نبحث عما ينقصنا لنكتمل


 

يحدث وكثيراً في كل المجتمعات أن تتعطل لغة الانسجام وتصاب العاطفة بوهن لا علاج له إلا البتر، والبتر في العلاقات الزوجية يكون بالانفصال المطلق بالطلاق؛ لكن المأساة الحقيقية لا تكون عادة في الانفصال بل تحدث ما بعد الانفصال، والطلاق غالباً لا يحدث مع الأشخاص البسطاء لأن البسطاء وإن تعطلت لغة التناغم يستمرون بالزواج خوفاً من كلام الناس وحرصاً منهم على مشاعرأولادهم؛ لكنه يحدث مع الطبقة المثقفة التي لا تقدر على الاستمرار في عدم التناغم فتختار الانفصال حلاً نهائياً.

الرجل وعلى الفور أو بعد برهة قليلة من الانفصال يكافؤ نفسه بامرأة أخرى، دون أن يشكّل الانفصال لديه أيَّ عائق يقف في طريق رغباته ويواصل المسير وكأن شيئاً لم يكن، وسرعان ما يتعافى من زواجه السابق ويتأقلم مع حياته الجديدة ولا يترك الانفصال فيه أية عقدة نفسية أو ردة فعل عنيفة. وتلك المرونة وسهولة التعامل والتأقلم والمكافأة تعود لأسباب خلقية وأسباب اجتماعية اجتمعت لتعطي الرجل تلك المرونة وسهولة التعامل مع الانفصال بهذا الشكل المريح.

بينما المرأة عندما تنفصل عن الرجل على الفور تقيم على نفسها القيامة وتحكم على قلبها ومشاعرها ورغباتها وغرائزها بالدخول إلى جهنم وتسجر لنفسها حطب الخوف والقلق والريبة وبدل من أن تنتهي من أرقها الذي عاشته وعانت منه طيلة فترة الزواج، تضيف لأرقها القديم أرقاً جديداً أشد وجعاً وإيلاماً لها؛ فتعتزل الحب، وتستدرج أفواج الحقد وكراهية المجتمع الذكوري وتصرّح أمام الجميع باعتزالها وسخطها على هذا الجنس البغيض. وبأنها حرّمت دخول الحب إلى محراب قلبها، وبأنها أوقفت كل الصفقات والغت جميع العقود مع الثقة، وخاصة ثقتها برجل أو زواج جديد.

وتبدأ بشن حملة حقد على معشر الرجال والنبش في قبور السلبيات الشرقية والأقوال التي يطلقها المجتمع الذكوري وتجادل في الآيات والأحاديث والتشريعات السماوية، وتتخذ لها ركناً أو صفحة على مواقع التواصل وتسرف جلَّ قتها في جدالات ونقاشات حول سوء الرجل وطبيعته وخطاياه وتهمل أنوثتها، وتتعب قلبها، وتؤرق نفسها ومن حولها بتلك التصريحات. تعتزل الحب ظاهرياً لكنها طوال الوقت تتحدث عنه؛ فالإنسان يبحث عمّا ينقصه، تهاجم الرجال وكل الذين تجادلهم وتضيّع وقتها معهم هم من الرجال؛ فتعيش بازدواجية وتناقض نفسها ولا تصل معهم إلا لجدال عقيم؛ فهي تكره الورد لكنها لا تقدر على الابتعاد عن عطره.

إن هذا النموذج من الطلاق الذي اطرحه هو النموذج المعاصر والحديث وطرحي لا يشمل المطلقة بوجه عام؛ إنه طرح محصور بنوعية معينة ويخص المرأة المثقفة أو التي من المفترض إنها مثقفة؛ لأن المطلقة البسيطة والاعتيادية هي لا تجرؤ على مهاجمة الرجال جهرة وبجسارة ولن تجرؤ على التفكير بإعلان رغبتها في زواج آخر أو عدم رغبتها، وهذا الخوف وعدم التصريح يعودان لأسباب خلقية وأسباب اجتماعية.

تكذب على نفسها وعلى محيطها، كل امرأة مطلقة تدّعي بأنها قد أصبحت راهبة وناسكة، ولم تعد تشعر بالحب؛ وبأن أغصان عواطفها قد يبست وماتت جذور غرائزها وانطفأت قناديل شهوتها.

تكذب وتخدع نفسها والحقيقة معاً، كل مطلقة تدّعي بإنها تكره الرجال وبأنها لم تعد تطيق العيش مع رجل تحت سقف واحد وبأنها تشعر براحة وبسعادة وكأنها فراشة طليقة بعد أن تطلقت.

ازدواجية ومخادعة كل مطلقة تعلن أمام الجميع كراهيتها للرجال ومحيطها وعالمها كله من الرجال؛ الكراهية لا تتجزأ والمبدأ لا يتجزأ والصدق ليس له وجهان.

الملحد هو أكثر من يتكلم ويجادل حول الله، والملحدة بصدق الرجال هي أكثر من تفكر وتجادل حول الرجال؛ نتكلم كثيراً عمّا ينقصنا لنملأ فراغنا منه، ونبحث عمّا ينقصنا لنكتمل

إني هنا لكي أعريك من وهمك وخداعك لنفسك وللآخرين. إني هنا لكي أريك ملامح داخلك وما يدور خلف جدران عزلتك ووحدتك وفراغك العاطفي وما تحاولين أن تخفيه عن نفسك واكشف لك زيف ما تدعينه أمام الملأ. إني اعريك لكي أكسوك.

