منظومـــــــة التعليـــــــم تختنــــــــــــق !


 

توطئـــــه
لم يذهلني فعل تسريب اسئلة مادة الدين للصف السادس بقدر ما ارعبني موقف وزارة التعليم من هذا الحدث، حيث لم يعقد الوزير مؤتمرا صحفيا لتوضيح الصورة والاعتذار عن هذا التسريب. قد تسالني ولماذا ارتعبت ؟ اجيب لان دلالات هذا الحدث الزلزالي لا يعري ويهدد المنظمة الخلقيه القائمة فقط بل ايضا مستقبل العراق برمته .

ومن جانب اخر ورد في اسئلة مادة اللغة العربية لنفس المرحلة و السنة هذا البيت الشعري طالبا اعرابه
” أبحنا حيّهم قتلاً واسراً….. عدا الشمطاء والطفل الصغير ”
هذا البيت الشعري اهانة كبيرة الى ابناء الديانات الاخرى غير المسلمة في العراق، كما وانه يقدم دعما، و ارضية قوية صلدة للفكر السلفي التكفيري ” داعش مثالا وليس حصرا “.

مقدمـــــة لابـــد منهـــــا
في التاريخ العربي- الاسلامي ارتبط العلم والعملاء بالعاملين في مجالات دراسة الدين الاسلامي تحديدا، بحيث اصبحت صفة العالم تطلق على العاملين حصرا في مجالات الدين. واستنكف العرب في العمل الفكري النقدي التشكيكي الذي هو اساس العلم، ولا يمكن للعلم ان يقوم دون الشك والتسائل . وفي فترة الحكم العباسي استطاعت السلطة استقطاب العديد من العلماء الحقيقين من غير العرب ، مثل الخوارزمي ( خوارزم، اوزبكستان ) الفارابي ( فاراب، كازاخستان ) والشيرازي ( من شيراز ) وغيرهم ، يقابل ذلك اضعاف من العرب عملوا في مجال الدين واللغة والشعر .

كل هؤولاء العلماء، بمعنى العاملين في العلوم المبنية على الشك، برزوا في فترة غياب منظومة تعليمية، وجاء بروزهم بجهودهم الشخصية مقابل دعم من السلطان او الخليفة في توفير الدعم الامني والاقتصادي فقط .

ظهور التعليم، كمنظومة، حديث نسبيا وينتمي الى مرحلة تشكل الدولة وتحديدا الى مرحلة التنوير، مرحلة فصل الدين عن المجال العام وابقاْه شاْننا شخصيا كما ولد، فانشات المدارس و الجامعات و مركز الابحاث ، ففقد المعبد احد اهم اركان سيطرته على المجتمع . اذن فمنظومة التعليم ضاهرة مدنية و مرتبطة بتشكل الدولة الحديثه اواسط القرن الماضي . وما يدعم ذلك ان الجامعات هي ضاهرة اوربيه خالصه ومنها انتقلت الى كل اجزاء العالم وبنفس الصيغة.

ساكتفي بهذا القدر من الربط بين نظام التعليم وتاسيس الدولة العلمانية في اوربا لاعتقادي بان ذلك كاف، وتعالو معي لنذهب الى العراق، باختصار ايضا كي نوفر الوقت للزمن الحالي.

قبل تاسيس الدولة العراقيه اسس اليهود العراقيين مدارسهم ، ففي عام 1864 تاسست مدرسة الليانس والتي اسستها جمعية الليانس اليهودية العراقيه ، وكذلك اتبع مسيحيوا العراق وكان التعليم فيها يتم باللغة الانكليزية او الفرنسية الى جانب العربية . اما الحكم العثماني فبالرغم من قلة المدارس الا انها جميعا كانت تدرس باللغة العثمانية ، ومتخصصه نحو هدف واحد الا وهو اعداد متعلمين للخدمة في الجيش او للجهاز البيروقراطي للدولة العثمانيه . وعندما جاء البريطاني د. فانس الى البصرة ساعيا لفتح مدارس تعلم باللغة العربيه وكذلك الانكليزية وليس التركية وفاتح والي بغداد بذلك، اجابه والي بغداد “ما انت واضاعة وقتك في تعليم الحمير ” علي الوردي . دراسة في طبيعة المجتمع العراقي .

ساكتفي بهذا القدر من سرد الماضي .

الانسان اثمن راس مال
من افضل ما قدمه التنوير و دولة المواطنه هو اعادة الاعتبار للانسان باعتباره اثمن راسمال . ومن حقوق هذا الانسان صقل معارفه و تدريب عقله على التفكير الحر عبر الشك والاثبات بعيدا عن الاسطوره ، فكان على الدولة ان تقدم نظاما تعليميا مستقلا عن المقدس و الغاء احتكار الحقيقة المطلقة من المجال العام .

المتتبع لتطور النظام التعليمي في العراق ، المدرسي و الجامعي، العام والخاص ، يجد ترابط هذا النظام بتطور الدولة العراقية نفسها. فلغاية 1958 كان نظام التعليم في العراق يسير ببطئ من الناحية نتيجة لسببين الاول :انه انطلق من العدد صفر عدد مدارس وبالاخص في الريف والثاني ضعف الموارد الاقتصادية حيث ان الميزانية ان ذلك لا تبنى على عوائد النفط وبالاخص الانفاق منها كما وان نقص عدد المدرسين كان عائقا امام فتح مدارس جديده . الا ان المنهاج العلمي كان رصينا جدا والدليل على ذلك ان نسبة الفاقد في الدراسات الجامعية كان قليلا اذا ما قورن بما بعد ذلك . الا ان تاسيس الجامعات كان متاخر زمنيا حيث ان جامعة بغداد تاسست عام 1956 عند صدور قانون الجامعات الا ان انطلاق جامعة بغداد جاء بعد ذلك بسنوت قليله . والذي يميز هذه الفترة ايضا هو غياب مؤسسات التعليم الخاصة حيث ان القانون لم يكن يسمح بانشاء مدارس و كليات مملوكة لغير القطاع العام ، عدا جامعة الحكمة في بغداد والتي هي جامعة امريكية و اممت عام 1963، ومن ناحية اخرى كان التعليم في العراق في جميع مراحله مجاني .

اما المرحلة لما بعد 1958 فتتميز بالتوسع الكمي لمنظومة التعليم ، الاساسي والجامعي، مع بقاء كونها مجانيه مما ساعد على دخول ابناء الفقراء الى الجامعات بكثافه، مع بقاء كليات الطب والهندسة كليات لابناء الطبقة الميسورة و ابناء البرجوازية الصغيره والقريبه من البرجوازيه المرفهة ان صح التعبير.

ولا بد من الاشارة والاشادة في ان التعليم في تلك الفترة بقي مستقلا عن السياسة ، فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يكن على الطالب الراغب بالحصول على البعثة او اكمال الدراسات العليا الانتماء الى حزب السلطه . ولكن من ناحية اخرى لم تستطع جامعة بغداد تجذير ” الحرية الاكاديميه ” تخوفا من الثقافة السائدة عدا بعض الاستثناات متل دكتور علي الوردي و بمجهوده الشخصي.

عندمــــــــــــا يكون راس المال طفيلي ينتج راس مال بشري طفيلي ايضا
بعد الجمهورية الاولى 1958 ولحد يومنا الحالي اخضعت الجامعات العراقيه والتعليم عموما لتدخل السلطة السياسيه في المناهج التعليمية وبالاخص في مجال العلوم الانسانيه . فاصبحت المناهج التعليمية تعبر عن فلسفة السطلة السياسيه وبالاخص لما بعد 1963 ، وحولت الجامعات الى اماكن استقطاب سياسي ودارت فيها وعليها صراعات سياسيه عنفيه . فلا يقبل الطالب ما لم يكن عضو في منظمات الحزب الذي يقود السلطة .

