الأبيات السائرة

 

تتردد على ألسنة الكثير من الناس أبيات شعرية ، تحمل حكمة أو مثلا ، تنتشر للمغزى الجميل الذي تتضمنه ، ويقبل على سماعها أو قراءتها الكثيرون ، ممن يجدون فيها عبرة وموعظة ، ودرسا مستخلصا من دروس الحياة ، سجّله ذوو الخبرة والتجربة الطويلة ، بعد أن صارعوا أهوال الدنيا ، وعرفوا حقيقة ناصعة مفادها : اَنه لاشيء سهل أبدا ، وانه يجب أن تكدح ونناضل ، كي نحقق بعضا من أحلامنا ، فالحياة ليست مفروشة بالورود والرياحين ، بل يجب أن يتهيأ الإنسان ويبذل الجهد ، ويتعلم منها وفيها كل يوم ،و يثابر على المعرفة، ويدرك أن الطريق عسير ، وقد نسقط في أوله ، وان الضعف والخنوع لن يوصلانا إلى شيء ، هذه الأبيات الشعرية نحفظها غيبا ، ونرددها في مواقف نقع فيها ، مدركين إن موقفنا الشائك ذاك، يشبه إلى حد كبير ، ذلك الموقف البعيد الذي وقع فيه الشاعر ، ووجد فيه أشواك العسر والصعوبة ،وناضل كي يخرج منه بسلامة ، وقد ازدادت صلابته ، فقال بيته الشعري ذلك ليسترشد به السامعون ، ويتخذونه دليلا وهاديا ، في حياة قلما تبتسم، في وجوه الناس إلا من صّمم ، أن ينتزع ابتسامتها انتزاعا ، رغم الأشواك الكثيرة التي يجدها تعترض المسير ،، أقوال مأثورة قالها المجربون شعرا أو نثرا ، وأعجب بها السامعون أو القراء ، فرددوها كثيرا ، مؤمنين بصحتها ، واثقين من روعة الدرس الكبير، الذي تحمله بين كلماتها القليلة ، فانتقلت بذلك إلى الأجيال ، وسارت بينهم مسرى الأمثال..

والأبيات السائرة هذه وان كانت تشبه الأمثال ، إلا أنها تختلف عنها كثيرا ، إنها ليست نثرية ، وإنما شعرية ، نجدها مبثوثة كالزهور بين دفتي الدواوين الشعرية الجميلة ، التي تركها لنا الشعراء الأقدمون ، وبعض المعاصرين ، وقدموا لنا فيها روائع تجربتهم الحياتية ، في أبيات ساطعة الجمال المعنوي ، وان كانت الروعة الفنية التي تتضمنها مما يختلف بشأنه نقاد الأدب ، ودارسو شروطه ..

عرف الشاعر أبو الطيب المتنبي انه ضّمن ديوانه الكبير ، الكثير من الأبيات الجميلة، التي سرت بين الناس مسرى الأمثال ، يذكرونها كثيرا في المواضع، التي تشبه تلك التي دفعت المتنبي إلى قولها ، كما إن الحكمة الرائعة التي تستخلص من هذه الأبيات ،جعلت الكثيرين يقدمون على حفظها ، وأغلب الشعراء الذين وردت الأبيات السائرة في شعرهم، من أؤلئك الذين لم يعرف اسمهم ، وفي دروس الإنشاء في مدارسنا العربية ، كثيرا ما تأتي تلك الأبيات ،

ويطلب من الطلاب أن يكتبوا موضوعا إنشائيا في مضمونها الفكري، وما تحمله من عبر وفائدة للمستمعين والقراء ، وما تقدمه من نصائح يستفيد منها المتعظون ، لأنهم يجدونها نتيجة تجارب طويلة ،في الحياة ومعاناة تمخضت عنها أبيات رائعة ، فيجد المربون و بناة التعليم ،انه من المناسب أن يقدموا التجارب الإنسانية الصائبة إلى الأجيال ، لتكون عبرة لهم وموعظة في مشوارهم الطويل ، ونضالهم المستقبلي لصنع ما يريدون من واقع ، وليساهموا مع الملايين من أبناء البشرية، في تغيير الحياة إلى الأفضل ، والكفاح في طريق ذلك التغيير ، لأنه لاشيء يأتي بسهولة ، فالطريق شاقة ، تحيطها العثرات ، والورود رغم جمالها ، تعترض سبيلها الأشواك ، فلابد من وخز النحل، والتعرض إلى لسعاتها الشديدة إن رغبنا بالحصول على الشهد اللذيذ..

حكم ونصائح أراد الشعراء تقديمها إلى القارئين والسامعين ،خلاصة جميلة من تجارب مريرة قاسوها ، في حيواتهم ، وأرادوا أن يجنبوا أعزاءهم وأبناءهم ،التعرض مثلهم إلى وعورة الطريق وعثراتها المتواصلة.

فهذا شاعر مجهول الأسم ،يريد أن يبين للناس :انه لا خير أبدا ،فيمن أراد الاستئثار لنفسه بنعم الله ، وحرم عبد الله الصالحين منها ، فنصحهم أن يتصفوا بالإيثار ويبتعدوا عن الأثرة، لأنها داء وبيل :

ولا خير فيمن ظل يبغي لنفسه           من الخير مالا يبتغي لأخيه

إنها حكمة جميلة المضمون ، تقدم العظة لطلاب المعرفة ، وان خلا البيت من شروط الشعر الفنية ، وجاء نصيحة مباشرة..

وأراد شاعر آخر: أن يعبر عن عزيمته الشديدة، وتصميمه على اجتياز الصعاب والتغلب عليها ، ومقاومتها والصبر على مكارهها وويلاتها ، وليبين انه إنسان شجاع ،لا تفل إرادته ، فقدم النصيحة في البيت الآتي :

لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى       فما انقادت الآمال إلا لصابر

الشاعر يخبرنا انه عازم على أحد أمرين لا ثالث لهما ، إما أن يجتاز كل الصعاب، التي يجدها واقفة ،في طريق نجاحه في تحقيق الأمنيات ، أو يموت دون إدراك الأمل ، لان تحقيق الأماني منوط بالصبر على مصاعب الحياة، والإرادة القوية في التغلب عليها ،والانتصار على ضعف الإنسان .

وقدم ابن سينا نصيحة جميلة للشباب: أن يهذبوا النفوس ويقوموها بالعلم والمعرفة ،فهي مثل الزجاجة يمكن أن تكسر بسرعة ، ولأن العلم مصباح يهدي إلى النور، وينبغي للإنسان السير في حياته على هدي تقوى الله والإيمان بقدراته:

هذب النفس بالعلم لترقى              وذر الكل فهي للكل بيت
إنما النفس كالزجاجة والعلم           سراج وحكمة الله زيت

وقال شاعر مجهول الاسم ناصحا الناس، أن يستعينوا بالحركة والكفاح لتحقيق طموحاتهم ، وشبّه الساكنين الماكثين في أماكنهم بالماء الراكد ، الذي يفسد نتيجة عدم الجريان :

إني رأيت وقوف الماء يفسده            إن سال طاب وان لم يجر لم يطب

حكمة جميلة وبيت سائر آخر ، قدم العظة بشكل مباشر ، أخلّ بالشروط الفنية المطلوبة في الشعر.

وهناك شاعر آخر لم أعرف اسمه ، وجدت بيته الشعري خاليا من ذكر اسم الناظم ، يدعو إلى الصبر و إبداء القوة في تحمّل المصاعب، فالتجربة أثبتت أن بعد الشدة رخاء ،وبعد العسر يسرا ، وان الفرج سيأتي بعد انهزام الغيوم الكثيرة ،وان الابتسام سيعرف طريقه الى الوجوه العابسة ، لأنه لاشيء ثابت في الحياة :

وكل شديدة نزلت بقوم          سيأتي بعد شدتها رخاء

إنها حكمة جليلة الفائدة ، استقاها الشاعر من تعاليم ديننا الحنيف ، الذي آمرنا بالصبر لأنه مفتاح الفرج، واستمدها مما وجده في بيئتنا الإسلامية التي تدعو إلى الكفاح ضد الركود والنضال من اجل تحقيق العدالة.

