد بمسار محدد وترى أن على الفنان أن لا يقيد إبداعاته الفنية في اتجاه أو مدرسة محددة لأنه لكل موقف إبداعي خصائصه وميزاته ودوافعه إلا أنه يمكنه أن يحافظ على أسلوبه الفني الذي يخصه ويميزه عن الآخرين ثم تؤكد “إن الفن التشكيلي يقع في نطاق العلوم التجريبية والتجربة الفنية تجمع بين الخصائص الفطرية والخصائص المكتسبة فيها …ولا يمكن لأي تجربة فنية أن تصل إلى نهايتها والعمل الفني الإبداعي لايكتمل.”
تتحدث ميساء بقلق عن مدى مواكبتنا كعرب لعصر الصورة والتطورات المذهلة التي تحدث كل يوم فتقول :”إننا نعيش اليوم عصر الصورة الثابتة والصورة المتحركة .وأصبحت الصورة هي المسيطرة في المشهد العام في المدن والحواضر الكبرى في الدول المتطورة نجدها في الإعلانات العملاقة وفي الكتب والصحف والمجلات الملونة ولكننا في الدول العربية نرى محاولا لمواكبة هذا التطور وينقصنا الكثير.”
الطفل العربي بحاجة إلى المزيد من الاهتمام برسومه الفنية
تحدثت ميساء فواز بكدش عن بحثها للماجستير ونظراً لأهمية الموضوع طلبنا منها أن تعطينا فكرة عنه.
فقالت :ـ ” عنوان بحثي ((أثر رسوم الأطفال في التصميم الجرافيكي المعاصر)).بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الناصر ونوس،وحصلت على درجة امتياز لهذه الرسالة.
هدف هذا البحث وفق منهجه العلمي دراسة ومعرفة أثر الانفعالات والتعابير الفنية الفطرية في رسوم الأطفال في مختلف مراحل النمو على صدقية صياغة رموزهم وألوانهم وخطوطهم ومدى ارتباطها بالحالات النفسية للطفل وأثر ذلك على رسوم ومصصمات الكبار.
كما تناول هذا البحث دراسة وتحليل(الموجزات الشكلية ) لرسوم الصغار والكبار مما فسح المجال لمعرفة الفروق التعبيرية بين رسوم الكبار ورسوم الأطفال.
مما يسهل على أولياء الأمور ومعلمي الأطفال معرفة أهمية المنتج الطفولي وحسن اختيار ما يلائم أعمارهم من مصممات جرافيكية كالقصص والألعاب،ومشاهدة أفلام الكرتون،الموافقة مع نموهم الجسدي والعقلي و الانفعالي و احترام الرموز الفنية التي يصوغها أطفالهم في رسومهم،وقد أثرت رسوم الأطفال على كبار الفنانين المصممين الجرافيكيين الأوربيين.مثال:بابلو بيكاسو،خوان ميرو،جون دو بوفي،وماك شاجال و غيرهم.”

تنتسب ميساء إلى عائلة فنية فهي بنت الفنان والنحات الأكاديمي السوري فواز بكدش ـ العميد السابق لكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق ـ ونشأتها في جو عائلي فني أسهم في تكوينها كمصممة وفنانة عن هذه النقطة تقول :ـ “هناك العديد من الأسر العربية والأوربية والعالم يمارس عدد غير قليل من أفرادها الفنون بأنواعها .مما يخلق أثرا إيجابيا في الإبداع الفني والمنافسة والتشجيع ،ولازلت أعيش في مناخ فني، فوالدتي خريجة المدرسة الوطنية العليا لفنون الديكور في باريس فرنسا وقد شاركت في العديد من المعارض الفنية في باريس فرنسا. ووالدي أيضا متخرج من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة البوزار في باريس فرنسا.وللعلم أخواتي أيضا خريجات متخصصات في الفن الجرافيكي وتصميم الإعلان ورسوم الأطفال وإن هذا الوسط يوفر لنا حوارا شبه يومي عن تجاربنا الفنية وكذلك ماتشهده الحركة الفنية المحلية والعالمية من تطورات.مما يجلب لنا المزيد من السعادة.”

المقال السابقهل أنتَ واثق من نفسك ؟
المقال التالىكوثر الزين ” شاهد على العصر الحجري “
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد