طابع الصالة العمراني بين طقوسها وما تفرضه دلالاتها من أساليب تعبير

 

نافذة 02: المسرح والحياة

المسرح يوجب الاتصال الآني بجمهوره، وهو يتحدد بفضاء العرض وقوانينه وأسلوب عمارته.. إنّ تلك العلاقة وتمظهرات تبادلها التأثير تجسد طابع التناظر بين المسرح بكلية منجزه والحياة بشمولية وجودها وتنوع مفرداتها.. أما كيف يتم تبادل الأثر بين الصالة وأداء المسرح وأساليبه، فتلكم إشكاليةٌ تتطلبُ أولا المرور على هوية العمارة ومعانيها ومناهج إشادتها..

فأما فن العمارة فلربما تعددت صور تعريفه وتحديد المفهوم كونه أحد الفنون الهندسيّة القديمة قِدم اشتغال الإنسان على بناء المأوى الذي يلجأ إليه، ولهذا فقد كان هذا الفن متغيراً بتغير الزمن وهوية كل مرحلة تاريخية حيث اجتهد الإنسان في التعبير عن حاجته عبر تطبيق تصميمات هندسية برسم التخطيط الذي يمكن في ضوئه إشادةُ بناءٍ، يتلاءمُ والبيئة مثلما يسد حاجة صاحبه.

ومن الطبيعي أن تختلف طرز العمارة وأشكال المباني باختلاف الأزمنة والأمكنة أو البيئات وما تفترضه من اشتراطات هندسية ملائمة. وسنجد بالخصوص ما استجاب لبواكير الاشتغال البشري عندما اعتمدوا المواد الأولية بتقاسيم هيكلية داخلية في المساكن الطبيعية لينتقل الأمر إلى ما بناه الإنسان الأول وكيف بدا مظهره الخارجي وأي المواد الأولية تمَّ استخدمها.. أما جغرافياً فاختلفت العمارة بين شرق آسيا والشرق الأوسط وغيرهما.. حتى ندخل العصر الحديث لتتبدى مدارس ومذاهب فنية في التصميم والإشادة..

وبتقدم الحضارة البشرية اتجه الإنسان لتغطية أنشطته الثقافية الاجتماعية ومنها بناء المعابد وأيضا الملاعب والمسارح.. فشهدنا الأهرام والزقورة ومختلف المعابد ومعها صالات وميادين المسرح بتنوعاتها..

كانت الفلسفة والمعارف البشرية تتدخل في إيجاد الحلول للمطالب البيئية والرغبات الجمالية للإنسان وحصر الفائدة بمعالجات عمرانية ظلت علامات مشهودة تاريخياً… ما يمكن الإشارة إليه هنا طابع العمارة للصالة المسرحية فهي دوائر عالجت إشكالية الصوت والصورة وإبصارها بأفضل المتاح إغريقياً. فيما كان مبنى المسرح السومري عبارة عن تشكيلات رباعية حيث ممر مستطيل بين جانبي المسرح حيث الحضور وهو ما يصل إلى الركح وجميعها محسوبة الأطوال والارتفاعات بقصد بعينه يخص جمع أطراف العرض وحال الاتصال بينهم…

وكانت تلك المسارح مفتوحة مازالت تجمع بين البناء وطابع عمارتها وهندستها وفنون التشكيل فيها وبين الميادين والساحات ربما بما يعزز اللقاء بين الأداء وفضاء الوجود الإنساني الفسيح؛ أيضا أشير إلى استقاء بعض الأمور بقصد الربط مع المعابد وطقوسها ومع فن المسرح وفضائه بما يضفي تبجيلا يرقى لمستوى النص الأسطوري وجلال اشتغاله.

لابد من التوكيد على أنّ محددات معمار المبنى المسرحي السومري – البابلي لم تكن موجودة في المسرح الأغريقي وربما تشابهت باحة الرقص في المسرحين إلا أن ما يخص السومري ينفتح على غرف وصالات بين ممري الأعمدة حتى يصل إلى الركح ذي المدرجات المحدودة وفتحات أخرى نحو المعبد ونحو تفاصيل أخرى..

يوحي لنا أن المسرح بالتأكيد كان موجودا بوجود المبنى شبه المستقل لكن المرتبط بهياكل بعينها لا توجد إغريقيا منها سوى المذبح والباقي طقسياته معنوية بدلالة الأداء…

الحق أقول: إن العمارة التي صممها الإنسان وبناها على وفق إرادته ومقاصده تعود لتبنيه هو وإبداعه واشتغاله.. ومثلما تشكلت بخطوطه تشتغل تاليا لتعيد تشكيله هو.. فإذا كان ذلك بما يختص بالبيت المسكن؛ فماذا سيكون الأمر عندما يتعلق بالمسرح؟ وكيف نقرأ العمارة المسرحية ومن ثمّ أثرها؟

لقد مرت العمارة المسرحية بمتغيرات جوهرية سواء بسبب طابع الطقوس التي كان يتم ممارستها أم بسبب المتغير العمراني ومعالمه الهندسية وعلاقتها بالجماليات المخصوصة.. لنصل لاحقا إلى مرحلة الصالة المغلقة.. ولا تزعم هذه القراءة السريعة الموجزة بأنها ستقدم وصفا هندسيا فنيا لتلك العمارة بقدر ما تحاول عرض الدلالة عبر الأداء والانعكاسات المعنية حيتها..

ربما كانت إشكالية الإضاءة أول ما ظهر في العمارة وطبعا كانت لها حلولها وتفاعلاتها ولم تكن تلك أفشكالية منفردة وحيدة لكن القضايا تتنوع حيث دفء الصالة وحرارتها كان ذا أثر في خلق الجمهور المسرحي المستقل الذي لا يمكنه العيش بلا مسرح ولهذا يحضر للفرجة المسرحية بمعاناها الإصطلاحي ووظيفتها..

وكلما ارتقى الاهتمام من شعب ودولة بالثقافة وبخطاب الدراما، بحث عن تعبيرات ذلك في اجتهاد إبداعي لعمارته المسرحية.. وبين فخامة دور الأوبرا والمسارح الفارهة وبين ميادين صغيرة كساحة عامة، مقهى، شقة أو دار (الحوش الشرقي) أو قاعات صغيرة أو متوسطة بين التمظهرين هناك معنى متفق عليه بشأن فاعلية الاشتغال..

ومثلما منجز المسرح الوطني وما يماثله عمارة هناك بيت المسرح، مسرح بغداد ومسرح الستين كرسي وما يشابهها وأدوارها جميعا.. لقد حلم العراقيون باستعادة مباني بهندسة يمكنها الجمع بين مسارحهم التاريخية القديمة وطابع الهندسة الحديث وحلموا أيضا بإعادة تلك الصالات المسرحية التي نشأت بفضل وعي العراقيين وكفاحهم وتضافر جهودهم بولادة جمهور مسرحي ضجت به تلك القاعات وسما نجمها وعلا…

لكننا لا نجد سوى أطلال وخرائب مهجورة مثلما مسرح بغداد يئن بغياب رواده مبدعات ومبدعين وجمهور.. فأين ذهب ذياك العالم ولم تمض عليه سوى عمر عاصفة غبارية انجلت لنشهد ظلاما دامسا وتدميرا لكل شيء ومنه المسارح ودور العرض باختلافها… وما النهج الذي يمكننا به استعادة دور العرض تلك ومن ثم استعادة جمهورها وإعادة الروح إليه بعد يباب وتيبس!؟

لعلي أعاود التذكير بأن زيارة مدينة تعني التمتع بعمارتها ومنجزها الهندسي وطابع كينونتها… ولعلي أذكر بأننا إن لم نشهد مسرحا بالمعنى الراهن المعاصر في مرحلة السومريات فإنه كان بواكير أجنّة ومبنى ارتبط بأمور أخرى إلا أنه كان موجودا ليكون أثبت وارسخ بعصرنا الحديث منذ نهايات القرن التاسع عشر.. فأين مسارحنا اليوم؟

في قراءات علم الاجتماع سيكون للثقافة الأفقية ملامح غيرها في الثقافة العمودية بالاستناد إلى وجود العمارات الشاهقة وهندستها أو المنبسطة الأفقية باتساع مدياتها.. وهو ما يذكرنا أيضا بطابع صالاتنا المسرحية وأين تنزوي ولربما تنعزل ببعض حالات بالانعكاس البيّن لعبث النظم وبلطجة قوى التخلف…

كما أحتاج هنا التذكير بدلالات القباب ومعانيها كونها انعكاس لفلسفة هي علامات تصميمية نابعة من الأنفس وأشكال الوعي والهوية الروحية لمجتمع .. وسنجد بالمحصلة ما تكرر وتأكد في الغالب في مباني المسارح وطرزها كان يعود إلى مراحل سومرية موغلة في القدم بينما الدوائر ظلت بنسبة لا أقول متنحية ومثلها القباب بل بتسلسل آخر..

إنني بهذا أؤكد وضع تساؤلات وإيحاءات علها تجد إجابة منها نصل إلى ملامسة إعادة إعمار الروح، إعمار الذات، وإعمار وجودنا…

عندما نبني لن نترك ما نبنيه بل سنمتاح منه زادا ومثلما العمارة بهندستها الفراغية وجمالياتها تعطي ثقافة عمودية أو أفقية وتنعكس بين التجريدي والتركيبي سيكون لمنطق العمارة المسرحية أداة بهية بالخصوص وبالاتجاه المناسب..

بتطلع إلى تفاعلات بهية من المؤكد أن نكمل المشوار معا وسويا سيكون فيه على سبيل المثال تحليل مواد ومحاور غنية مختلفة متنوعة في تبادل الأثر بين الحياة والمسرح وبكلا الاتجاهين.. وبشكل عاجل أطرح بعض ما لم أركز عليه من قبيل لو كانت الخشبة المسرحية تتوسط الجمهور وتمثل دائرة : ألا يمكننا مثلا أن نحصد إبصارا للمسرحيين على الركح وسط فضاء من جمهور يحشد طابعا بصريا مخصوصا مختلفا عما لو كان على ارتفاح الركح ووقوعه أمام كتلة الفرجة؟؟ ألا يمكنن التفكر بطريقة استخدام الإضاءة؟ ألا يمكننا أن نتحكم بتفاصيل أخرى بنيوية؟ لكن لكي ندلف الصالة ألا يمثل مشهد العمارة من خارجها وموقعها وخطابها المعماري، الا يمثل ذلك شيئا؟ هل سيستخدم مسرحيون آخرون جدد فكرة البدء بالعرض من لوحة في أول الطريق مرورا بالعمارة وطابعها وليس انتهاء بالعرض بل حتى عودة المتفرج ومعه رسالة العمل أداة تدفعه للتفاعل مع بنية عمارة المدينة والبيت؟؟؟

أترك تساؤل عنوان هذه المعالجة يولد مجموعات متوالدة من التساؤلات بدل إجابة عنه لا يفيها ما هنا من عجالة..

وشكرا لمزيد تساؤلات وتفاعلات وشكرا للمتابعة

لا تعليقات

اترك رد