أنت ترغبين بالحب كأي مخلوق على هذه الأرض؛ لكن الرجل الذي اخترته هو من خيّب أملك بالحب وبدل من أن تنتهي من الرجل الخطأ؛ انهيت الحب والحب ما كان يوماً ولم يكن خطأ.

هو على الفور قد تركك وراح يبحث عن امرأة سواك، لم يعتزل الزواج كما فعلت، ولم يكترث بوحدتك، وخلفك مجرد مربية لأولاده، هو يعيش حياته ويشبع رغباته وغرائزه وأنت تقفين على شباك الأرق تراقبين النساء المتزوجات بحسرة وتؤرقك اللحظات وفي قلبك للحب وحشة.

أنت تشتهين أن تكوني ما بين أحضان رجل يحبك ويحتويك مثل أي امرأة أخرى، وجسدك يضج ويصرخ فيك؛ لكنك تحاولين الجام صراخه بمعتقداتك الواهية، وبكراهيتك وقرفك من الرجال، وتضعين حجراً ثقيلاً على أمعاء غرائزك تكابرين، وتكابرين لكن الليل يعريك من مكابرتك والوحدة تفضحك. إني افضح وجعك لكي أستر عري جرحك.

أعلم بأنك في أحيان كثيرة تخونين معتقداتك بكراهية الرجل في خيالك، وتسبحين معه في حلم وردي وأعلم بأن كلام الحب يدغدغ عاطفتك وكلام الاطراء من رجل ينعش قلبك ويجعله ليناً وأحياناً تفقدين وعيك وتنسين عهدك الذي قطتعه أمام محراب عقلك بألا تليني لرجل وألا تتركي عواطفك تتمطى لكلام رجل.

أدري يا صديقتي بإنك قد تورطت، وورطت نفسك بإعلانك أمام الملأ إلحادك بالحب وبالزواج مرة أخرى؛ لكن لا أحد يشعر بألمك إلا أنت، ولا أحد يعيش الأرق إلا أنت، ولا أحد يدفع ضريبة هذا الإلحاد والعزلة عن الحب إلا أنت وقلبك ومشاعرك وجسدك.

قد اصدق امرأة مطلقة قد تجاوزت الستين من عمرها وخيبتها في الزواج بأنها فعلاً قد اعتزلت الحب والزواج؛ لأنها تأقلمت وأقلمت أيامها أن تكون بلا رجل وقد تستحي بحكم الظروف والبيئة أن تعلن عن رغبتها في الزواج أو الحب؛ ومع ذلك فلا عمر للحب ولا توجد له مدة صلاحية ولا سن معينة ينتهي فيها؛ لكن الاعتياد يروض جماح المشاعر ويهذّب الغرائز.

لكنني لا أصدق امرأة مطلقة لم تتجاوز الأربعين أو حتى لم تتجاوز الخمسين بأنها لا ترغب برجل على الإطلاق، وبأنها لا تشعر بالوحدة وإن كانت وسط جموع كثيرة، وبأنها لا تعاني من غياب الرجل عن لحظاتها وتفاصيل أيامها. مهما كابرت وادعت ستكون مخادعة لحقيقة خلقها التي خلقت عليها فلا يقدر الرجل أن يعيش بلا امرأة وهذا ما يفعله الرجل دون مكابرة ودون خداع ولا تقدر امرأة أن تكون بلا رجل وهذا ما تكذب فيه المرأة وهذا ما ترفض أن تقوله جهرة. إن الأمر أكبر من مجرد ممارسة للجنس فالجنس مباح وكثير لكنه الحب والاحتواء والاتكاء العاطفي ليكتمل النقص الطبيعي فالمرأة تكمل نقص الرجل، والرجل يكمل نقص المرأة؛ هذا هو النقصان الجميل والنقصان الفطري الذي خلق الإنسان عليه.

حين نقطع الصورة إلى نصفين ستظل الصورة ناقصة وباهتة؛ فإن لم يكتمل نقص المرأة في التجربة الأولى، فقد يكتمل جمالها ويكتمل نقصها الطبيعي في التجربة الثانية. فلا تتخذ قرارا يؤذي إنسانيتها وتحرم بهذا القرار المجحف حقوقها الطبيعية كالغرائز والمشاعر. وألا تتحول إلى لبؤة مجروحة تحاول أن تجرح كل من حولها ليتساوى الجميع معها في الجرح، ولا تشيع الأفكار السلبية من حولها لمجرد فشلها في الزواج الأول وأن تتخطى خوفها وتعيش كما يعيش الرجل حياته وتنتهي من المكابرة ورياء النفس وتنتهي من دور الضحية، وتتجاوز مخاوفها وأحكامها المسبقة ولا تعمم جرحها وخيبتها على الجميع.

المقال السابقمنظومـــــــة التعليـــــــم تختنــــــــــــق !
المقال التالىدور العمل الاستشاري في الادارة
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد