مناطق العقل المسحورة

 

مثلما كان للطبيعة مناطق غامضة أو ” مسحورة ” كمثلث برمودا ” أو مناطق Mystery spot ما زال العلم يقف حائراً حيالها كبستان الخشب الأحمر قرب سانتا كروز بولاية كاليفورنيا أو في سانت إغناس أو سبوك هيل حيث تنمو فروع الأشجار إلى الأعلى و تضعف قوة الجاذبية حتى يمكن للمرء السير على جدار عمودي و تتدحرج الكرات إلى الأعلى ، فإن للعقل البشري أيضاً مناطق مسحورة تنعدم فيها الجاذبية و تتدحرج الأفكار إلى الأعلى بدل انسيابها بشكل قويم ، مناطق إذا اقتربت من حافاتها تقف حائراً أمام منخفظاتها و مرتفعاتها و هضابها و لا تستطيع أن تجد لظواهرها تفسيراً . هذه المناطق تجعل الإنسان أحياناً يتخذ قرارات خاطئة و أحياناً غريبة يدفع أمامها ثمناً باهضاً فنسمعه عند خروجه منها يردد مع نفسه عبارات مثل ” ما الذي دفعني لفعل ذلك ” و ” كم كنت غبياً عندما قررت ذلك ” ، يحدث هذا على الصعيد الشخصي و يمكن تفهم ما أقدم عليه هذا الإنسان لو أنه اتخذ قراره تحت ظرف استثنائي كالحاجة لقرار سريع في فسحة ضيقة من الوقت أو تحت ظرف قاس كالتهديد و التعذيب أو في ساعة غضب أو فلتة غباء ، يمكن تفهمه إذا عاد لرشده و صحح أو حاول تصحيح خطأه لكن أن يتخذ الإنسان موقفاً ليس مجبراً عليه و لا يتفق مع ما يؤمن به و لا مع العقل و المنطق و الفطرة السليمة و لا يمثل قناعةً جديدةً اهتدى لها قائمةً على تفهم تام لقرار مصيري يغير حياته و حياة الآخرين ثم يتمسك به رغم ما يصيبه جراءه من أذى فهذا سلوك لا يمكن اتباعه إلا عند الدخول في المناطق المسحورة من عقل الإنسان كظاهرة فردية يصعب فهمها ، تماماً مثل ما يجري في مثلث برمودا ، أما عندما يكون هذا الموقف جماعياً لقبيلة أو أمة أو حزب ، موقف يختلف جملة و تفصيلاً عن موقفهم أمس فهذا ما أصنفه في خانة الظواهر الإجتماعية الخارقة أو العصية على الفهم ، اعذروني فلست متخصصاً في هذا النوع من العلوم و قد يكون تصنيفي لها خاطئاً فما أنا غير راصد حيرته ظاهرة وقف أمامها مندهشاً كما يندهش طفل يرى البرق و يسمع الرعد لأول مرة .

كيف يمكن لمليون إنسان أن ينتظموا في تظاهرة من أجل قضية عادلة و يقدموا تضحيات بالأموال و الأنفس و يتحملوا من أجل مواقفهم الملاحقة و سلاسل التفجيرات و تهديم منازلهم البائسة على رؤوس أطفالهم ثم يقبلوا بالتنازل عن مطالبهم لمجرد أن سيدهم لوح لهم من شرفة منزله المضاد للتفجيرات و طلب منهم ذلك ؟

أيتغيير موقف أمة على طريقة ” هل كنا على ضلالة ” كما قالت هند لأبي سفيان ؟ لكن موقف هذه المرأة كان مبنياً على واقع جديد آلت له أوضاع الأمة كلها ، هناك واقع جديد لم تعه من قبل ، هناك إنجاز على الأرض ، إنجاز كبير يدفع الإنسان إلى مراجعة مواقفه و قراراته السابقة بل و يغير معبوده الذي كان يقدم أولاده قرابين له فما هو الإنجاز الذي تحقق اليوم غير مزيد من التفجيرات التي فنيت جراءها عوائل بأكملها مات من مات منهم و تشرد من تشرد و قبع المتبقون منهم في مستشفيات بائسة بين الموت و الحياة دون أن يتفقدهم أحد ؟

أن يكون لي عقل أفكر به و أبني من خلاله رأياً ثم موقفاً مما يدور حولي ، موقف ثابت لا يتغير إلا إذا اكتشفت أدلة منطقية على بطلانه فهذا سلوك محمود بغض النظر عن صواب أو خطأ الموقف الذي اتخذته فالمواقف تتغير نحو الأفضل إذا كنا نتبع المنطق ، ليس المطلوب أن يكون لنا جميعاً موقف واحد من مجريات الأحداث لكن المطلوب أن يكون الحَكَم هو العقل فعند ذاك نتقبل آراء الآخرين و نناقشها مع أنفسنا و معهم وصولاً للصواب لكن أن نكون عبيداً و ” مقلدين ” لأشخاص لا تختلف تركيبة عقولهم عنا بشيء وقد نتفوق عليهم فتلك هي الطامة الكبرى .

هذا السلوك المبني على الصنمية يقود الشعوب الى حتوفها و ينتهي بها الى لاشيء بانتهاء صلاحية صنمها لأنها شعوب بلا عقيدة حقيقية قابلة للإستمرار بل تتعلق عاطفياً بشخصية صنم بلا مبادئ ولا عقيدة ثابتة له فتنقاد انقياداً أعمى خلفه و تتعلق به إما انطلاقاً من تعلقها بأسلافه عندما تكون الصنمية وراثيةً أو من مظهره أو هيئته أو طوله أو شكل شاربيه أو لشبهه بشخصية ما مثلما يتعلق المراهقون بنجم غناء أو سينما ، عندها تصبح وسادته التي ينام عليها و نعله الذي ينتعله و إبريقه الذي يتوضأ منه مفردات مقدسة تقام فوقها القبب و تنذر لها النذور وعند انتفاء الظروف التي جاءت به وينعزل أو يُعزل بعيداً عن الساحة يبدأ أصحابه بالبحث عن وريث له أو عن صنم جديد أو يعودوا للقبة المقامة فوق نعله الشريف ، هذا لا ينطبق بطبيعة الحال على القادة من حملة المبادئ الذين لا يرتضون لأنفسهم أن يكونوا أصناماً حتى لو قرر أتباعهم عبادتهم . في خلافة علي ابن أبي طالب ظهرت فرقة من الغلاة جعلته إلهاً و قدسته و عبدته و ادعت أنه يمتلك مفاتيح الجنة و النار ، حاربهم بكل ما أوتي من قوة لأنه يرفض أن يكون صنماً و عندما عجز عن نهيهم و أراد إحراقهم و هم أحياء ترسخت قناعتهم بأنه إله ، إذ من يملك أن يلقي أحداً في الجحيم غير الإله ؟

الفرق هنا إذن . عندما يقبل القائد بدور الصنم و يطرب له . عندما يتوهم الناس أنهم يتبعون إلهاً ناطقاً تُخلق منطقة مسحورة داخل عقولهم فيصبح تدحرج الكرات إلى أعلى و السير على جدار عمودي أمراً معقولاً ، مناطق هيهات منها المنطق و لا تصمد أمامها كل الحجج و البراهين ، عندها تهون المساكن و يهون المال و يهون الولد ، يهون كل شيء فداء لابتسامة من ثغر القائد .

لا تعليقات

اترك رد