حـكايـة ثـور عراقي

 
الصذى - حـكايـة ثـور عراقي
لوحة للفنان محمد زيدان

يقول الراوي ناطق ابن حيوان، كنا قطيعا من البقر والثيران، يملكنا المدعو جلف ابن عفتان، عين علينا كلبا مجربا، محنكا مدربا، على الرعي والحراسة، كأنه اكتسب المهارة بالممارسة والدراسة، كان يقودنا فجرا الى المراعي، ويعيدنا مساء افضل من الراعي الساعي، لكنه كبقية الكلاب، كان يمنع من دخول البيوت لأسباب، منها الخوف على الاوعية والفرش والثياب، من التنجيس والقذارة، وبطلان الطهارة، وقضيته عويصة شائكة، اذا وجد في بيت هربت منه الملائكة، حتى لو كان جروا صغيرا، مغسولا باكثر المطهرات تاثيرا، نعم به يصطاد ويحفظ الزرع والماشية، ويحرس الاهل والحاشية، وانه المثال في الاخلاص والوفاء، عند الفلاسفة والحكماء، الا ان الحكم الصادر بنجاسته كاف واف، غير قابل للاستئناف، لكنه بالنسبة لنا هو الوالي، كالصدر الاعظم في الباب العالي، ونحن لامره صاغرون، وحسب توجيهاته سائرون، ويكنى عندنا بالاستاذ كليب، واحيانا بالحجي جليب، لنعد الى حكايتنا، وتفاصيل روايتنا، اقول نحن بنو ثور المساكين، نعلم علم اليقين، وندرك بالعقل والعين، اننا نربى للحرث او النقل او لدر الالبان، وعند الحاجة نقدم للانسان، كذبيح او قربان، لحومنا كطعام، وجلودنا كحقائب واحذية للاقدام، وقد تعودنا ان نرى احدنا مذبوحا، ودمه مسفوحا، وجلده مسلوخا، ولحمه مطبوخا، ولا يحرك هذا المنظر عندنا اي احساس، وكأن الموضوع ليس له بنا مساس، راضون بالقسمة والنصيب، منتظرون دورنا من غير ترتيب، لا نأجر ولا نخور، لا نعترض ولا نثور، نرفع راية التسليم والخضوع، والذل والخنوع، فقد توارثنا هذه العادة، واقصد فقدان العزيمة والارادة، وقيادة انفسنا والسيادة ، منذ عقود وعصور، واجيال ودهور، بالرغم من امتلاكنا كل هذه القرون الحادة الطويلة، كالرماح الاسيلة، والاجسام الضخمة القوية، وركلات الحوافر الفنية، انه شييء يحير الالباب، ويثير الاستغراب، لذلك كنت دائم التفكير، عاجز عن الشرح والتفسير، فجلست يوما مع نفسي، وقررت ان اجرب بأسي، واتخذت القرار، بوجوب الفرار، هربا من سوء حالتي، وبحثا عن ضالتي، وفي احد الايام، بعد ان تعب الكلب ونام، تسللت بهدوء من القطيع، ونزلت بشكل سريع، في وادٍ عميق، واتخذت الطريق، بلا صاحب او رفيق، وسرت بين المخاطر والمتاعب، حتى وصلت الى بلد الارانب، وانا احمل همي، لاولاد عمي، وهناك وجدت الحال، نفس الحال، لكني رأيت بعض ابناء العمومة، من نسل الثور ابن نعومة،ان ما يثيرهم اكثر، هو اللون الاحمر، وتهيجهم غرز الرمح والحربة ، في الظهر والرقبة، وبينهم وبين الانسان مصارعة ومناطحة، ومغالبة في المطارحة، وينزل الثور وحيدا في الميدان، وينزل الانسان ومعه ثلة من الفرسان، والثور يعلم بأن الموت له المصير، وانه لحتفه في كل الاحوال يسير، ان انتصر او اندحر، او ان فاز او خسر، لكنه لا يستسلم بل يقاوم منذ البداية، حتى يقع صريعا في النهاية، ثم ياتي الجزار، وينهي المشوار، المثير للانتباه، بلا شك او اشتباه، هو الاثارة بخرقة حمراء، والتهيج بضربة نجلاء، ونحن لا تثيرنا انهار الدماء، ولا الاجسام الاشلاء، ولا تهيجنا ذبح الاباء والابناء، لأننا سكتنا عن الظلم الذي شاع، بلا ميع او ماع، فتخلت فحولتنا عن الرجولة، وخلت مواقفنا من البطولة، واذا عرف السبب، بطل العجب، اقول: الهمني الثور الباسل المقدام، وحذوت حذوه في المقاومة والاقدام، فسرت على منواله، وفعلت على مثاله، فخرجت من صمتي، وناديت باعلى صوتي، انا المتحدي للابطال، في القادم من النزال، وجاء اليوم المشهود، وانا مستعد للموعود، واذا امامي مصارع مغرور يزهو، يبتعد عني بحذر ويدنو، اسمه الماتادور، كانه الامبراطور، بملابس زاهية مزركشة ، لكل الالوان مقرمشة، ويشير بخرقة حمراء، ويهدد بطعنة نجلاء، والجماهير تصرخ على الفور: الموت للثور، الموت للثور، وانا في قمة هيجاني وثورتي، بعد ان تذكرت دماء ابناء جلدتي، وكان يظن بأني اقتنع بحركاته الجوفاء، واهجم على خرقته الحمراء، الا اني نطحته بقروني ورميته ارضا، وبقوائمي رضضته رضا، ثم ركلته فبطحته بطحا، وسطحته سطحا، ثم جعلته تحت حوافري فهشمت عظامه، وغيرت شكله وقوامه، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة، فقد هجمت علي الجماعة، من كل صوب وحدب، وانهالوا علي بالضرب، فكثرت جراحاتي، وشلت عضلاتي، وضاقت مساحاتي، ووهنت قوتي، وقلت حيلتي، وضعفت همتي، وو قعت صريعا بين الحياة والموت، لا امل لي في مهرب او فوت، فربطوني بأغلظ الحبال، وسحلوني بأربعة بغال، الى مجزرة في طرف الجادة، حيث الجزارون والسكاكين الحادة، وفي اللحظات الحرجة المثيرة، رفست رفسة الموت الاخيرة، واذا بي واقع من سريري، لا اعلم غطيطي من خريري ، والسرير محطم مكسور، وكل شيء من حولي مبعثر منثور، فصحوت من كابوس مزعج مرير، على واقع اكثر بكثير، واشد ايلاما ومرارة، يفجعنا تارة بعد تارة، واذا بزوجتي باكية نائحة، ناحبة صائحة، تهرول تجاهي وتجري، ظننتها بما حدث لي تدري، فقلت يا بنت الناس، لا تخافي انه الوسواس، قالت : اي وسواس اي خناس، مرة اخرى ذبح القتلة الجناة، بلا ذنب من اولادنا بالمئات، وتركوهم جزرا للطير والسباع، في براح من الكراع، فقلت مع نفسي، يا لبؤسي، تبا للذي ايقظني من الكابوس، واعادني الى ليلنا الداموس، وحاضرنا الماموس، يغادرنا القابوس، ويقيم عندنا العاطوس، ومصيرنا بيد الغدار والفانوس، والحاسوس والجاسوس، وبين راموس في ارضنا راموس، حيث يقتل الشيخ والشاب والبابوس.

ملاحظة : ارض الارانب تسمية كانت تطلق على اسبانيا

لا تعليقات

اترك رد