هز لندن ضاري وبجاها


 
الصدى - العراق

بعد أن أخفقت الجيوش البريطانية بكل قوتها وجبروتها وتفوقها في العدة والعدد في قهر العراقيين في الجنوب والوسط وتكبدها الخسائر الفادحة التي لم تكن في الحسبان ولا الاحتمالات, ترك هذا الأمر غير المحسوب العقيد البريطاني لجمن الجندي الوفي للإمبراطورية البريطانية التي لا تغرب عنها الشمس والذي صرف في خدمتها جلّ سنيّ شبابه عسكرياً وإدارياً وجاسوساً.. مرتحلا من جنوب أفريقيا إلى البلاد العربية. إذ لم يدع بلدة عربية في المشرق إلا وطأها.. من الخليج والبصرة والقدس، وحلب، وبيروت، ودمشق، والقاهرة وبدأ بتطبيق برنامجه المُعد بتعلم اللغة العربية، فجعل له معلمين في جُلّ المدن التي مرّ بها، وكان لهؤلاء المعلمين أكثر من دور، يتضح من خلال الخدمات التي كانوا يزجونها للعقيد لجمن أو المهام التي كانوا يقومون بها. و تمكن من تمويه تحركاته ومواصلة مهماته، سواء من حيث تغيير الزي الذي كان يرتديه، أم من خلال المهن التي كان يمارسها، لقد كبر عليه هذا العناد العراقي.. وكادت الخسائر المتلاحقة لجيشه أن تصيبه بالجنون وتفقده صوابه.. فهو الرجل الذي لا يصدق أبداً بأفول إمبراطوريته، فقد كانت مرارة الخسارة تجعله يدور على نفسه كالمصروع.. ويلتمس السبل للخروج.. فقرر ممارسة اللعبة الذهبية للمستعمرين والمحتلين, اللعبة القديمة الجديدة عبر كل العصور.. (سياسة فرّق تسد) والتي كانت أبرز أسلحة الغزاة البريطانيين.. وردّد لجمن مع نفسه: “لنزرع الفتنة والشقاق بين هؤلاء الأعراب, لعلها الفرصة الذهبية للخروج بعد أن فشلت جميع أسلحتنا” وراح يخطط لتنفيذ أجندته.. فجمع رؤساء القبائل، في الرمادي وكان بينهم الشيخ ضاري.. وأقام لهم مأدبة عامرة وبعد الانتهاء من الطعام فاتحهم في الموقف الراهن، وقال أنه “يود الوقوف على رأيهم باعتبارهم عشائر من أهل السنة.. ضد الثوار الشيعة الذين يطالبون السلطات الإنكليزية بقيام حكومة مستقلة.” واستغل الشيخ ضاري عندئذ الموقف فلم يفسح المجال لأحد من المجتمعين بالكلام، وإنما نهض قائماً ليقول: “لا تذكر يا لجمن كلمة ((شيعة)) فليس في ديننا سنة ولا شيعة، بل هناك دين واحد وعرق واحد وكلمة واحدة وإجماع على تشكيل حكومة وطنية، فإذا لبّيتم مطالب الثورة فإن الاستقرار والأمن يسودان العراق. وإنني في موقفي هذا أخاطبك بلسان المجتمعين”. وهنا سكت لجمن وقال: أنتم عشائر والأجدر بكم أن تكونوا مستقلين.. لقد كان الشيخ ضاري يداً حمراء في الثورة العراقية الكبرى كما قال الكثير من المعاصرين له، وكانت له مراسلات مع الثوار في كربلاء والنجف وبغداد.. فضلاً عن كونه من أشد المعارضين للاحتلال فقد ساهم في العديد من المعارك إلى جنب العثمانيين ضد الإنكليز ومنها حصار الكوت.. وكان هو وعشيرته ظهيراً للثورة المستعرة في الفرات الأوسط.. لم يترك لجمن هذه المسألة تمر دون أن تتفجر براكين أحقاده على الشيخ الذي أطاح بمخططاته في التفرقة بين أبناء الوطن الواحد.. فراح يرسم خططاً للانتقام من الشيخ ضاري.. إذ حز في نفسه أن ينطلق ضاري على هواه في سلوكه ضد الإنكليز ويناصبهم العداء ويقاوم تعسفهم وسطوتهم فأراد أن يكبح جماحه ويروضه على الطاعة.. فاتهمه هو وعشيرته بقطع سكة القطار من أبي غريب إلى سامراء.. كانوا يقطعون السكة ويتجاوزون على جيوش الإنكليز.. فهجّرهم من ديارهم إلى ديار تميم.. ولكنهم لم ينقطعوا عن إقلاق جيوش الإنكليز وقطع الطريق عليها.. وتأخير إمداداتهم اللوجستية لقمع الثورة المشتعلة في الفرات الأوسط.. واستمرت هذه الأمور لشهور بين شدّ وإرخاء بين ضاري وقبيلته والقبائل المتحالفة من جهة, والجيش الإنكليزي من جهة أخرى.. فطلب لجمن الاجتماع بالشيخ مرات عدة.. ولكن ضاري كان يرفض ذلك. وبعد إلحاح وافق ضاري على مقابلة لجمن في خان النقطة وكان يسمى خان ضاري لأنه هو الذي بناه ولكن الإنكليز سمّوه خان النقطة.

وفي شهر آب سنة 1920م ذهب الشيخ ضاري حذراً محاطاً بعدد من أولاده وأبناء عمومته ونحو 20 فارساً.. كان يعرف أن هذا الإنجليزي الشرس لا يطيقه ويضمر له خزيناً هائلاً من العداء.. ويبحث عن حجة للإيقاع به فطالبه بتسليم عدد من أبناء عشيرته بحجة أنهم من المجرمين الذين يقطعون طريق الجيش ويسلبون رجاله.. ففهم الشيخ الحكيم الواسع الحلم أنها ورقة للضغط عليه.. فوافقه مجاراة على أن يتعاونا على القبض على هؤلاء الرجال إن كان حقيقة ما يظن, ووضع تحت تصرف لجمن خمسة من رجاله، معهم ابن ضاري لإلقاء القبض على الجناة. وإن هذا الموقف قد افتعله لجمن لتستقيم مكيدة تبرر الإيقاع بزوبع ورئيسها.

ومما يثبت أن تلك إحدى مكائد لجمن للإيقاع بضاري وعشيرته أنه طلب منه أن يقوم بحراسة الطريق بين الرمادي وبغداد، ولكن ضاري يدرك جيداً أن هذا الإنكليزي الحذق يريد الإيقاع بينه وبين العشائر الأخرى التي تسكن المنطقة ليحقق ما يريد من بث الفرقة والشتات من جديد.. بعد أن فشل في اجتماع العشائر السابق.. ولكن الشيخ ضاري رفض رفضاً قاطعاً وقال أنه لا يتمكن من مقاومة هذه العشائر.. وانفعل لجمن وأزبد وأربد وقال محتداً: (إن موقفك هذا يعتبر خيانة).. وازداد توتراً وانفعالاً.. وبعد أن فقد صوابه اتهم الشيخ الجليل بالسرقة وتدهور الأمن ومسؤولية كل حوادث السلب والنهب.. ومع كل كلمة ترتفع حدة انفعاله وتتناثر جمله الجارحة الوسخة.. والشيخ ضاري يحاول بالكاد السيطرة على نفسه.. ولكن لجمن راح يتمادى ويتمادى في عسفه وحماقاته فأيقن الشيخ ضاري أن لجمن سيفتك به لا محالة.. فانفجر بركان شهامته وحميته.. وانتصرت كرامته على صبره.. فاستأذن منه ليعود بعد قليل ومعه ولده خميس ورجل آخر من رجاله فرماه ضاري بطلقة نارية فسقط على إثرها قتيلاً. وبعدها استلّ سيفه وأجهز عليه.. قتل ضاري العراقي النبيل صاحب الأرض والحق لجمن الغازي المحتل المنتهك الذي جاء عبر البحار ليصنع مجده على رقاب العراقيين وأرضهم.. ثارت ثائرة الإنكليز وظهرت بوادر الانتقام بقوة لمحاولة القضاء على الشيخ ضاري وعشيرته.. فقال لهم ضاري ما معناه.. إنه (قدر محتوم فاصبروا على ما يصيبكم ولا تفرّقوا).. وراح البريطانيون يلاحقون ضاري وعشيرته وهم ينتقلون من مكان إلى آخر في شمال الجزيرة وعلى الحدود مع سوريا.. ورصدت بريطانيا جوائز مالية لمن يأتي بضاري حياً أو ميتاً.. ووفق مكيدة مع عملاء وجواسيس الإنكليز وقع في الفخ.. ورحل إلى بغداد وعلى الرغم من مرضه الشديد لم يسمح بمعالجته رغم مرضه وكبر سنه.. وحكم عليه بعدها بالشنق حتى الموت.. لكن الحكم خفف للمؤبد.. ومات الشيخ ضاري ولكنه ظل حياً في القلوب كرمز للثورة والكرامة ومقارعة المحتلين.. فضلاً عن كونه نموذجاً رائعاً للوحدة الوطنية والوقوف الصلب ضد الفرقة والشتات ومخططات الأعداء.. التي يفتقدها الكثير من فزاعات الراهن السياسي لبلدنا.. هذا الشيخ العراقي المهيب الذي كسر عيون الإمبراطورية البريطانية التي لا تغرب عنها الشمس بإرادة عراقية خالصة.. لا شيعية ولا سنية.. ولا إسلامية أو مسيحية ولا عربية ولا كردية أو تركمانية.. ولا جنوبية أو شمالية أو وسطى.. فقط إرادة عراقية خالصة.. لم تزل تردّد أصداء الأهازيج العراقية المعبرة التي احتفت بشجاعته ووطنيته تتردد في شساعة التاريخ وتباين الجغرافية.
هز لندن ضاري وبجاها
وآخر يقول:

هنا طك لجمن واوير بيه (اوير) مأخوذة من الجور
من نافلة القول أن نشير الى ان كل مشروع وطني أساسه وسبيل نجاحه الأول وصموده هو الوحدة الوطنية..والذي أصبح أشبه بالقانون الفيزياوي او الكيمياوي لا يحتمل الخطأ ولا يستدعي البرهنة..وتحركات الشيخ ضاري الوطنية المناوئة للانكليز والتي كانت تجري بالتنسيق مع ثوار الفرات الاوسط في كربلاء والنجف والحلة والديوانية انموذجا مدهشا لذلك…فكم حاول لجمن اثارة النعرات الطائفية بين ابناء البلد الواحد وفشل فشلا ذريعا لم تزل تتناقله الأجيال….ولعل في الحراك المدني والتظاهرات وانقلاب البرلمان على نفسة في حركة تشبه الصحوة المتأخرة..فرصة مشابهة للخروج من دائرة الانقسام والتشتت التي أضرت بالعراقيين للحد الذي وضعتهم امام هاوية كبرى وهي احتمال ضياع وطن …وتمزقه إلى أشلاء متنافرة …صحيح أن السياسات التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة بعد 2003 ، هي سياسات مخزية ومتخلفة بما يجعل النظام السابق يرفع رأسه متشفيا، بسبب خروجهما عما هو وطني وأخلاقي على خلفية المحاصصة والفساد ..اللتان وضعتا العراق اما شتات حقيقي وتشظى ليس له مثيل…وبعد نحو عقد من الخضوع لسياسات فاشلة واملاءات لخطط وأجندات إقليمية وعالمية…بدأت صحوة العراقيين عبر التظاهرات والحراك المدني ومن خلال المطالبة بإلغاء المحاصصة والمحددات الضيقة كالحزبية والقومية والمناطقية ..في مظهر جميل وآخاذ وحيوي افتقده العراقيون منذ عشرات السنين ..عبر احتجاجات وتظاهرات ومطالبات خلت تماما من تأثيرات الأحزاب المتحكمة بالعملية السياسية ونهجها الكبير في الفرقة الوطنية وحصد المكاسب والنفوذ عبر تشغيل الطائفي والمناطقي ..فكانت كل هذه المطالبات وطنية محضة تهم الجميع …..وقد توج هذه المسيرة الظافرة انتفاض اغلب نواب البرلمان وبغض النظر عن الأهداف والقصديات..فقد كان الإجراء بحد ذاته عتبة جديدة وهامة تضع العراقيين على الطريق الصحيح …..وعلى الرغم من انسحاب بعض الكتل السياسية وأهمها تيار الأحرار وما خلفت من خيبة أمل…لكن الفرصة قائمة.. وبقوة لاستعادة مجدنا الوطني ووحدتنا الوطنية …وبدونهما سنخسر ما تبقى من الكرامة والجغرافية..ولا نكسب سوى لعنات التاريخ والأجيال القادمة.

شارك
المقال السابقللمعتصمين: رسالة مفتوحة…
المقال التالىبوتو.. مسرح الرقص الياباني الحديث
علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من ...؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، عضو اللجنة ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد