عراقيو برج السرطان


 

في زمن مضى لم يكن تاريخ ميلاد العراقيّ يعني له و لا لغيره شيئاً بيومه و شهره و أحياناً بسنته أيضاً ، إذا كان عمره كله لا يعني شيئاً في واقع الظلم و الجوع و الخوف فما همّ أن تكون ولادته في هذا اليوم أو ذاك ؟

و يبدو أن الإحصاءات السكانية التي سبقت إحصاء 1957 أقرت تلك الحقيقة فلم تهتم بتثبيت تاريخ الميلاد بدقة ، ربما أيضاً لأن الولادات كانت تحدث في البيوت فلا تبلغ العوائل عن ولاداتها الجديدة و لاعن الوفيات أيضاً فلا أحد يعرف متى ولدوا و متى ماتوا لكن في الثاني من تشرين الأول عام 1957 أُجري إحصاء للسكان بإشراف خبراء من الامم المتحدة كان أكثر تطوراً من الإحصاءات السابقة ، في ذلك الإحصاء صار لزاماً أن يدون تاريخ الميلاد باليوم و الشهر و السنة لأغراض التسجيل في المدارس و لحصر المواليد المشمولين بالخدمة العسكرية و غير ذلك و قد استند الإحصاء لرواية ولي الأمر إن لم تكن لديه وثيقة تثبت تاريخ ولادة أبنائه و إلا فإن مواليدهم تسجل في تاريخ إتُفق أن يكون الأول من تموز و هكذا أصبح تاريخ ميلاد نصف العراقيين في هذا اليوم و تبعاً لذلك أصبح برجهم السرطان ! الأخبار المتواترة من ذلك الزمان تقول أن البروفيسور المصري محمد رياض الشنواني أحد خبراء الأمم المتحدة المشرفة على الاحصاء هو من اقترح هذا التاريخ ليكون ” يوما وطنياً ” للإحتفال بعيد ميلاد نصف العراقيين لتوسطه أشهر السنة وبذلك يكون أبعد توقع لتاريخ الميلاد ستة أشهر تسبق أو تعقب الأول من تموز .

و لاعتياد العراقيين على المفردات الكئيبة النابعة من واقعهم المر ، أو للسخرية من هذا الواقع أطلقوا على يوم الإحصاء تسمية يوم ” الإنحصار” ، ربما أيضاً لأنهم أجبروا على ملازمة بيوتهم فينحصروا فيها ريثما يتم إحصاؤهم و هو أمر لا يطيقه العراقيون أبداً ، العراقي إن لم يجد ما يفعله فعلى الأقل يُخرج خرطوم الماء ليرش باب داره ، أما أن تجبره على الجلوس في البيت فهذا هو المستحيل بعينه ، و أستطيع تخيل ذلك اليوم الصعب و كيف مر على آبائنا و هم يذرعون حديقة المنزل جيئة و ذهاباً لمن كانت لديه حديقة أو يلجأون الى سطوح المنازل للثرثرة مع جيرانهم من فوق التيغة ( ستارة السطح ) أو للفرجة على الأزقة الخالية من المارة و هو منظر تندر رؤيته أو لمراقبة فرق الإحصاء و هي تنتقل من بيت لبيت . إذا انقضت هذه المشاوير قبل انقضاء النهار و إطلاق سراحهم إلى المقاهي فسيكملون ما تبقى منه بالتدخل في شؤون المطبخ و التنظيف لافتعال الشجار مع ست الحبايب .

ذكّرني الفيسبوك أول أمس ، الأول من تموز بأن نصف أصدقائي من مواليد ذلك اليوم ، تعذر علي تهنئتهم فرادى لكثرتهم أمد الله بأعمارهم فكتبت لهم تهنئة جماعية مع الإعتذار طبعاً ، لكن هل هناك طريقة لمعرفة شهر ميلادهم الحقيقي على الأقل إن لم نتمكن من معرفة اليوم ، هل هم حقاً من مواليد 01/07 أو قريباً منه أم لا ؟ ربما تساعدنا توقعات الأبراج على ذلك فعلى قدر ما تتطابق صفات برج السرطان الذي يقع فيه الأول من تموز مع صفاتهم نكون قد تيقنّا من صحة تاريخ ميلادهم !

و بما أني لست مولعاً بتوقعات الأبراج فقد اقتبست لهم من أحد مواقعها قوله أن مواليد 01/07 مزاجهم متقلب وطبعهم حاد تغلب عليه الرقة والمزاجية ، عواطفهم مشتعلة و خيالهم واسع وهم رومانسيون جدّاً وإرادتهم في الحياة صلبة وقوية ، شخصية رجالهم مليئة بالتناقضات يضحكون ويعبسون ويصرخون ويبتسمون في آن واحد ، خيالهم واسع جداً يجعلهم يسافرون في أحلامهم بعيداً عن الواقع ، ذاكرتهم يقظة ويدقّقون في كل التفاصيل ، وصوتهم مرتفع و يهوون الإلقاء والتمثيل والتقليد ، لا يتقبلون النصائح التي يمليها عليهم الآخرون ، رجل السرطان لا يستجيب للآراء المعارضة ، لسانه سليط جداً وانتقاداته لاذعة للآخرين وقد تكون جارحةً أحياناً ، معطاء ويحبّ مساعدة الآخرين لكن مزاجيته مؤذية بعض الأحيان ، ” بيتوتي جداً ” و يحبّ الجلوس في البيت على أن يخرج إلى الأسواق والمتنزّهات .

و باستثناء فقرة ” بيوتي جداً ” التي لا تنطبق على العراقيين بكل أبراجهم فالصفات الجامعة للعراقيين المولودين بين 01/01 و 31/12متوفرة كلها هنا في برج السرطان ، صوتهم مرتفع و يضحكون ويعبسون ويصرخون ويبتسمون في آن واحد ، لا يتقبلون النصائح و يسافرون في أحلامهم بعيداً عن الواقع ! لذلك يخامرني شك بأن تحديد هذا التاريخ لا علاقة له بتوسط أشهر السنة بقدر علاقته ببرج السرطان لانطباق صفاته مع صفات العراقيين جميعاً !

عراقيو ذلك الزمان أهملوا تواريخ ميلادهم لأن أيامهم في الغم كانت متشابهة فإذا اضطروا لذِكر أو تذكر متى ولد أبناؤهم يقرنون ذلك بأقرب فاجعة أو مصيبة حلت بهم لندرة ما يمر بهم من أحداث سعيدة ، فهذه رزقت بمولودها في سنة القحط و تلك قبل دكَة رشيد عالي بسنتين و أخرى بعد الفيضان بشهر أو في سنة اجتياح الجراد قريتهم .

قد يعيد التاريخ نفسه و يهمل العراقيون أيام ميلادهم التي لم يعودوا بحاجة لها . سيمر يوم على العراق يذكرون به مواليدهم بفواجعنا المعاصرة ، فهذا ولد بعد دكَة داعش بشهرين و ذاك في سنة حرق الصناديق و آخر قبل تفجير الكرادة الخامس بأيام .

هل قلت أنه لا يتقبل النصائح التي يمليها عليه الآخرون ؟

لا تعليقات

اترك رد