اما الاكاديميون فقد اصبحوا تدريسيين فقط و ارغموا على ترديد مقولات وخطب وشعارات القيادة السياسيه. فعلى سبيل المثال لا الحصر اسرد هنا مثالا ” جاء احد الطلبة الى الدكتور طالب البغدادي وقال له، ان السيد النائب صدام حسين قال في خطابه ان من لا يصنع لا ياكل فما رايك استاذ. اجاب الدكتور طالب البغدادي : الاصح هو من لا يعمل لان الصناعة احد وليس كل النشاط الاقتصادي ومثلا ان السيد النائب صدام حسين لا يصنع بل يقدم خدمه …انهى الحوار بين الاستاذ والطالب ” . بعد مدة قصيره صدر قرار جمهوري بفصل الدكتور طالب البغداد من جامعة بغداد و اسقاط جميع حقوقه .

مما ساعد السلطة على بسط نفوذها الوسع والهمجي على التعليم هو ليس العنف وحده بل الواردات الهائله من تصدير النفط واحتكار السلطة للتعليم وتغيب التعليم الممول من القطاع الخاص. كما وان تلك الواردات الهائلة من تصدير النفط مكنت السلطة من بسط نفوذها على الفئات المهمشة اجتماعيا والريفية عبر قبول ابناءها في التعليم ومن ثم في وظائف الدوله.

ونتيجه للحروب المستمرة لنظام صدام حسين فقد وجد البعض ان في التعليم ملجئ للهروب من الجنديه، فبدلا من ان يتخرج الطالب بعد اربع سنوات يتخرج بعد ست سنوات . وبدلا من ان يذهب الى الجنديه بعد التخرج الجامعي يقدم على التعليم العالي وهو لا يمتلك اسس و اوليات التعليم العالي، ولكن كل الذي يمكنه من اكمال تعليمه هو ” الاخلاص للقائد الضروره”. وهذا ما خلق وسط تدريسي وليس اكاديمي في الجامعات العراقيه حيث السمة البارزة هي الحفظ و التلقين والتكرار والاجترار وجمود العقل الشكي لا بل غيابه فاصبحت المصادر في هذه الجامعات ملزمات لا تتعدى عدد صفحاتها العشرات وتستند الى نظريات وفرضيات بعضها يعود الى عشرات السنوات الماضية. اما الاسئلة الامتحانية فلا تقيس الفهم والمقدرة على الاستنتاج والاستنباط بل المقدرة على الحفظ وترديد ممل .

سقوط النظام التعليمي في العراق قبيل انهياره
ما الذي حدث بعد 2003 ؟ السلطات ارتكزت على سفاهة راس المال البشري واضافت له الاسطوره . كي اوضح مقصدي من ذلك ساورد هنا تجربة شخصيه :
كنت مشرف على بحث تخرج لاحد الطلبه عام 2009 وكان عن موضوع دور راس مال الصغير في الاقتصاد العراقي . جاء الطالب بعد مده وقدم لي مسودة عن البحث ورد فيها -ان ارباح هذا القطاع تتجاوز 20% من راس المال وهذا حرام . ( ارجو الانتباه الى عبارة وهذا حرام ) . قلت للطالب نحن لسنا كلية شريعه لنتحدث عن الربح الحرام والحلال ورغم ذلك ساقبل هذا الطرح اذا دعمة بمصدر علمي . غاب الطالب حوالي اسبوع وعاد وكان في اعلى درجات الانتشاء وقال : دكتور سالت شيخ الجامع وقال لي ان الربح بالنسبة هذه حرم. قلت له قد يكون شيخ الجامع على خطا ، ما ان قلت ذلك حتى انتفض الطالب وكان تيارا كهربائيا مسه وقال وقد اصفر وجهه ( استغفر الله دكتور ) . ” انتقل الطالب الى مشرف اخر و ( ستقول ماذا) تخرج بعد ذلك .

النظام التعليمي عندنا يتدحرج بسرعه نحو قاع الهاويه ففي الكليات الاهليه لا يوجد رسوب و دكتورا هندسه يقوم بتدريس الرياضيات دكتورا اداره يقوم بتدريس اساسيات الاقتصاد وخريجة اداب لغة انكليزيه تدرس مادة الاعلام في كلية الاعلام .

والحديث المؤلم طوييييييييييييييييل ، وفي الختام اقول ان التعليم كالكبد في جسم الانسان ينقي الدم ويرفد الجسم بالكريات الحمر، فان اصبح الكبد عليلا فمن يوصل الاكسجين الى الدماغ .

لا تعليقات

اترك رد