وهناك شاعر آخر أراد أن يقدم نصيحة ثمينة، إلى الأجيال بان يتمتعوا بحياتهم القصيرة ، لأنها ثوان معدودة ، إن مرت ، فلا شيء يعيدها ، وهناك حياة أخرى حتما ، والأحسن للإنسان ان يستغل حياته الأولى في الصالح من الأعمال:

دقات قلب المرء قائلة له       إن الحياة دقائق وثوان

ومن الأبيات السائرة التي تداولها الناس فيما بينهم، واستشهدوا بمعناها في الحث على التفاؤل وترك التشاؤم، والابتعاد عنه لما يسببه من تعب نفسي وشعور بالإحباط ، تتعدى مساؤه إلى الجسد والروح معا ، لا يمكن أن ينقذ الإنسان نفسه من براثنه ، إلا إن غيّر نظرته إلى الحياة ، وأضحى متمتعا بمنظار آخر أكثر جمالا..

قال إيليا أبو ماض:

ٍأيهذا الشاكِي وما بك دَاءُ      كن جميلا تر الوجود جميلا

ورغم إن الناس يستشهدون أحيانا ، بشطر واحد من البيت ، لأن الكثيرين منهم لا يحفظون البيت كله ، فقد اعتادت وزارات التربية والتعليم ان تذكر الأبيات السائرة بشطريها حين تطلب من طلابها أن يكتبوا مواضيع الإنشاء في لغتهم العربية الجميلة..

ومن الأبيات السائرة الجميلة ، التي يذكرها الناس كثيرا ،داعين للاحتفاظ بالصداقة ، وعدم التهور في إصدار الأحكام المتسرعة التي تجعل الصديق يهرب رافضا أن تتعرض صداقته المتينة إلى الشك والنكران ، إنما يجب التفكير مليا، حين تصدر من الصديق بعض الهفوات ، لعل هفوته تلك ناتجة عن سبب يشفع له ، وتجد ه عذرا مقبولا.

قول الشاعر (دعبل الخزاعي) في ضرورة المحافظة على علاقات الصداقة وعدم التسرع في القضاء عليها ، من الأبيات المنتشرة ، لحكمتها وجمال معناها :

تأنّ ولا تعجل بِلوْمِكَ صاحباً        لعل له عذرا وأنت تلوم

ومن الأبيات السائرة الجميلة ، التي تدعو إلى أن يكون المرء متواضعا ، إن هداه الله إلى معرفة احد جوانب الحياة ، وألا يأخذه التيه بنفسه، إلى عوالم لا تحمد عقباها ، قول الشاعر :

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً     حفظت شيئا وغابت عنك أشياء

فمهما بلغت معرفة الإنسان، وكسب العلوم المختلفة ، وأدرك كنه الآداب والفنون ، فانه ستظل أشياء كثيرة محجوبة عن إدراكه ، فمعلومات الإنسان ناقصة ،وان ظن إن الكمال قد يكون حليفه..

ولبشار بن برد: الشاعر الأعمى المشهور ببصيرته الثاقبة ، الكثير من الأبيات الجميلة، التي سارت في الناس مسرى الأمثال ، لما تضمنته من حكم كبيرة ، وعظات جليلة الأثر عظيمة الفائدة ، فقد قال في أحد أبياته السائرة المشهورة :

أعمى يقودُ بصيراً لا أباً لكم      قد ضل من كانت العميان تهديه

هذا الاهتمام الكبير، الذي عرف عن العرب بأبياتهم الشعرية السائرة ، لأنها تتضمن الحكمة والموعظة وسارت بينهم مسرى الأمثال ، التي اعتنى العرب بروايتها وتسجيلها في كتبهم، وذكروا القصص العديدة، التي انبثقت منها تلك الأمثال الجميلة ، مما يدل ان العرب عرفوا بتسجيل التجارب الحياتية ، سواء كانت شعرا أو نثرا ، لأنهم يحبون تقديم خلاصة تجاربهم، والدروس المستخلصة منها الى الأجيال اللاحقة ،لتستفيد منه وتتخذ عبرة ،من لؤلؤ الحكمة و زهور المعرفة المبثوثة بين السطور..

