على قيد النسيان


 

احتفظت ببيتها وبقيت في مدينتها كي تعيش صباحاتها القديمة تفتح كل يوم البوم الصور تغطي غيابهم….. بعد وفاة زوجها منذ 3 اعوام ..ترفض ترك المكان الذي شهد حبها ونبضها وكل احلامها فلم يعد بالعمر بقية ولم تعد تقوى على الرحيل والهجرة

فتحت عينيها حين تسلل النور الى غرفتها …قالت لنفسها وهي تربت على كتف اوجاعها وتيبس مفاصلها ،تداوي جراح قلبها المشتاق ،تجمع عظامها لتنهض من سريرها: أنه صباح العيد لابد ان احضر كل شيء…أرتدت عباءتها السوداء فوق ثيابها البيتية غطت رأسها وشعرها الابيض بوشاح ملون وخرجت للشارع مسرعة متجهة الى السوبر ماركت وبداخلها ارتباك تدوس على اطراف ثوبها الذي صار اطول منها فتلطخ اسفله بتراب الطريق الممتليء بالحفر والقاذورات التي طارت من هنا وهناك فقد كانت ليلة العيد مغبرة حملت الاتربة لتغطي كل مكان ….

كان هناك طفل يجلس على الرصيف تحت اشعة الشمس يستجدي المارة تقدمت اليه وقالت له:

_كيف تتركك امك بالشمس واليوم عيد ؟كنت ابكي كي يرزقني الله ولدا ،مدت يدها الى حقيبتها وناولته بعض النقود :يا بني انتبه لنفسك وخذ هذه من خالتك واشتري اكل وحلويات وارجع للبيت .

ثم تركته وتوجهت للمحل اشترت بعض الاشياء للعيد كما تعودت سابقا (علبة ماكنتوش )كانت تتخيله يفتحها ويتناول الحمراء التي يحبها واشترت ايضا كيسا من الجرزات وطلبت من البائع ان يضيف فوقه حفنة من الفستق المملح ليكون هو الغالب لانه يفضله

عادت للمنزل تهرول وهي تتنفس بصعوبة وقطرات العرق تغطي وجهها تناولت دواء الضغط فقد نسيت تأخذ الحبة قبل ان تخرج ثم ركضت لتلتقط الهاتف من الطاولة …ربما أتصل ،ربما رن الهاتف حين كنت خارج المنزل كم انا غبية نسيت الهاتف …..نظرت لسجل الاتصالات لايوجد مكالمات فائتة لا بالفايبر ولا ماسنجر ولا بالواتس اب ولا ….. انه لم يتصل الى الان الساعة الواحدة ونصف ظهرا

رمت نفسها على اول كرسي وهي تحتضن الهاتف بين كفيها …تستحضر قواها وتطبطب على يأسها ….هناك فرق بالتوقيت بيننا وبينهم ربما بعدهم نيام ربما سيتصلون بي بعد ساعة او ساعتين

أنها دائما تحسن الظن وتلتمس له ولزوجته الاعذار ،عادت للسرير رفيقها الازلي فالأشياء الجامدة وحدها تمتلك الوفاء ولا تغير أماكنها وتتركنا …

حدقت في سقف الغرفة تحاول ان تسرق بعض لحظات من الذكريات تغرس في عمق الروح نبض مفقود كي تمنح قلبها جرعة أمل للمواصلة.. ثم نهضت من جديد فتحت الستائر فدخل النور أنه نهار جميل لابد ان ارتب نفسي وانظف البيت غسلت وجهها غيرت ملابسها ونفضت

عن ثوبها وجع الوحدة لتغرق بعدها في متاهات ذاكرتها من جديد ….ترتسم على وجهها اساور الفرح والبهجة ،دفء يتسلل الى مفاصلها الباردة ..

(أكيد سيتصل تعيد على نفسها الكلمات….. و تدمدم بأغنية لسعدون جابر

( ياطيور الطيارة مري بهلي ..ياشمسنا الدايرة ضوي لهلي ..

سلميلي وغني بحجاياتنا …..سلميلي وضوي لولاياتنا

…سلميلي لو وصلتي ديارهم …سلميلي وشوفي شنهي اخبارهم…..)

تتخيل وجهه الملائكي وهي تمسح الغبار و تنظر الى صورته على المكتبة …..تعود بذاكرتها الى يوم ولادته … كرنفال سعادة يتسلل بين ثغرات روحها ويسكن القلب …قلائد محبة القت في انفاسها الجافة عطر الندى فلمعت عيناها التي كانت تراقبه ايام زمان وهو يكبر يوما بعد يوم واحلامها تكبر معه … تتفاخر بتفوقه وشهاداته وترتب اشياءه التي تملأ كل ركن في البيت تقدم له كل ما يتمناه وتتجاهل اخطاؤه بحقها وقساوته عليها

آه ياروحي كم أتمنى أن اظمك من جديد هنا بين ذراعي كما كنت صغيرا

…وقفت عاجزة امام تفكيرها الذي انحصر بسوء الحظ ،الذي خطف ابنها الوحيد ورماه بالمنفى لماذا ولدته في بلد يأكل الابناء ويرمي بهم في مستنقع الغدر لكن ربما انا اكثر حظا من غيري ففي مدينتي كثيرون فقدوا فلذات اكبادهم بالحرب وكثيرون سقطوا حين هبت ريح الطائفية لتحصد شبابهم …على الاقل ابني لازال على قيد الحياة…. لكنه في عالم الغياب القاتل أنهم يحسدونني يا ولدي ولا يعلمون اني ارسلتك للمنفى لتعيش انت واموت انا ….

لا تخف حبيببي فانا اعتني بأزهارك و اسقي شجرة البرتقال كي تنثر عبير القداح على شباك غرفتك بالربيع …انفض الغبار عن كتبك كل يوم واعيد ترتيب سريرك رغم انك لن تنام فيه ..

يمر الوقت بطيئا لقد انتصف الليل وهي متكورة في الكرسي الخشبي الهزاز تراقب الهاتف على المنضدة ………

فجاءة يرن ….

تهب…. تلهث …يعلو أمل …يبرق في عينيها لمعة ،صوت انفاسها ….تتزاحم الهواجس والامنيات والكلمات ..تلتقط الهاتف ..انها تكاد تشم رائحته …تجلجل بداخلها ضحكاته وصوته …ماما …..يغزل الفرح شلالات وتنسج اللهفة عناقيد من قوس قزح

ترد على الهاتف

_الو هلو عيوني ….

فياتي الصوت :مرحبا خالتي كل عام وانت بخير

_الو …من انت ؟

_انا جارتك هبة ما عرفتيني خالة كيف حالك ؟

_نعم نعم اهلا وسهلا وانت بخير حبيبتي ويخفت صوتها …..كيف حالكم والاهل ….

ثم ينتهي الحوار وتقفل الهاتف لتعود من جديد الى دوامة الانتظار ومستودع من حنين في سحابة من الفراغ…. الساعات بطيئة والروح تئن

وتصل الى اذنها رنة صغيرة انها رسالة وصلت للتو

_((أمي الحبيبة كل عام وانت بألف خير اعتذر لا استطيع الاتصال اليوم انا بالعمل قبلاتي ))

نسمات انفاسها تنغرس في تفاصيل خطوط الهاتف المتشابكة تتشتت في بقايا اوجاع مبعثرة تزيح الستار عن الروح التي لم تعد قادرة على ترميم ذاتها وتصليح ما تصدع من جدران القلب الحائلة للسقوط

مر اول يوم من العيد حزينا دقائق الرحمة لم تفتح لها الابواب فرغ الكون يا ولدي لقد انتظرت العيد طويلا كي اسمع صوتك ….ايتها الحياة كوني رحيمة بي غدا فكل ما احتاجه هو بعض لحظات اغرسها في عمق الروح كي تعيد لقلبي ايقاع نبضاته

لا تعليقات

اترك رد