الثورة الشعبية في العراق .. الحقيقة و الوهم


 

شهد بلاد الرافدين العديد من الثورات و الانتفاضات الشعبية على مر التأريخ و على إختلاف أنظمة الحكم القائمة ، لكن الحراك الشعبي أخذ يتفجر بشكل كبير قبل ما يقارب المئة عام و خاصة بعد مشاركة العراقيين أبان الحرب العالمية الأولى في الثورة العربية الكبرى بزعامة الشريف حسين ضد السلطنة العثمانية بعد وعود بريطانية بالاستقلال .
شرارة الإحتجاجات الشعبية العراقية في القرن العشرين كانت في ثورة العشرين ضد الإحتلال البريطاني للمطالبة بالحرية و الاستقلال تحت حكم عراقي أو عربي أملا في تحقيق التنمية و النهضة للوطن و المواطن في مختلف مجالات الحياة . الأمر الذي أجبر بريطانيا على تأسيس المملكة العراقية و تتويج فيصل بن الحسين على عرش العراق في محاولة لتهدئة الأوضاع و تحقيق استقرار سياسي يحفظ لها مصالحها في البلاد و يكون قاعدة إنطلاق للنفوذ البريطاني . لكن و رغم ذلك كله إلا أن النظام السياسي في البلاد لم يستقر أبدا فقد أعقب تأسيس المملكة العراقية العديد من الانقلابات العسكرية التي زعزعت النظام السياسي من خلال تشكيلة 55 وزارة خلال فترة الحكم الملكي بسبب عديد الانقلابات العسكرية انطلاقا من انقلاب بكر صدقي في 1936 و حركة رشيد عالي الگيلاني في 1941 مرورا بانقلاب عبد الكريم قاسم 1958 الذي أطاح بالحكم الملكي في العراق و أعلن قيام الجمهورية وصولا إلى انقلاب حزب البعث في 1968 .
و بغض النظر عن ترويج الأنظمة الانقلابية المختلفة لحركاتها العسكرية في طريق الاستحواذ على السلطة على أنها ثورات شعبية إلا أن الحقيقة التي تؤكد أن العراق كغيره من بلاد العرب لم يشهد ثورة شعبية وطنية حقيقية ناجحة في قلب نظام الحكم السياسي لا يمكن إخفائها أو تحريفها و تزييفها .
فالثورة تدرس على أنها ظاهرة اجتماعية تقوم بها فئة أو جماعة ما هدفها التغيير ‘ و لا تشترط سرعة التغيير ‘ وفقا لأيدولوجية هذة الفئة أو الجماعة ، و لا ترتبط بشرعية قانونية ، كما تعبر عن انتقال السلطة من الطبقة الحاكمة إلى طبقة الثوار ، و ما حصل في بلادنا خلال المئة عام الماضية لا يمت للثورة بصلة ، إنما هي سلسلة من الانقلابات العسكرية البحتة تتلخص في قيام أحد العسكريين بالوثوب للسلطة من خلال قلب نظام الحكم ، بغية الاستئثار بالسلطة و الحصول على مكاسب شخصية من كرسي الحكم .
كان لهذه الانقلابات أثار مدمرة على مختلف الأصعدة السياسية و الثقافية و الإجتماعية و الإقتصادية فقد أدت الى نزوح عائلات عراقية حضرية و ريفية عريقة بكاملها أو بمعظمها و من مختلف شرائح المجتمع بقومياته و أديانه خارج العراق ( سكنوا معظمهم الدول الأوربية خاصة إنكلترا و فرنسا لقناعتهم بفقدان الأمن و الأمان و حيثُ كانوا يشكلون العمود الفقري للإقتصاد العراقي و واجهته الحضارية بأعيانه ) ، و هذا الأمر قد أدى الى إختلال التوازن الطبقي و المجتمعي للشارع العراقي و تغيير ديموغرافيته ، حيثُ صعدت طبقة طفيلية مليئة بالعقد وحب ” الأنا ” الى مواقع السلطة نتيجة الإنقلابات العسكرية أو من خلال إنتمائها للأحزاب الثورية الراديكالية .
لقد دفع العراقيون و لا زالوا ثمن قبولهم بالحكم العسكري الذي ازهق الملايين من الأرواح و كلف البلاد موارد عظيمة و دمر البنى التحتية و فشل في التأسيس لدولة المواطنة و تداول السلطة بشكل سلمي و في الحفاظ على شخصية الإنسان العراقي و حريته و كرامته فافقدوا ثقة المواطن بنفسه و وطنه و جيشه من خلال المجازر و الانتهاكات العديدة حتى بات الكثير من المواطنين لا يؤمنون بأي شكل من الأشكال بالقيام بأي تحرك مدني ضد السلطة خوفا من عودة العسكر و الاستبداد .
و رغم ما تعرض له أهل العراق من مآسي و أحزان خلال العقود الأخيرة و ما يمر به الوطن من محن عظيمة بسبب من في اللعبة السياسية بعد نهاية حكم حزب البعث العربي الاشتراكي إلا أنني و بكل يقين لا أرى أي احتمال لأي تحرك شعبي حقيقي و وطني ناجح أو اي تحرك عسكري عراقي بهدف إسقاط النظام العراقي الحالي و التأسيس لنظام وطني قوي يخدم الشعب و الوطن و يرعى مصالحهما بشكل كامل و صحيح . الأسباب وراء ذلك كثيرة و عديدة لعل أهمها
تعدد القوميات و الأديان و الطوائف و الولاءات في صفوف الشعب بشكل لا تشجع اي عسكري على القيام بانقلاب ضد السلطة ، بالإضافة إلى أن القوى الإقليمية و الدولية لن تسمح بأي طريقة بنجاح أي انقلاب عسكري يستهدف اذنابها في العراق .

المقال السابقهذه الدُّنْيا
المقال التالىدعوة إلى السلام …
سجاد طعمه بيرقدار ، كاتب عراقي ، ولد في محافظة ذي قار ، قضاء الرفاعي في العام 1990 م .حاصل على شهادة البكالوريوس في المحاسبة من كلية الادارة و الاقتصاد ، الجامعة المستنصرية . نشرت له العديد من المقالات و الدراسات في السياسة و الاقتصاد في صحف محلية و دولية عديدة .صدر له كتاب " جندي الشمس " عن دار اش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد