متاهة المحاصصة

 
الصدى - متاهة المحاصصة

بتاريخ 30 أيلول / سبتمبر عام 1989 وقعت مختلف الأطراف اللبنانية اتفاق الطائف لتنهي حربا أهلية دامت 15 عام وبموجبه تم التأكيد على ثوابت الاستقلال والهوية وتحرير الأرض وحل كافة الميليشيات المسلحة ومجموعة من الاصلاحات العامة والتي كانت المحاصصة حاضرة فيها وبقوة في مسعى واضح للوصول لصيغة حل يرضي كافة الفرقاء ويجنب اللبنانيين تكرار ويلات الحرب .

وبعد الغزو الامريكي للعراق عام 2003 بدأت أماني شريحة كبيرة من العراقيين بالديمقراطية بالتلاشي تدريجيا بعد أن أصبحت المحاصصة أساسا للعملية السياسية نتيجة قناعة الأمريكيين بها كحل وحيد لانهاء هيمنة طرف واحد (شخص أو حزب أو طائفة) على مقاليد السلطة في بغداد وللحيلولة دون عودة الديكتاتورية .

ورغم الدوافع المقنعة التي مررت من خلالها المحاصصة والمتمثلة بانهاء قتال أهلي ضار أو منع أي عودة محتملة للديكتاتورية الا ان مآلات تطبيقها قد أتت بنتائج عكسية وصلت الى حد الحنين الى النظام الديكتاتوري في العراق !!

وهنا لابد لنا من بيان الاختلاف بين النموذجين اللبناني والعراقي والظروف التي أدت لاقرار المحاصصة في كلا البلدين ، لبنانيا لم يكن اتفاق الطائف سوى اعادة انتاج للمحاصصة الطائفية القائمة في لبنان منذ الاستقلال فرغم نص الدستور اللبناني على المساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن انتماؤهم الديني والطائفي والعرقي الا ان الميثاق الوطني الشفوي المبرم بين الزعيمين بشارة خوري ورياض الصلح تضمن صيغة مشاركة الطوائف في السلطة بثبيت مارونية رئاسة الجمهورية وسنية رئاسة الوزراء وشيعية رئيس البرلمان !! ولم تمس اصلاحات الرئيس فؤاد شهاب (والذي جاء انتخابه مرشحا للتسوية عقب انتفاضة مسلمي لبنان ضد النزعة الاستبدادية للرئيس كميل شمعون وسعيه لتجديد ولايته الرئاسية) جوهر النظام الطائفي بقدر ما كانت محاولة منه لمعالجة اخفاقاته بشحنة من العدالة الأقتصادية والاجتماعية لتدخل البلاد في عهد خلفه شارل حلو في دوامة الأزمات السياسية والأقتصادية والاجتماعية والتي أدت مجتمعة لاندلاع الحرب نهاية المطاف وهو السياق الطبيعي للأحداث في ظل تجذر الطائفية في المجتمع اللبناني وعدم بلورة مفهوم واضح للهوية الوطنية الجامعة لأفراده منذ تأسيس الدولة .

فيما بقيت التجاذبات الطائفية في العراق تحت سيطرة الدولة القومية المركزية طوال 83 عام باستثناء الصدامات العنيفة التي حصلت عامي 1935 و1991 والبست ثوبا مذهبيا مع احتفاظ القضية الكردية بخصوصيتها وتعقيدها الا ان الطائفية عموما ظلت ذات تأثير سطحي على المجتمع خاصة مع تصاعد موجات المد القومي الجارف المدعوم رسميا والذي أضر بمفهوم الهوية الوطنية العراقية قبل العام 2003 ولم يتمكن في الوقت نفسه من الصمود بوجه الفكر الطائفي عقب الغزو الأمريكي !!

وفي كلتا الحالتين فقد أعاد الطائف ذات أركان النظام الطائفي بعد سنوات الحرب لتتوالى أزمات البلاد السياسية والتي بلغت ذروتها باغتيال الرئيس الحريري عام 2005 وأكد على موقف لبنان الضعيف والمنقسم تجاه الصراعات الاقليمية وهو ماتجلى في مجريات الثورة السورية وتدخل حزب الله فيها .

أما عراقيا فقد غدت المحاصصة الأسلوب السائد في ادارة الدولة وبصورة أعمق من أن يتم تجاوزها تحت تأثير الضغط الشعبي والمتمثل بالاعتصامات والتظاهرات بسبب القناعة المخفية لكافة القوى السياسية بها واتفاقهم عليها ومايترتب عليه من قدرتهم الفائقة على اعادة انتاجها سواء من خلال التوقيع على وثيقة الشرف من قبل أطراف الفريق الأول (العبادي وحلفائه الشيعة وشركائه السنة والأكراد) أو بمسرحية برلمانية تستهدف استبدال الوجوه مع عدم المساس بالمبدأ نفسه وهو ماسار عليه الفريق الأخر (جناح المالكي وبعض السنة والصدريين قبل انسحابهم) من القوى السياسية !!

ان تشكيلة البرلمان العراقي هي انعكاس مباشر لحالة الانقسام المجتمعي الموجودة ومحاولة تفكيك ألية المحاصصة مع بقاء ذات الحالة تفسح المجال لهيمنة طرف دون الأخر راكبا موجة المطالب الشعبية بالاصلاح وهو مايعزز من حدة الانقسام السياسي أما الانهاء الفعلي لها “ف” يتطلب خطوات استباقية تفكك بموجبها الكيانات السياسية ذات اللون الواحد والمتسترة خلف شعار تمثيل المكونات ولتعذر ذلك واقعيا فان الحراك المدني والذي خاض في الشهور الماضية تجربة تستحق الدراسة والتأمل وبصرف النظر عن نتائجها مطالب بالتفكير الجدي في الاجابة على السؤال الملح المطروح اليوم وهو ماذا بعد ؟؟؟ مبدئيا الجواب المقنع الوحيد هو العمل على تنظيم الصفوف والسمو فوق الخلافات الشخصية ونبذ اتهامات التخوين وتجنب عبارات التشكيك ومن ثم السعي لتأسيس حزب مدني يقود النضال السياسي السلمي بهدف استعادة روح المواطنة واشاعة مفهومها تمهيدا لاسقاط المحاصصة في محاكاة لتجربة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي والذي كلل نضاله باسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا اما انتظار الحل من أحد ركائز العملية السياسية واستغلال خلافاته المؤقتة مع شركائه فقد تبين بما لايدع مجالا للشك انه العبث بعينه لأن المحاصصة هي القاسم المشترك بين كافة القوى المشاركة في العملية السياسية ولايتصور أن يكون بمقدور طرف واحد ازاحتها وفرض ارادته على الجميع مع عدم التعويل المطلق على خيار الانقلابات العسكرية وهو مايعنيه عودة البلاد لحظيرة الديكتاتورية تدريجيا واستمرار فصول المعاناة العراقية بين مطرقة الشمولية وسندان المحاصصة ، ان الطريق نحو انهاء المحاصصة في العراق طويل وبحاجة لحنكة وارادة والتخطيط الجيد ولعل الفائدة الوحيدة اليوم هي تحقق الوعي الشعبي بمخاطرها وتحول اسقاطها لأولوية اصلاحية وهو أمر ايجابي بحد ذاته قبل أن تتحول مع مرور الوقت لقاعدة عامة ومفهوم راسخ بشكل تصبح معه المواطنة “المفتقدة أصلا” من أخوات كان ، فهي وان كانت مقبولة سياسيا الا انها لاتزال غير مرغوب بها اجتماعيا وهذا هو بالضبط مايميز العراق عن لبنان .

محمد علي

لا تعليقات

اترك رد