دور العمل الاستشاري في الادارة


 

يعتبر العمل الاستشاري ألان واحدا من ضرورات العمل, أي كان نوعه و تخصصه.

و يعتبر الاستشاري عنصرا مهما و حيويا في إدارة أية منظمة, حيث لا يمكن أن تخلو إدارة أو منظمة على الأغلب, حكومية كانت أم خاصة, من وجود واحد أو اكثر من الخبراء و المستشارين, في مجالات العمل الفني و الإداري المختلفة, يكونون بمثابة العون و المرجع لإدارة تلك المنظمة في إدارة و تسيير عجلة العمل اليومية, و في إنجاز المهام ذات الطبيعة البحثية و التطويرية و الأبعاد الإستراتيجية ..

و معروف لدى الجميع, و من خلال تقاليد و أخلاقيات العمل ETHICS , أن الاستشاري أو الخبير في موقعه الاستشاري, يكون مسؤولا عن تقديم الرأي و المشورة إلى الجهة العليا التي تكلفه بالمهمة, و على هذا الأساس تتحدد مسؤوليته في حدود تلك المشورة ، لكن لا تتعدى مسؤوليته إلى عملية اتخاذ القرار و التنفيذ حيث يكون ذلك من مسؤولية الجهاز الإداري و التنفيذي في المنظمة ..

و غالبا ما يظهر الاحتكاك و الصراع CONFLICT ما بين أدوار الموظفين الاستشاريين و الموظفين التنفيذيين في المنظمة, و هي ظاهرة أصبحت معروفة في عالم الإدارة والتنظيم, و خاضعة للتقييم و الدراسة و البحث المستمر من قبل المعنيين والمختصين ..

و يعود أسباب مثل هذا النوع من الصراع, إلى وجود بعض التداخل و التقاطع أحيانا ما بين أعمال أو صلاحيات أو مسؤوليات الطرفين, اّخذين بنظر الاعتبار اعتزاز و رغبة الموظفين التنفيذيين في إثبات و تأكيد و ممارسة و اختبار قوتهم و صلاحياتهم في مواجهة المستشارين ..

لقد تطور و تعمق الدور الذي يمارسه الاستشاري و أهميته, مع تطور العلوم و التكنولوجيا, و مع تطور علوم الإدارة و التنظيم, و ظهور مبدأ التخصص في العمل ، فقد وجدت العديد من إدارات المنظمات و الشركات نفسها في حاجة ماسة إلى خبراء و استشاريين في مجالات معينة, و كانت هذه الحاجة تبرز بشكل أوضح في مراحل التطوير و اتخاذ القرارات الستراتيجية المهمة التي قد تعرض حياة و كيان و مستقبل المنظمة للخطر ..

و مع تزايد أهمية و دور الخبراء و المستشارين, زادت و تعمقت أهمية المهام و الأعمال التي يمارسونها, كما زاد الطلب عليهم في أسواق العمل, مما تسبب في ندرة كبيرة في هذا الصنف المتقدم و المتخصص من القوى العاملة في كثير من الدول ، و هذا ما دفع الكثير من الإدارات و المنظمات إلى السعي الدؤوب إلى امتلاك هذه الخبرات و الحصول عليها بأي ثمن, إضافة إلى السعي إلى تطوير قدراتها الداخلية في هذا المجال ..

و بنفس هذا الاتجاه ظهرت إلى الوجود العديد من المكاتب و الشركات الاستشارية الخاصة التي أصبحت تمارس دورا مهما في تقديم خدمات الخبرة و الاستشارة إلى الإدارات و المنظمات و الشركات الأخرى في مجالات اختصاص فنية و إدارية متعددة ..

و كان لظهور وتطور هذه المكاتب و الشركات الاستشارية دورا مهما في تطور و تعميق تخصص و وظيفة الاستشاري ADVISOR – CONSULTANT ، و أصبحت هذه الشركات تقدم خدماتها للإدارات و المنظمات غير القادرة, أما لأسباب إدارية أو مالية أو فنية, على الحصول على الخبراء و الاستشاريين المعنيين و تعيينهم ضمن كوادرها ..

لكن بالرغم من ذلك, وجد أن الاستشاري أو الخبير الداخلي تكون له على الأغلب أفضلية التواجد و المعايشة للحياة اليومية لعمل المنظمة, و معرفته بدقائق العلاقات و المشاكل الإدارية و الفنية فيها ، و هذا لا يمنع من وجود التنسيق و التفاعل مع الشركات و الخبرات الاستشارية الخارجية, التي ربما تتقدم بأفكار جديدة لم تكن مطروحة سابقا, إضافة إلى الاستفادة من خبراتها العامة و الدولية في هذا المجال ..

لقد بادرت العديد من الدول, و خاصة النامية منها, و نتيجة إلى صعوبة الحصول على النوع و العدد الكافي من الخبراء و الاستشاريين, إلى تشكيل معاهد أو إدارات تتولى الاهتمام بهذا الجانب, و تتولى تطوير خبرات العاملين فيها في مجالات معينة ..

و قد نجحت تجارب هذه الدول بنسب متفاوتة, و أحيانا بشكل متميز في هذا المجال ، فمثلا نرى أن معاهد التنمية الإدارية في عدد من الدول العربية, و المعاهد و المراكز التطويرية المماثلة , أصبحت بمثابة بيوت خبرة و استشارة في مجالات العمل الإداري المختلفة, و أصبحت تهتم ببناء قدرات فنية و إدارية متخصصة في العديد من المجالات ذات العلاقة ..

كذلك فقد أخذت جهات أو معاهد أخرى, و نتيجة لمبدأ التخصص, تلعب دورا مماثلا ، فمثلا نرى المعاهد النفطية, أصبحت بمثابة بيت الخبرة و الاستشارة في مجالات صناعة النفط المختلفة ، و أصبحت دواوين المحاسبة و الرقابة المالية بمثابة بيوت خبرة في المجالات الرقابية و المحاسبية و الإدارة ..

كما يمكن اعتبار الجامعات و المعاهد الدراسية و البحثية مشاريع جيدة لتكوين بيوت خبرة و استشارة في مجالات معينة ، و ربما أصبحت هذه الجهات في مرحلة معينة أو إلى درجة ما تشكل منافس حقيقي للشركات الاستشارية التجارية العاملة في السوق, و ذلك نتيجة للتسهيلات المتاحة أمامها ..

خلاصة القول, أن العمل الاستشاري يعتبر ألان ضرورة ملحة لا بد منها, و اصبح للمستشارين و الخبراء أدوارا مهمة و حيوية على مستوى القيادات الإدارية و السياسية في كافة دول العالم ، و اصبح لزاما على كافة الإدارات و المؤسسات التفكير جيدا في بناء و إنشاء وتكوين كوادرها من الاستشاريين و الخبراء, الذين يعملون ربما من وراء الستار و بصمت, من اجل البحث و التطوير و التغيير المنشود نحو الأفضل ..

و ربما نعرض واحدا من أهم أدوار الاستشاريين الذي يدرّس ألان في عالم الإدارة و السياسة للإفادة ، فقد عرف عهد الرئيس الأمريكي السابق ( ريغان ) بالعديد من الإنجازات و التطورات و القرارات الستراتيجية المهمة على المستوى القومي الأمريكي, سواء كان ذلك في مجال السياسة أو الإدارة و الاقتصاد ، و كان الفضل الكبير فيها يعزى إلى ” شلة ” الاستشاريين و الخبراء الذين كانوا يحيطون بالرئيس ( الذي عرف عنه قلة خبرته في المجالات الإدارية و السياسية, حيث أن معظم تاريخه السابق كان ممثلا في السينما الأمريكية ) . و قد عرفت حقبة الرئاسة تلك بفترة ( حكم المستشارين ) نظرا للدور المهم و الرئيسي الذي لعبه المستشارون و الخبراء في إدارة دفة ( الإدارة الأمريكية ) في ذلك الوقت ..

و حتى في زماننا الحاضر, فنحن نلاحظ أن الرئيس الأمريكي الحالي ( ترامب ) و قبله كان بوش الإبن أيضا, و الذي كان يعاب عليهم أيضا قلة خبراتهم في مجالات السياسة الخارجية, قد أحاطوا أنفسهم بجيش من الخبراء و المستشارين, الذين يساعدونهم في إنضاج الأفكار و البدائل و الوصول إلى اتخاذ القرارات المناسبة ، و معروف لدى الجميع, فأن العملية السياسية الأمريكية بشكل عام تأخذ طابعا هو اقرب إلى إدارة المؤسسة أو النشاط الاقتصادي, و بالتالي فإنها تعتمد الكثير من المفاهيم و الأسس المستخدمة في إدارة الأعمال في عملها ..

المقال السابقنبحث عما ينقصنا لنكتمل
المقال التالىعراقيون وسط عبث عملية 2003 السياسية
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد