شيرين باران تنجو من متاهات العبور


 

تستهويني الأسماء غير المعروفة التي أجد أنها ستنبض في القادمات من الأيام ، تستهويني أعمال لإسم غير معروف تحمل الكثير من مواصفات التحول في علاقاتها و وقائعها .
شيرين باران إسم لن يكون حيادياً في المرجعيات الفنية ، إسم يدرك بأن الطاقة النائمة في ثنيات السهول و الواحات ، و على مشارف الترحال القسري ستستيقظ بغزارة الروح و معها ستتدفق ينابيع الرؤيا العاشقة لتصوغ الأرض قوس قزح تعلقه بالسماء خيمة للآلهة .

شيرين باران تدخل الفضاء التشكيلي على رؤوس أصابعها ، دون ضجيج ، أو تكون قد تسللت من مشكاة ما ، لسماء ما ، في مدينة ما ، لتبدأ برحلتها التي ستخضع أساساً لكيفية الخروج عن القطيع ، دون اللجوء لأية صخرة قد تفكر بالوقوف عليها ، فهي سترسم نفسها بين جملتين ( البداية و اللانهاية ) و تؤطرهما هكذا بين هلالين ، و بينهما غسق من العلامات الدالة على طبيعة التشخيص الزمكاني وفق إنفعالاتها الخاصة في إطارها الطبيعي ، و ترتب لذاتها تنقلات ألسنة مروياتها بما تدفع في وجهة أمواجها و هي تنجو من متاهات العبور ، سنقطف صداها لاحقاً بعد أن تقف على التخوم تنتظر بلاداً ما ، فالأبواب هرمة و إنعاش الموتى خطوة لنبض الحياة .

إن المتأمل في أعمال باران و الغوص فيها سيدرك بأنه أمام عالم يضج حباً و حنيناً و إنتظاراً ، عالم يرفض أن يساق إلى المقصلة ، فيه كل مؤهلات النبض و الرقص و الشروع برحلة منطقها الضوء المستباح ، و الدعوة للعيش دون خجل ، ثم تعلن بحثها بمفاهيم تتوالد دلالات خفية ، تحركها عبر رقعة فضاءاتها بترحال عذب هي ميزة أعمالها و حريتها ، و عليه فباران تنبثق كصوت سرمدي تقتحم الدوائر القائمة على إنخراط الرؤيا بالرؤية و كأنها تخبرنا بضرورة إختلاط الحسرات و ما تذهب إليه ، فالمقولة الأهم هنا رهانها الذي يكمن في قدرتها على التجدد و على خلق متلق قادر أن يتفاعل معها أعني مع أعمالها ،

فهي لا تتقيد بقواعد اللعبة و لا بأنساق محددة ، بل تستطرد في خطابها و تركز على التوزيع الكثيف لمفرداتها على مساحات تكاد تنطق بتلك التحولات المنكفئة على نفسها ربما تهرباً من تقاليد الواقعية و قيودها أو من مصادر الإلهام حين توظف كعلامات للحوار بين البحث عن المغامرة الشكلية و بين التجريب في نرجسيته الثقيلة ، أو من التلويح بالدلالات في صورتها المنعشة للمخيال ، دون أية حشرجة في صوتها ،

بل ثمة رؤية تستمدها شيرين باران من تحطيم ذاك الحد الفاصل بين من يفر من اللوحة ليرتمي كحجرة في بحيرة المتلقي ، و بين من ينبض بالدوائر داخل اللوحة ، أي أنها و بإقرار صريح تعلن بعدمية اللوحة دون تحطيم ذاك الحد بين الداخل في اللوحة و الخارج منها ، أو بلغة أخرى فدون هذا التحطيم قد نكون أمام ما تسمى جنازة اللوحة ، أي أن اللوحة تسير إلى حتفها ككائن يبدأ بفقدان روحه ،

أو على الخالق أن يعود لينفخ فيه روحه ، و الخالق هنا هو الفنان عليه أن يسرع بنفخ الروح في اللوحة ، و بعثها من جديد ، و ما تحطيم ذلك الحد إلا إحدى الطرق في البعث و الإحياء ، و بهذه الطريقة شبه العفوية تصب شيرين ألوانها على القماشة مستعينة بخطوط ممددة في الجهات كلها ، ربما وجدت في ذلك ما يغري بحثها ، أو ما يعبر عن ذاتية إحساساتها الملموسة ، أو كشكل ما لإيقاظ لاوعيها حيث المصدر الأهم لمنتجها ، فهي لا تسعى لعزل أي مفردة جميلة من مفرداتها ، بل تجعلها تتناغم فيما بينها لتبدو وقعها على مشهدها البصري مترابطاً مع وقعها على حركيّة إنفعاليتها ، و هذا ما سيعكس مفاهيمها الجمالية متأثرة بمقاييس مألوفة و بالتالي سيظهر مشهدها البصري بخطوط و ألوان و ما توحي به أقرب إلى أعمال تخلو من التعقيد و الفانتازية .

لا تعليقات

اترك رد