حب خلف الكواليس


 
الصدى - حب خلف الكواليس
لوحة للفنانة سهى المحمدي

الشخصية الازدواجية للفرد العراقي متأصلة جذورها لسنواتٍ غير معرفة ولكن بعد سقوط النظام العراقي السابق في عام 2003 وحتى هذا اليوم لم يشهد العراق السلام والديمقراطية الصحية التي كان موعود بها كل تلك السنين.

بات حال المجتمع العراقي لا يقل شأناً عن المشاهد التلفزيونية المثيرة اما للتشويق تارةً وللاستفزاز والتأسف على ما الت اليه اوضاع البلاد تارة اخرى. مشاهد تأتينا ليست بجديدة او غريبة على المتلقي العراقي، فهذا واقع مجتمع يكابر كثيراً على نفسه، ولكون الاحداث السياسية المتصاعدة في وطنٍ اتعبته الحروب والمؤامرات من قبل المرضى سياسي الداخل وعرابين الدم والاقتتال الطائفي في الخارج تكاد تكون خارجة عن نطاق المألوف، فنحن بلد المفاجئات دون ادنى شك في ذلك. واعتقد بان النظام المجتمعي والطبقي تحول الى اجزاء وفرق مقسومة الى نصفين النصف الكاره والمحب بالوقت ذاته..

نصف المنظر في الوطنيات والنصف الأخر المحتج على تلك الوطنيات ( هو نفس الشخص يتغير حسب الموقع الجغرافي والاجواء المحيطة به سواء عن قناعة تامة او تحشيد من قبل اطراف اخرى النتيجة تبقى هي ذاتها ).

الشخصيات ذات الطابع المزدوج، متأصلة في طبائع شعوب المنطقة العربية بشكل عام والعراقية بشكل خاص، مستغلين بذلك حجج كثيرة منها الظروف، او كرد فعل لممارسات معينة تكللت بالاضطهاد والتعنيف والتنكيل بطائفة ما ، او لو كنت من اصحاب المعتقدات والمبادئ المختلفة عن ماهو شائع في المجتمع فحتماً ستتلقى نصيبك من التنكيل والتسقيط بكل صغيرة وكبيرة.

سنلاحظ ايضاً سوية، مشهد اخر بات التحدث فيه اشبه بالروتين الممل ولا جدوى من ان نرى من خلاله شيء جديد يوحي لبداية أمل جديد او تغيير ملموس كي يعيش العالم بسلام. ويا ترى كيف للعالم ان يعيش بسلام؟ وهو محروم بل مجرد من ابسط حقوقه التي خلقها الله لنا بالفطره الا وهي سمة الحُب.

كيف بامكان الحب ان ينتصر ولا يهم الطائفة او الخلفية الثقافية والبيئة التي قدمت منها. الأهم انك عراقي ، حاملاً للجنسية العراقية التي تؤكد على اصالتك وحبك الذي لا يختلف عليه اثنان في أي زمانٍ ومكان. وما أجمله من حوار وطني رومانسي بحت الذي لم يستمر سوى لدقائق معدودات لأن المخرج ( المعترض ) دوماً كيف للأخر ان يسلك حياته بالطريقة التي يراها هي الامثل والانسب لقناعاته، ونفسيته وما يتقبله عقله ويرضيه. وهذا بالطبع، مالا يرضاه المجتمع العشائري وتعصبه الذي يعود الى القرون الوسطى. متباهين بالشعارات والاقوال لا الافعال. لأن الافعال لديهم تكمن في دفن صوتك، وبناء اسواراً من الاعتراضات التي لا تعد ولا تحصى بينهم وبين ابناؤهم الذين يشذون عن قاعدة القبيلة وبعضاَ من عادتها المقيدة التي تتنافى مع المنطق والشعور بانك انسان ترغب ان تكون لك حياة مغايرة ومختلفة عما عاشها اجدادك واجداد اجدادك.

مؤلم ما نراه، وهذا واقع مرير يحدث ربما كل يوم داخل سور الوطن او حتى خارجه. يا ترى اجيالنا القادمة على اي مبدأ ستترعرع؟ واي صفات يجب ان تتحلى بها؟ وكيف يمكنهم التعايش بمبدأ تقبل الاخر المختلف عنهم سواء في المذهب، الدين ، اللون او الجنس؟ وفق اي اعتبارات وعلى اي معايير يمكننا اقناع اولادنا غداً بان لهم حرية الاختيار والحب المجرد من تسميات او عقبات وحواجز خلقت لنا الكثير من الويلات والامراض العضال في مجتمعٍ عانى ما عاناه من سياسة الفزع والتهديد اللاارادي؟

جميل جداً ان تلعب دور البطل الوطني العاقل امام الكاميرات والملئ يتابعك وانت تعطي نظريات وخطب في مبدأ التلاحم الوطني وان الحب حق مشروع ومقدس ويجب ان يعلو صوته فوق صوت وضجيج الاعتراضات الطائشة التي لا تأتينا سوى باحقاد مدفونة وغصة في القلب تبقى محفورة ومخلدة في الذاكرة، نتوارثها جيل بعد جيل. ولكن من المؤسف جداً انك تقوم بتمثيلية بائسة امام الناس حين تتصدر الجلسات، او اللقاءات التلفزيونية، وربما سيكون لك ظهور مميز في ساحات الاعتصام، او بمنظمات حقوق الانسان، ولاسيما المرأه التي باتت هي الاخرى قضية يتاجر بها كل من هب ودب فقط للتباهي والاستعراض المزيف لان اغلبية كبيرة من الناس والمقربين اليك يعلمون مسبقاً افكارك، واهدافك التي باستطاعتها تهديم اي اسرة صغيرة، او حلم من احلام الشباب البسيطة. من المؤسف ان تكون تلك المثاليات امام الشاشة او من على منصات الخطابة ليس اكثر، ولكن ما يدور خلف الكواليس ماهو الا قساوة ومرارة كبيرتين يقع ضحيتها ابطال المشهد نفسه ( المغلوب على امرهم )، ومن يأتي بعدهم ليُكمل نفس التمثيلية والاستعراض اللفظي والمعنوي مع اضافة بعض من الحركات البهلوانية ان لزم الأمر كي تكتمل لنا باقة المسرحيات الهزلية التي لا تأتينا من عدم حتماً، بل هي ليست سوى نتاج متكامل ومتقن لسنواتٍ طوال من صراعات عقيمة لقيم نعيشها (( كلامياً )) فقط وما الواقع الا صورة مفعمة بالذم، والاحقاد الدفينة والرفض القاطع لكل ماهو يخالف الاعراف، التقاليد، اللون، الطائفة، حتى اوصلونا الشراذمة بان نختلف مع بعضنا البعض على طريقة ملبسنا، وهل تتلائم مع الاعراف والتقاليد ام لا؟

فما بالكم لو اقبلت فتاة من بناء علاقة حب عذرية، شفافة وصادقة مع احدهم، واحدهم هذا قد يكون مختلفاً عنها في المذهب او الدين، او المكانة الاجتماعية، او توجهات اهلهِ السياسية بعيدة كل البعد عن توجهات أهل الفتاة وليس هذا فحسب ولكن قائمة المستحيلات في المجتمع العراقي المنغلق والمغلف بالخوف والفزع من اي شيء يبعث روح الأمل والطمأنينة الى شبابنا في هذا العصر الأسود. بل ولما العجب اصلاً؟ ان كانت بلادنا تحتضر مابين الرجعية والتدين الكاذب، ويترنح على خطٍ مائل مابين الفساد على كافة الاصعدة ومابين التكذيب والنفي لما هو مفضوح علناً امام الشعب المغلوب على امره وامام المجتمعات الاخرى التي لا تستطيع ان تفعل شيئاً حيال ما يجري من تردي وتشوه متعمد من قبل منظومة الدولة الظالمة، وطغيان المتنفذين مما يسمون انفسهم بوجوه المجتمع العراقي وهم لم يقدموا اي شيء يُذكر لابناء مجتمعهم يعود بالمنفعة والنهوض من البؤس المستشري داخل المنظومة العشائرية، الأسرية، وحتى الفردية لشرائح كثيرة غير مسموعة بل وليس باستطاعتها ان ترى النور لأن العكس سيكون محيهم بشتى الوسائل كي يبقى حال البلاد على ماهو عليه لا يحرك ساكناً الا عند ازدياد الامر سوءاً ليس الا.

لا تعليقات

اترك رد