كوثر الزين ” شاهد على العصر الحجري “


 

كوثر الزين.. شاعرة ناعمة وحساسة, يسكنها الألم والحزن, يطل الفرح خجلاً من بين نجمات أشعارها, قدمتْ إلينا من تونس, لتحيا الهم الفلسطيني, فلسطينية الحياة, زوجة وأم, تتأثر فتبدع, وتؤثر فتحلق بالنفوس المتعبة.. كوثر التي انتقلت من عالم التمريض كأخصائية تخدير, إلى علاج النّفوس المتعبة بهم الوطن, بالكلمة المحلقة في سماء الشعر.

كوثر تقول عن نفسها:” يسكنني السياب وتسكني الكلمة الحلوة، كنت أحفظ لعمرو بن كلثوم وأبي نواس وبودلير الفرنسي, دخلت عالم الشعر والكتابة متأخرة, ولكني حين أكتب شعراً ألغي عقلي تماماً, وليس كما أكتب المقالة, الشعر تفاعل وتمازج بيني وبين ما أكتبه, وأنا لا أكتب قصائدي إلا انعكاساً لما أحس به, وأكتب القصيدة انفعالاً مرة واحدة, ولا أكتبها على مراحل زمنية, لا أنكر أن قلمي يستجيب للحزن أكثر من الفرح, فجدتي الخنساء علمتني كيف أبكي, ويا ليتها لم تعلمني, ولعل الحزن يسكن بداخلي, لأننا عدنا إلى الوطن ليس كمنتصرين في معركة, بل تحت ظلال معاهدة كنا الطرف الأضعف فيها, عدت لأجد واقعاً سيئاً أكثر مما تخيلت, فالقلق يسكننا ويتعايش معنا بكل لحظة, إضافة إلى غربتي عن أهلي ووطني الأم, ما يؤدي إلى قلّة الجوانب المشرقة فيما أكتب, فأنا إنسانة تتأثر بالواقع الذي أحياه”.

هكذا تحدثت كوثر عندما قدمتها (الجمعية الفلسطينية للقراءة), في قاعة بلدية مدينة البيرة, التوأم السيامي لمدينة رام الله, يوم 12/4/2005 لتقرأ من ديوانها الأول (شاهد على العصر الحجري), حيث أشارت إلى أن اسم الديوان مشتق من حجارة الغضب الفلسطيني التي تقاوم الاحتلال, ومن سلوك الاحتلال الهمجي كأنهم أناس من العصر الحجري.

قدم لها الدكتور محمود العطشان بكلمات عذبة, تنبع من نفسه الواعية المتخمة بالجمال الروحي, بعد أن حرمه فقدان البصر من تلمس الجمال الحسي, فقدمت مجموعة من قصائدها, على أنغام موسيقى هادئة وجميلة, أضافت إلى الجوّ بعداً روحياً ورومانسياً, من اختيار الدكتورة سوسن مروه, فزادت الجو جمالاً, فشدتْ كوثر الزين بقصائدها, وتفاعل الجمهور معها تصفيقاً وإعجاباً, نقاشاً وحواراً, فكانت

أمسية حلقت فيها النفوس عالياً، وجالت بحار أعالي الكلام, فكانت أمسية اخترقت الحاجز والجدار, بثت في النفوس الأمل. فاستعذبت الجمال, وعشقت الكتاب, وحلقت بعالم الشعر, أسكنت بداخلنا الكلمة الحلوة, الخارجة من قلب المعاناة.

أبدع الجمهور بمحاوراته التي نمت أغلبيتها عن وعي متميز, وثقافة عالية, احتراماً لأدب الحوار, استمتاعاً بالكلمة الحلوة،فقدم الدكتور العطشان مداخلة شكّلت الوجه الآخر لجمالية القصائد, أكد فيها على عالم الحزن وعالم السياب, اللذين يلفان هذه الأشعار, مشيرًا إلى أن الشاعرة فيما قدمته, تحيا بعالم من الرومانسية والجمال, وأنها أحسنت اختيارها لهذه المجموعة من القصائد, من بين قصائدها الكثيرة, ليضمها بين جنبيه ديوانها الأول, وتواصل الجمهور بالحوار, فقدم البعض مداخلات جميلة ومعبرة, مما أعطى هذه الأمسية جمالاً وشفافية رائعة.

لا يسعني قبل الانتقال إلى أفق القصائد وجماليتها, التي شدت بها كوثر, إلى أن ديوانها (شاهد على العصر الحجري) يحتوي على خمس عشرة قصيدة, توزعت على أربع وستين صفحة, بدأت بالإهداء المتميز (إلى ذاكرة “محمد الدرة” الطفل والنموذج في كل زمان ومكان..), وهو من إصدار المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي, التي تهتم بجمع وتوثيق الرواية الفلسطينية, بأبعادها التاريخية والثقافية والاجتماعية, موزعة على عناوين تتخصص كل منها في مجال, لتشكل في المحصلة, عنواناً واحداً هو: فلسطين رواية الذاكرة وذاكرة الرواية, الذاكرة بمعناها الواسع والمتجدد, الذي يبني قوته من ذهابه نحو المستقبل.

قدمت الشاعرة ستَّ قصائد في بداية الأمسية, واختتمت الأمسية بقصيدة سابعة, صفق لها الجمهور طويلا (إلى عينيك ذكرى)..وفيما يلي مقتطفات من قصائدها التي تغنت بها, وان كانت المقتطفات لا تغني عن السباحة في بحر القصائد.

* من:تولد أغنيتي..وهي مهداة إلى رام الله

لفاطمة تطحن القمح مرًا
وتبتلع المر في كل قمح
لشوك يديها
لقامتها بين زيتونها الملتهب
لهذا اللهب
لبهجة هذا اللهب
إليك
ومنك
لعينيك, سجادتا صلاة وقرصان
من زعتر وشعاع, أغني
لشرقة هذا الصنوبر فيك
لهذا البهاء ستولد
ت..و..ل..د أ..غ..ن..ي..ت..ي…

* اولمبياد الدم… وهي مهداة كما الديوان لروح الطفل الشهيد محمد الدرة..

مسيحي الصغير صليبك أكبر من مقلتيك
وأثقل من كل هذا الهزال
ووجبة خبزك كل صباح
تنوء بصخرة كل الذين أبوا حملها
ووحدك ” سيزيف ” هذا العذاب
ووحدك تبني بأشلاء روحك عش الحمام
ووحدك تدفن قتلاك كل ظلام
ووحدك سيزيف كل العرب.

* شرفتان

وحيدة إذ هجرت كوكبي الصغير
وحيدة إذ كسرت قلبي الغرير
فلا تشارك ثورة الرياح في الشجر
وكن نسيماً أخضر الظلال
وشرفة للناي
لنشوة المطر
لأفرغ الشموس في جيوب راحتي
وأمسك القمر
أحب فيك غيمك المشحون بالمطر
وظل سنديانة تنام في العراء
وتعشق السهر
فهات بعض ما تبقى من غناء
وخذ دمي
وحفنة من الحنان في فمي
لنتقن الفرح

* المسافر… وأهدتها إلى الإنسان العربي المسافر بين ماضيه وواقعه ومستقبله.

مسافر يودع الوداع
ويودع المكان للضباع
ويستقي رطوبة الهواء والشجر
ويمعن النظر
في كل ما يسائل النظر:
هل نلتقي في لجة الحياة ؟

* شاهد على العصر الحجري

صباح الحجر
مساء الحجر
يجيء نهار
ويمضي نهار
ويبقى الحجر

* تائه في الغد

لا أملك المكان, لا التوقيت لا القرار
زماني المعلق زمانهم
وعمري المخصي في زمامهم
وأفقد اللغة
فتشحب الحروف في دمي
كوجهي المستعار

* إلى عينيك ذكرى

يا لعينيك ويا لي
أفقان رحبان
شمعتان ذابتا
شعلتان تلهبان قلب قلبي
جمرة من بعد جمرة
يا لعينيك ويا لي
فتنتان في سما العشق روعة

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

المقال السابقحوار مع الفنانة ميساء فواز بكدش
المقال التالىالثقافة الفنية ذات لغة كامنة حقيقة
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد