بلاغ ضد المفكر خالد منتصر


 

من مفارقات القدر أن البلاغ المقدم ضد المفكر خالد منتصرمن جمهورية مصر العربية باتهامه بازدراء الدين الإسلامي قد سبقه بأيام الحكم الصادر ضدي شخصيا بالسجن لمدة شهرين بنفس التهمة تماما في الكويت. ومن سخرية القدر أن تتشابه القوانين العربية، بل وتتحد تماما في حبس وظلم وتجريم حرية الرأي والتعبير ومعاقبة كل من يحاول أو يسعى لاقتحام المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي قديمه وجديده.

وبمثل هذه الأحكام تدخل مجتمعاتنا العربية في نفق مظلم تكرر تاريخيا مع قتل الشعراء ونفي الفلاسفة وحرق كتب المفكرين وتكبيل حرية الرأي والتعبير ضمن قوانين وضعتها وصاغتها الحكومات العربية لمراقبة المغردين والكتاب ومحاسبتهم جنائيا ضد أي محاولة لتنوير وتثقيف الشعوب العربية أو حتى لمنع محاولاتهم الإصلاحية للدين الإسلامي، وقد سبق وأن أصدر القضاء العربي أحكاما قاسية على العديد من الكتاب والمغردين حتى أصبحت السجون العربية مزدحمة بأصحاب الرأي أكثر من الفاسدين وسراق المال العام، وحتى أصبحت طلبات اللجوء والهجرة خارج الأوطان العربية تنافس أرقام انتخابات الحكام العرب وديمقراطياتهم الشكلية.

إن ما يمثله المفكر خالد منتصر من أفكار وقيم هو الروح الواثبة والعزيمة العقلية التي تأبى أن ترضخ للسكون والجمود والإنغلاق، فما يقدمه من مقالات ومقابلات وتغريدات عبارة عن شعلات فكرية ومحاولات تثقيفية ترنو الي إلقاء الضوء على مسببات تراجعنا وتخلفنا وانحطاطنا في مختلف المجالات، ويحاول أن يستنهض بقيتنا لإدراك الظريق الصحيح والمستقبل الواعي. ورغم خطورة ووعورة هذا الدرب وهذا المسير إلا أن الكلمة الحرة والمثقف العضوي كما يقول المفكر غرامشي يستشعر الواقع ويمارس النقد ويلتحم مع المجتمع. وأمام هذا السيل التنويري العام في مجتمعاتنا العربية، وأمام رغبات الشعوب العربية في التخلص من نير الإستبداد السياسي والهيمنة الدينية التى يمثلها رجال الدين والفقهاء، أصبحت مهمة المثقف اليوم صعبة ومحفوفة بالمخاطر نظرا لما يمثله النقد الديني من معضلة حقيقية لم يتجاوزها العقل العربي ولم يتنازل عن كبريائه ونرجسيته أمام مطارق

الحداثة والتفكير النقدي. فكل كلمة ومقال وفلسفة تتناول الإسلام تعتبر بمثابة طعن وكفر وزندقة كما صورها فقهاء السلطان ودراويش التكيات والمذاهب المختلفة. فالنقد والتساؤل والشك فيما يتعلمه ويعتنقه الفرد من أديان وأفكار، طرق لم يألفها العقل العربي في الحوار والنقاش، ولم يتعلمها تاريخيا في المدارس والمساجد والجامعات بقدر ما يتلقى العقل العربي تعليمه من خلال التلقين والاجابات الجاهزة الموروثة وعبادة الرموز والأشخاص وتقديس مفاهيم النقل والطاعة والخضوع.

وما وصلنا الي هذه الحالة المزرية من قمع وكبت حرية الرأي والتعبير الا لأننا محكومون منذ قرون طويلة بعلاقات انتاج مهيمنة وقوية ومحاطة بالمقدس والتقاليد، ولم يتم اختراق هذا الجدار لمدة طويلة حتى اصبح قويا له حماته وجنوده وحراسه ممن يتقاضون رواتب عالية ويملؤون مناصب الدولة بالوظائف الوزارية والقيادية..بالاضافة الي سيطرة النمط الاقتصادي الريعي فكما هو معلوم ان غالبية الشعوب تعمل لدى الحكومات بدون اي استقلال اقتصادي مما يجعلنا تابعين بصورة او بأخرى الي نمط الحكم والحكومة..فمكاسبنا حكومية وعلاجنا حكومي وتعليمنا حكومي وحتى موتنا تتكفل به الدولة وهو ما خلق تابعية ضعيفة وهيمنة سلطوية، بينما في الدول العلمانية والليبرالية ترتكز الدولة والمجتمع على النمط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الحر الذي يقوم على العمل والانتاج والتفكير ليفرض الفرد شروطه ومتطلباته على الحكومة التى تقوم بدورها على تنفيذ متطلبات الشعب ضمن قانون مدني يفرض واقع الشعب ووعي المرحلة وتطور العمل والعلوم والفنون… فأين نحن في مجتمعاتنا العربية من هذا النمط من العمل والانتاج ونحن لم نصل الي ربع مستوى الدول المتقدمة فمازلنا عالة على انفسنا وعلى حكوماتنا وعلى العالم الغربي… وبالتالي اصبحت علاقاتنا مع العادات والتقاليد والدين هي المسيطرة لكونها علاقات لم تتطور سياسيا واجتماعيا ولم تتعرض للاصلاح والتجديد والتغيير فبقينا اسرى الماضي والموروثات والحكم القبلي الديني الوراثي.. فعملية التحول العلماني عملية لا تتعلق بتطبيق آليات او تنفيذ لبعض القوانين بل هي ثقافة وتعليم وتربية وتعايش يصنعون مع الوقت مجتمعات متحضرة وشعوب واعية لتقوم هي بدورها التاريخي في صنع حاضرها وتأمين مستقبلها.

إن التحولات الكبرى تستلزم منا التضحية والنضال والكفاح، وإن مواجهة قوانين ازدراء الإسلام من المحيط الي الخليج تستلزم منا التنظيم والتأسيس والتفكير. وحتى لا تتكرر مثل هذه البلاغات العدائية، وحتى تقف المؤسسات الدينية عند حدود الايمانيات الفردية، وحتى يتوقف رجال الدين والفقهاء من ظلم وتهديد الآخر المختلف.. فنحن بحاجة أولا الي مشروع تنويري يتم فيه وضع أسس تاريخية تقوم على:

* مناهج حديثة علمانية.

* الدستور العلماني للدول الاسلامية.

* اعلام فضائي يدعو الي التنوير.

* علاقات دولية مع مؤسسات حقوق الانسان والحريات.

* لوبيات ضغط سياسية واجتماعية.

* انشاء مراكز التنوير.

* الشجاعة في الطرح والايمان بمبادئ العلمانية.

وغير ذلك الحل لن يكون مجديا أي محاولة لتجميل القبيح او ترقيع الموجود، والأسوأ، سوف يجعلنا الواقع الحالي نعاني أكثر حتى نندثر بفعل الحروب الأهلية أو عوامل الطبيعة او صراع الأقوياء.

لا تعليقات

اترك رد