تفاهم أمريكي روسي لإبعاد إيران وحزب الله من جنوب سوريا

 

هناك سؤال يطرحه المحللون هل تخلت أمريكا عن مناطق خفض التصعيد في الجنوب السوري بينها وبين روسيا والأردن من أجل فقط إخراج إيران وحزب الله؟، وبالتأكيد هناك موافقة ضمنية على تلك الخطوة، ليس فقط إسرائيل الوحيدة التي ترفض التعايش مع إيران في المنطقة ومن قبلها العرب وعلى رأسهم السعودية وبشكل خاص الأردن.

هناك سياسة أمريكية جديدة فيما يخص التعاطي مع سوريا خصوصا في ظل التقارب مع روسيا والتوصل إلى اتفاق على عقد قمة بين بوتين وترمب في دولة ثالثة أتت بعد زيارة بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي لموسكو، وهو اتفاق ظلت روسيا تترقبه منذ فترة طويلة لكنها لم تحصل عليه، لكن بعد زيارة بولتون لموسكو قال بوتين لبولتون إن مجيئك إلى موسكو يعطينا الأمل بأنه يمكننا القيام بما قد يكون الخطوة الأولى نحو إعادة العلاقات الكاملة بين بلدينا.

تشهد العلاقات الأميركية الروسية منذ سنوات خلافات بسبب النزاع في سوريا وضم موسكو لشبه جزيرة القرم وتدخلها في شرق أوكرانيا، ومؤخرا توترات بين البلدين بسبب تحقيق تدخل روسيا في انتخابات الرئاسة الأميركية في 2016، وتورطها في تسميم الجاسوس الروسي سيرغي سكريبال في بريطانيا في مارس 2018، وتم تعليق عضوية روسيا في مجموعة الدول الصناعية السبع بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، وجرى آخر لقاء مقتضب بين بوتين وترمب في نوفمبر 2017 في فيتنام.

من غير المرجح أن يقدم بوتين تنازلات كبيرة في الأزمة الأوكرانية أو غيرها من القضايا الحساسة، بل نجد موسكو تعزز قدراتها الصاروخية في سوريا، وفي المقابل تلقت موسكو ودمشق في منظمة حظر الأسلحة الكيمائية نكسة بعد تصويت الدول الأعضاء بغالبية الثلثين على منح المنظمة صلاحية تحديد المسؤولين عن تنفيذ هجمات كيماوية بعد أسبوعين من المواجهة الدبلوماسية بين بريطانيا من جهة وروسيا وسوريا وإيران الرافضة للمقترح البريطاني من جهة ثانية، وهي ما تمثل العصا الغليظة التي تواجه النظام السوري الذي تدعمه روسيا، من أجل تقديم روسيا تنازلا لأمريكا يتعلق بشكل خاص بإخراج إيران وحزب الله من سوريا.

خصوصا وأنه يجوز للمنظمة أن تعتمد أحكاما لتحديد هوية مرتكبي الهجمات بالأسلحة الكيمائية بغازي السارين والكلور في السابع من أبريل 2018 على مدينة دوما في

الغوطة الشرقية قرب دمشق أدى وفق مسعفين إلى مقتل 40 شخصا، وبذلك فقد استخدم النظام السوري استخدام غاز الكلور أو السارين أربع مرات.

بادرت بريطانيا بعد بالدعوة إلى عقد الاجتماع الاستثنائي بعد أسابيع على تسميم العميل الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في سالزبري جنوب غرب بريطانيا بغاز الأعصاب واتهمت لندن موسكو بالوقوف وراء الاعتداء الكيمائي وهو الأول منذ عقود.

لكن لم يعرف أحد عن الصفقة الأمريكية الروسية في جنوب سوريا مقابل إخراج إيران وحزب الله، فهل تعني تصفية المعارضة السورية أم ماذا؟، وسبق لبوتين أن أنقذ النظام السوري في عام 2013 عندما استخدم السلاح الكيمائي وأقنع أوباما بنزع سوريا من السلاح الكيميائي، لكن ترمب وجه ضربتين إلى النظام السوري اثر لجوئه مجددا إلى السلاح الكيميائي، مما أعطى بوتين بأن ترمب مختلف تماما عن أوباما رغم ذلك لم تتجه أمريكا نحو إضعاف النظام السوري، لكن ذلك لم يمنعها نحو بعد استراتيجي تمثل في السيطرة على سوريا المفيدة أي على شرق الفرات حيث الثروات والموقع الاستراتيجي الذي يتحكم بالطريق الواصل بين بغداد ودمشق والذي تمح إليه إيران.

فبدلا من استمرار إسرائيل في ضرب المليشيات الإيرانية في سوريا مما يجرها إلى حرب مباشرة بينها وبين إيران التي تود الهروب من أزمات داخلية فضلت الاستراتيجية الأميركية أن تتولى روسيا إخراج إيران وحزب الله من سوريا حتى ولو كان ذلك على حساب تصفية المعارضة من أجل تعزيز هيمنة النظام السوري الذي تسعى نحوه روسيا، ومستقبلا تكون قد حققت الولايات المتحدة التوجه نحو الحل السياسي خصوصا وأن النظام السوري بعد إخراج المليشيات الإيرانية وحزب الله ستكون أضعف لأنه تعتمد على الغطاء الجوي الروسي وعلى دعم المليشيات الإيرانية وحزب الله، وستقبل الحكومة بالحل السياسي.

تستثمر أمريكا إيران إمبراطورية الأمعاء الخاوية خصوصا وبعد 40 عاما، النظام الإيراني يفقد دعم أقوى ركائزه الاقتصادية، بعد إغلاق تجار البازار أبواب محالهم في وجه المتسوقين بعدما خسرت العملة الإيرانية 50 في المائة من قيمتها في 6 أشهر، وبدأت احتجاجات على سعر الصرف المرتفع وعرقلة البضائع في الجمارك والافتقار إلى معايير واضحة للتخليص، وبدأ المتظاهرون إلى الهتاف ضد النظام بقولهم أدعمونا أيها الإيرانيون اخرجوا من سوريا وفكروا في حالنا.

بعد احتجاجات تجاوزت التردي الاقتصادي إلى انتقاد سياسة نظام الملالي الخارجية، بعد مخاوف من فقدان السيطرة على معدلات التضخم، والقطاع المالي المهدد بانسحاب المصارف الأجنبية، بعد سياسات النهب الحكومية التي ترافقت مع فساد مستشر وإفقار يصل لحد المجاعة، وارتفاع التعاملات التجارية بالدولار يزيد من خنق الاقتصاد الإيراني ويتجاوز قدرته على المواجهة، يتزامن مع مطالب الولايات المتحدة العالم بوقف استيراد النفط الإيراني بحلول 4 نوفمبر 2018، وتريد الولايات المتحدة من الدول الأوربية المترددة مثل ألمانيا بأن تشاركها في وضع العقوبات لإطباق الكماشة على رقبة النظام الإيراني، وهي تطالب شركائها في الاتحاد الأوربي أن يستيقظوا من حلم الصفقات التجارية والاستثمارية الضخمة مع إيران.

محافظة درعا تندرج ضمن مناطق خفض التوتر التي توصلت إليها تركيا وإيران وروسيا في مايو 2017 في إطار مباحثات استنانا حول سوريا، غير أن اتفاق روسيا أميركا جرد درعا من هذه الصفقة خفض التوتر بعد شهرين فقط من الاتفاقية الثلاثية أعقبها قطع الولايات المتحدة مساعداتها للمعارضة.

في وقت قامت قوات التحالف استهداف قوة من الحشد الشعبي داخل الأراضي السورية قرب البوكمال الحدودية من أجل منع أي دعم من مليشيات عراقية للنظام السوري نتج عنه قتل 22 من عناصر الحشد، يتزامن مع قصف صاروخي إسرائيلي استهدف مستودعات أسلحة لحزب الله قرب مطار دمشق.

سباق محموم على الجنوب السوري بين التصعيد العسكري من جهة وترتيبات دولية-إقليمية من جهة ثانية، لكن الاتصالات الدبلوماسية لا تزال قائمة على أمل الوصول إلى ترتيبات بناء على الاتفاق الأميركي الروسي الأردني، بعدما نصحت أميركا المعارضة بضبط النفس، بعدما أطلق النظام معركة درعا والطائرات الحربية تنفذ مئات الغارات، وحركة نزوح واسعة تجاه الحدود الأردنية.

الروس يتبعون ذات السيناريو الذي استخدموه من قبل في الغوطة بتقسيم مناطق سيطرة المعارضة بهدف تشتيت الدفاع عنها ما يسهل بالنهاية السيطرة عليها، قد تواجه روسيا وضعا مختلفا في الجنوب السوري عن الغوطة، وقد يكون حدث مقابل السماح لهيمنة النظام على الجنوب مقابل تنازل النظام السوري عن السيادة للجولان لإسرائيل.

التقاء ترمب ببوتين بعد قمة حلف شمال الأطلسي ( ناتو ) في بروكسل يومي 11و12 /7 / 2018 ويتوقع أن تبارك القمة إعطاء أولوية لتشكيل لجنة من الحكومة

والمعارضة والمجتمع المدني وإصلاحات دستوري في سوريا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في العام 2021 ودعم جهود المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا في جنيف للجسر بين ضامني عملية استانة والنواة الصلبة التي تضم أمريكا وبريطانيا وفرنسا والسعودية والأردن وألمانيا لتشكيل اللجنة وصولا لإصلاح الدستور والتمهيد للانتخابات.

ويعني توافق روسيا وأميركا عمليا قبول الرئيس بشار الأسد حاليا كأمر واقع مع استمرار رفض إعطائه الشرعية بل استمرار التصريحات الرافضة لذلك، كما حصل في 27/6/2018 لدى قول وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو أن لا سلام مع الأسد ووجود إيران في سوريا، لكن معظم دول الاتحاد الأوربي غير مرتاحين لهذه التفاهمات ومعظمها سيبقى يرفض شرعية الأمر الواقع وسيبقى رافضا المساهمة في اعمار سوريا ما لم يحصل انتقال سياسي فيها، كما أن دولا تشكك عمليا في قدرة روسيا أو رغبتها في إضعاف إيران.

في المقابل أكدت السعودية أمام مجلس حقوق الإنسان أن الأزمة السورية دخلت منحنى خطرا غير مسبوق في تاريخ البشرية، ولا يزال النظام السوري وحلفاءه مستمرون في مواصلة عملياتهم العسكرية والحصار وتهجيرهم القسري للمدنيين الأبرياء من المدن والقرى ضاربين بكل هذه القرارات والنداءات عرض الحائط، وأن موقف السعودية الثابت تجاه الأزمة السورية وأنه يجب حلها سياسيا وفق مبادئ إعلان جنيف1 وقرار مجلس الأمن الدولي 2254.

هناك تخوف عبر عنه النائب الإيراني بهروز بنيادي مندوب مدينة كاشمر في البرلمان الإيراني مؤكدا أن البلدين يضحيان بإيران، وقال بهروز في الجلسة العلنية لمجلس الشورى الإيراني قائلا اليوم نرى الأسد يزيد من تناغمه مع بوتين بكل وقاحة، ولا يقلل فقط من أهمية وجود شهداء المراقد في سوريا فحسب، بل ينكر ذلك في بعض الأحيان، فمتى يحين الطلاق الروسي السوري الإيراني الذي تلعب على وتره الولايات المتحدة فهل تنجح في ذلك رغم أن التقارب بين ترمب وبوتين زاد من حدة الشقاق بين أمريكا وأوربا.

لا تعليقات

اترك رد