مؤيد محسن .. أعماله الواقعية السحرية لديه، منعكسة من العقل الباطني السوريالي

 

برغم التصور العام، والحكم الإستنتاجي، بأن صيغة أعماله تسودها الطريقة السوريالية في الأداء الإنشائي، إلا إن هنالك إختلاف وتفرد لديه عن الخضوع كلياً إلى الإطار السوريالي المعروف، ولو عدنا إلى ما خضع إليه الترويج الأسلوبي السوريالي للفنان سلفادور دالي، فإن أصل الأسلوب مختلف كثيراً عن ما توصل إليه – دالي، حيث كانت لدى مارك شغال – ودي كريكو – وروني ماغريت – في معارضهم أبان العقدين الأولى للقرن الماضي، ومنظرها – اندرية بريتون،

أي بعد الحرب العالمية الأولى، أو ما تلاها من معارض، فإننا نجد أعمالهم تميل إلى التجريدية التعبيرية، ولكن فيها بداية للحركة الخيالية الفنتازية الحرة. وهي تمثل ما فوق الواقعية، أو فوق الواقع المرئي. وتعد السوريالية تحرر من القيود الإجتماعية والمذهبية والتعصبية، ألتي كانت تأثيراتها واضحة من جراء الحروب العالمية والمحلية. وما حصل للفنان – سلفادور دالي بخيالاته السوريالية، تخضع إلى مشاعر العقل الباطني والوجداني، والا شعور الإدراكي والمعرفي الذي يتوافق مع نظرية سيغموند فرويد النفسية. برغم إعتراض فرويد بأن الخيال المطلق والمبالغ فيه عند ألفنان – دالي،

لا يتوافق مع نظريتي العلمية النفسية. وعودة إلى ألفنان – مؤيد محسن – فإن أعماله من ناحية الأداء الواقعي، فإنها تخضع إلى المنهجية في نسبها الذهبية الأكاديمية، دون المبالغة في أحجام وقياسات المفردات التكوينية للأشخاص من أقدام في الطول والعرض ألذي يقترب من فن الكاريكاتير، كما هو عند ألفنان – دالي – من أجساد لكائنات بشرية وحيوانية، يسودها الإرتفاع الطويل جدا، يعاكسها الظل الداكن، أو ساعات مائعة ومائلة معلقة على الجدران.

أو أجساد مفتوحة التفاصيل في دواخلها من قلوب وأمعاء. . وغيرها من مفردات. لكن هنالك صفة مشتركة مع الصيغة المتعارف عليها في شكلانية الأداء السوريالي وليس بشروط علاماتها السيميائية المشتركة من مضمون يختلف بين بلد وآخر. كون ألفنان – مؤيد محسن – تخضع أعماله إلى مفاهيم وجدانية مرتبطة بمحيطه التراثي الميثلوجي البابلي أو الرافديني بشكل عام، وكذلك الأنعكاس النفسي للأحداث التراجيدية الصاخبة والمثيرة لمحيطه عبر عقود من الزمن،

ترافق مع حركة الصيرورة لعمر المنشأ الشبابي ألذي تزامن مع اشتراكنا معه في التأثر والإحساس الباطني في عمقه الزمني والمعاصر، ألذي يسري بديمومة وسائله وتاثيرات أضرارها السابقة على سنواتها الاحقة. لذلك فإن التنفيذ الشكلاني لايخضع له ألفنان في حالة الخضوع لذاته الوجدانية وأحداث بلده.

وهذا ما حصل في أعمالي الخاصة ألتي تسمو عليها الرؤية السوريالية… لكنها لا تتضمن أجساد لبشر وكائنات إلا برموز وشتات متبعثرة في الفناء والتأثير، وفي الوقت ذاته لا تخضع إلى الزمكان القديم أو الجديد المعاصر. وإنما برؤية أوسع من تفاصيل معينة. والقصد من ذلك أعمالي تبحث عن أسرار الكون ونهايته المخيفة.

وما يتضمنه من حياة وموت. تلك المقارنة تقودنا مرة أخرى إلى الإشارة بأن أعمال مؤيد محسن ترتبط بزمانها التراثي وأحداثها الحالية المعاصرة أبان الثمانينيات وما تلاها بعد 2003. لذلك نجد إنه يبني عالمه الخاص، ويحلق بعيداً في فضاء يعكس ما بداخله من شعور باطني، كما ذكرنا آنفا. فيها انفعالات وتأثر شديد بسبب تلك المعايشة القاسية، بطريقة ساخرة، وناقمة، تتم تلك الأيصالات لثيماته الفكرية، بأجواء لونية خاصة، تتناسب مع مفهوم العمل ألذي يتضمنه.

صفات وصيغ ومضامين:
لو تطرقنا إلى صيغ الأداء الإنتاجي الاشتغالية لأعماله، لتبين مقدار الوقت الطويل ألذي يستغرق ساعات وأيام وأشهر عديدة، كي يمنح العمل تفاصيل معقدة من فتات الأحجار والأتربة المتناثرة على الأرض بكل تفاصيلها البارزة والغائرة، وإذا كان الرأي بأن البعد الثالث يكمن فقط في النحت المدور، فإن الرسم بأدائه الدقيق يستوقف المتأمل للغوص في أعماق الاستدارة المتكاملة المدورة لبعدها الثالث، عكس الأعمال التجريدة المختصرة الهندسية كما هو عند موندريال وآخرين. لذلك فإن أعماله ليست مرتبطة بالواقع التفصيلي فحسب، وإنما بتفاصيل تكنيكية عليا. .

تتطلب مزيد من الجهود المرتبطة بتفريغ هواجسه الداخلية وأفكاره الهائجة من جراء الأحداث المثيرة. ويتم ذلك ليس في خيال يعلو فوق السطح كم أشرنا له فوق الواقع عند السوريالية، وإنما أعماله تفترق من هذا الجانب نحو مسار الواقعية الحقيقية، ولكن بطريقة تعبيرية تناظر أثر الأحداث لغرض الإنتباه والأنشداد من قبل المشاهد. على سبيل المثال، إنفصال الرؤوس عن الأجساد، وتعانق جسدين بصورة ملفتة للنظر. وغيوم بتركيبة مختلفة في المسار والتحرك واللون.

ينفذ ذلك بإستخدام الألوان الزيتية على الكانفاس، دون الألوان الأخرى ومنها الأكريليك. تتضمن أعماله أبعاداً متنوعة منها تتعلق بالصراعات السلطوية للحصول على كرسي الحكم ألذي يتجسد بالكرسي المنشطر الذي تعلوه بقع من الدماء ومنها ما له صلة بالحياة الإجتماعية، كالحقائب وسكك الحديد. والبعض الآخر يجسد في العمل أثر الرؤساء الأمريكان على تدمير واحتلال العراق على الجوانب الفكرية والبنية الاجتماعية في بعدها الفوقي والتحتي. وكذلك منها يتعلق بالجو البيئي عندما يضع سكة القطار كشفرة تعبيرية بينما تحيط بمركزية العمل استعارات الصورة الفوتغرافية، ومنها ما يتعلق بالهاجس العاطفي، حيث يترك في لوحته إمرأة تقف متأملة على سكة قطار لتشيد بنظرتها مسحة على الوجود،

وعموماً تتسم أعماله بصيغة قياسية خاصة، بأحجام كبيرة أقرب إلى الجداريات، برغم ما تتطلبه من بذل جهود كبيرة في تنفيذ التفاصيل الهارمونية. وفي النتيجة تتوافق المضامين الدرامية لأعماله الحزينة ضمن مستوى المنطق التراجيدي للأحداث مع خلاصة الإثارة الخطابية الجمالية ألفنية للجمهور من خلال تكنيك الأداء المهاري. وهنالك تكرار متشابه لبعض الأعمال في تكويناتها المشخصة، كإستخدام الكرسي في عملين،

سوى تبديل المحيط الفضائي واللوني لهما، أو صياغة البنية التركيبية للموضوع الرئيس. وهنالك أعمال تتضمن أشخاص يقودون عربة فيها تماثيل محطمة ومتكسرة تعود إلى حضارة وادي الرافدين من قبل سراق أو من قبل جهات تتقصد التحطيم لأهم معالم البلد الحضارية.. يقودون هذه العربات عبارة عن إرتداء ملابس دون وجود جسد حقيقي أو رؤوس، بإستثناء الأيدي والأقدام ألتي توحي إلى نفس خامات الملابس. مـؤيـد مـحـسـن من مواليد -1964، حائز على دبلوم رسم من معهد الفنون الجميلة – بغداد 1984، وعلى بكالوريوس فنون تشكيلية من جامعة بابل عام 1999، وماجستير رسم من جامعة بغداد عام 2011.عضو نقابة الفنانين العراقيين.عضو جمعية التشكيليين العراقيين.

المقال السابقلماذا يدعو العبادي للقاء وطني
المقال التالىعمليات الاختطاف .. من يقف وراءها ؟!
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد