سوريالية الحرف في الخط العربي ..تشكيلات الخطاط خالد الخالدي

 

تمتاز السوريالية بالخروج عن المألوف والاعتيادي وملاحقة عوالم من الفنطازيا السلوكية ذات الابعاد فوق واقعية ظهرت مع الفن الحديث كمدرسة في الرسم الفرنسي – الاوربي خلال محاكاة الجمالي والاخلاقي , حيث الفن بمجمله كما صنفه “ارسطو” ضرب من القدرة على الانتاج يقودها العقل الحقيقي “بعد توافر النظم الاساسية للامتثال في الوحدة والنظام والتناسب , اذ ينبغي للاثر الفني ان يكون واحدا كافيا ذاته بذاته خاليا من العناصر الغريبة التي من شأنها ان تسهم في خلق الاعتدال والتناسق , عليه ان جمالية ماذهب اليه “خالد الخالدي ” في توظيف غير المألوف من نتاجات العقل في الخط العربي بوصفه اداة لانبثاق الحكم الجمالي في سورياليته الفنية التي حاول فيها تفسير التشكيل بلغة الخط كما العكس واعتماده بالتركيز على اللوحة الخطية كونها جسد تتشاكل فيه جمالية العقل الرياضي .

لقد رحل “الخالدي” العديد من بنيات التشكيل في الرسم نحو بنية الخط العربي فيما اكده المكان ذي العلاقة الشرعية بخاصية الحرف ونسبته كالاستقواء والاسترساء والاستعلاء والامشاق والاستطواع والى غير ذلك مبينا ان لا حدود في ان الواقعية تبقى كلاسيكية النشأة لكنها قفزت بمستوى استعلائها فوق تراتبيتها مما ارسى بنية ائتلافية جديدة جعلت من النص الخطي نصا

يتبادل الاثر والتأثير في (الواقعي والسوريالي ) وكلاهما نهج فني يصب في العمل الفني التشكيلي لارتباطه بحركة الرسم من جهة وحركة الخط من الجهة الاخرى , هكذا اصبحت اللوحة حاضنة النص بل ومرجعيته , من هنا نرى ان ماطرحه “الخالدي” اشارة تمت بصلة اكثر مجاورة واكثر اتساقا للشكلية واللونية مثلما جاء بها (دالي ) في ان الفعل الفني تلقائي نفسي يعتمد على التعبير عن الافكار اللاشعورية والايمان بالقدرة على التخطيط بعيدا عن الانفعال , اي بمعنى التخلص من التقليد حيث اصبح الحرف العربي بانواع مرجعياته ومسمياته “الثلث والنسخ والاجازة والديواني وحتى الكوفي ” مفعما بالتركيبات الغريبة لاجسام غير مرتبطة ببعضها البعض من اجل خلق احساس بعدم الواقعية في اعتمادها الشعور مقابل اللاشعور سلفا .

فكان ذلك الترحيل بداية اهتمام بالشكل لا المضمون على عكس ما ارسته السوريالية لا يختلف عما سلف التوصل اليه لذا تبدو لوحات “الخالدي” معقدة غامضةرغم وضوح تحليلها في ان الحرف العربي لديه عصي يتكرر يتقاسم المكان كلما كان للخطاط طواعية ومرونة في التنفيذ , لا شك انها حملت رمزيتها العالية بأن الحرف العربي لا متناه ولوحته الانموذج تتضح فيها مجموعة من الكلمات ترافقها حروف ملونة مشقت بخط التعليق الفارسي كلما تقدمت صدارة بنيتها الخطية او ما تأخر في نهاية لا تتضح مع تداخل الحرف بالحرف واللون باللون وهذا يمكننا كمتلقين ومتذوقين ودارسين لمنتجه علينا البحث في ايجاد سببية الانفعال ومغزاه , بمعنى وجود مدعاة الى ان النص الحروفي نصا يتكاثر ويتجاهز بل ويتعالى امام استظهار تقانات السرد السوريالي للحرف الممشق وتكثيف رمزيته على النقيض من اختزاله كما عملت الشكلية السريالية ولو اننا لسنا بصدد المقارنة بين مدرستين سورياليتين سيما ان الجوهر سيبقى ذاته في المفهوم العقلي والنص الفني , فالخط العربي هنا ولاد بكري يبتعد عن العقمي تمثله فنون التشكيل بخبرة عالية واداء دقيق .

من هنا ان الكثير من الخطاطين المعاصرين ومنهم (خالد الخالدي من الجزائر وحيدر الشيباني من البحرين وعلي الحساني من العراق ووحيد الزواوي من مصر وغيرهم وهنالك مصممون وخطاطون رقميون اتجهوا لذات الفعل .واغلبهم تأثروا بهذه الحركة الحداثية المعاصرة (سوريالية الحرف ) للخروج على المألوف مع بعض التوسيع والتنويع باستخدامهم القوالب النمطية المتقاربة والمعايير الجمالية القائمة على التمايز لا على اساس جنس الخط العربي او مثيله وانما لا غراض رغبوية في فك شيفرة الغموض والتحول من الواقعي في الخط الى سورياليته حسب تفسيرنا فضلا عن ان سوريالية الخط تبقى تعبير عن الوعي وليس عن اللاوعي الا ان ذلك كان مثار جدل حقيقي ولا زال عند الخطاط العراقي الراحل عام 2018 محمد داعي الحق حينما استهجن التشكيل الخطي ودعاه بالخروج على الاب والعائلة بوصفه انه العبث والفوضى , متناسيا ان الحرية في التعبير عن النص الخطي المتطور ليس حكرا على زمان او على شخص كونها اصبحت مرادا لا يخلو من السهل والمعقد والمركب على الرغم من انتشارها في الوسط العربي تحديدا , عليه ان الحركة السوريالية في الخط العربي هي التقاء بين ثقافات استطيقا الحرف ونزعته الذاتية وهي ليست مجرد تخاطر او استعارات فحسب وانما هي الخروج على الكلاسيك ان صح التعبير .

4 تعليقات

  1. تحية تقدير لكم سيدي حضرة الدكتور حازم العيدي من العراق الشقيق وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على إهتمامكم اليافع بالحركة التشكيلية العربي ومقارنتها بالحركة التشكيلية العاليمة خالص الود والحب إحترامي

  2. ما دام هناك نقاد منصفون أمثال الدكتور حازم العبودي فالساحة الفنية بخير، لأن الفنان خالد خالدي قامة سامقة في الخط العربي والفن التشيكلي وتراثه ثر جدا ومادة دسمة للنقد البناء

  3. طرح رائع لموضوع السريالية في الخط العربي… ربما الموضوع يشبه التجريد في الخط أو اللوحة الحروفية … لكن بأسلوب آخر جديد … تمنيت لو أرفق الموضوع بأعمال فنية

  4. مقال جميل، تناول تشكيلات الفنان القدير “خالد خالدي” المتميزة.
    شكرا للكتور الفاضل، وتمنياتنا بالنجاح والتألق لفناننا الراقي.

اترك رد