دثار


 

ماذا في هذه الدار حتى تترع النفس بالفرح ويصيبني كل هذا الجذل فاضل ارفرف كالعصفورة لا أدري أين احط ؟ ماذا في هذه الدار حتى أشعر بأن شلالا يغسل قلبي ويبعد عنى كل الهموم. لكنني رميت بكل الأحزان عندما ولجت.
أمة عيشة أمة عيشة وينك انت؟
أنادي كأنما أغني وانا انحني حاملة بيدي اليمنى الستارة إلى فوق. .ستارة شفافة كالحلم بنواوير زرقاء باهتة كأنما تبنت في الثلج. لا الستارة تمزقت مع الزمن ولا أمة عيشة رأت ضرورة في تغييرها ولماذا تغيرها وهي تمنع الذباب والبعوض من الدخول وتغربل الشمس فتنتثر دنانير عند العتبة.
ادخل فاشم الكلس والتراب لاتذكر دائما اني خلقت من طين. أجول ببصري ابحث عن قامتها الصغيرة فلا اظفر بها في الردهة الأولى من البيت. ..تكون في المقصورة حتما فأنا اسمع حثيثها وحديثها وهي تعاتب القطة التي وسخت لها النطع أو الدجاجة التي طال مكوثها في الغربال دون أن تفقس أو تزمجر من الغيظ لأن عمي الرزقي أخذ الحبل الجديد دون أن تعلم.
عيشوشة وينك انت؟
اجدها وهي ترتب اكياسها ومواعينها وترمي كل شيء عندما تراني.
سعدي ببنيتي وقتاش جيتي يعطيني عزا راني طرشت. وتهب الي لتعانقني وتتطاول لتبلغ عنقي فهي صغيرة في طول الزير . اقبلها بدوري وانا اشم زيت الزيتون في شعرها وعود القرنفل وكل تلك الروايح التي ابكي عندما اشمها الآن .الشيح والزعتر والصوف والقصب والتين الشوكي والبيض والخروب والنبق والتفاح العربي الذي لم يعد موجودا في الأسواق.
تسبقني إلى الردهة وهي ترحب وتدعوني لاجلس على سرير عمي المغطى بملاءة صفراء نظيفة تزدان بوسادتين مطرزتين بزهور بدائية لفتاة تعلمت أن ترسم حبها الأول على القماش.
أقول لها هنا اجمل هنا اجمل فأنا متعبة الساقين من الكراسي والطاولات والأسرة العالية. هنا الين وأقوم قيلا وأحسن تأويلا. …كلام ارتبه واردده وانا اضحك وهي لا تفقه منه شيئا لكنها تلتهم وجهي بعينيها المكحلتين وتنظر إلى يدي ورجلي وتقول
نحي الصباط وارتاحي.
ارتمي بوقر عمري واشجاني وانكساراتي الخفية على الحشية وأشعر بدغدغته الصوف في كتفي وظهري واسمع ثغاء الخراف وهي تعود مع عمي إلى الزريبة في المساء وهو يامرها بصوته الذي يشبه الرعد.
أتمطى وانا المس بقدمي برودة اللحاف الذي كفقاعة من عطر واحملق في السقف ذي الجذوع الغليظة والحجارة الصقيلة البيضاء وأسأل أمة عيشة كل مرة عمن بنى دارها ورفع جدارها فتقول جد ابيك محمود وجماعة من أهله كان ذلك قبل أن يذهبوا إلى الحج على الإبل .الحجة التي مات فيها عثمان ودفنوه في طرابلس وواصلوا طريقهم.
كل ما ترويه أمة عيشة مرتب مموسق بليغ عميق خال من الحشو والاملال. حديثها عن زفافها وموت أمها والفيضان الذي كاد يبيدهم على بكرة أبيهم والرهابين الذين يسكنون في الهنشير القبلي والذين يتربصون بكل فتاة ذات شامة. وجيش الفرنسي الذي كان يعسكر هناك على التل وخوف الأمهات على البنات من كيدهم.
تحكي هي وتنهمك لتوها في إعداد الخبز وانا مغمضة العينين سارحة في مجرة من الرضا وحواسي يقظة اتشرب العطور من كل مكان كلسا وحلبة وعسلا وسمنا وزيتونا وابا وحدائق غلبا حتى إذا احست أن النعاس غالبني أخذت جفنة الخبز وخرجت بها حيث المعمرة لتطهوه وأغلقت الباب الذي يصر صريره الوفي وتحدث حلقته نفس الرنة التي كنت اسمعها منذ زمن بعيد.

لا تعليقات

اترك رد