تناول الكثير من الشعراء الكبار، الحكمة في أبياتهم الكثيرة ، فعرفت تلك الأبيات وحفظها الناس ، وترددت على ألسنتهم وذكروها في محافلهم ، ولعل الشاعر الكبير أبا الطيب المتنبي، من مشاهير الشعراء الكبار، الذين أودعوا أقوالهم خلاصة تجاربهم، في الحياة القاسية التي عاشوها ، وأحبوا أن يقدموا تلك الدرر الخالدة إلى قراء شعرهم الجميل.

من الأبيات السائرة في ديوان المتنبي وهي كثيرة ، اخترت هذه الأبيات :”

وقد يتزيا بالهوى غير أهله      ويستصحب الإنسان من لا يلائمه

كثير ا ما يجبر الإنسان على إخفاء صورته الحقيقة ، وكم اضطرت الحياة الكرماء من الناس وذوي المعدن الأصيل ان يظهروا نقيض ما يبطنون.

وقد يجبر الإنسان على صداقة شخص ،، بعيد عنه في الخلق والاهتمامات ، وليس أهلا لصداقته ،، كما يوجد من يدعي الهوى ، في وقت لا يكابد أوجاعه ، وقد تدفع مصلحة معينة على اعلان نقيض ما نبطن لسبب ، وهكذا النفوس البشرية ، خلقها الله متنوعة ، وذات قدرات متباينة ومهارات عديدة ، قد يملك شخص معين بعض الصفات ،ويحرم من البعض الاخر ، فالصراحة وابداء الحقيقة قد لايستطيعه كل الناس ، ويتفاوتون في مدى صحة ما يدعون..

وإذا كانت النفوس كبارا       تعبت في مرادها الأجسام

إذا كبرت همة الإنسان ، وعظمت نفسه ، أتعبت تلك الهمة العالية الجسم ، في الوصول إلى غايتها ، لان الإنسان يتعب جسمه ان كانت همته عالية وطموحه كبيرا ،، وأحلامه من العظمة يستهين معها بالأهوال ، ويعرض جسمه الى التعب والضمور ، وقد أثبت علم الطب ومنذ أيام( ابن سينا )الصلة الوثيقة بما تعانيه الأرواح وما يكابده الجسم

كل عيش ما لم تطبه حمام     كل شمس ما لم تكنها ظلام

أي نوع من العيش لم تكن تحبه ، ولم تطب به نفسك ، وتؤنس روحك بقربه ،، هو والموت سيان ،، وكل شمس مظلمة إن لم تكن أنت هي الشمس أيها الحبيب

وما انتفاع أخي الدنيا بناظره    إذا استوت عنده الأنوار والظلم

اذا لم يكن الإنسان قادرا ،،على التمييز بين النور والظلام ،، فأي نفع يعود عليه من عينه المبصرة ؟؟ شتان بين النور والظلمة ، وعلى الإنسان العاقل الرشيد ،، ان يميز بينهما …. فأعمى البصيرة ماذا يفيده الإبصار ؟ والانوار المادية والمعنوية ان كان الجاهل ينكرها ، فما فائدة نعمة البصر، وماذا يمكن ان يجني اذا لم يستطع التمييز ما بين الظلام والنور؟

شر البلاد مكان لا صديق به     وشر ما يكسب الإنسان ما يصم

شر البلدان مكان يخلو من مخلوق ، نرتاح له ، ونجد في صحبته لنا نعيما واطمئنانا حين تسكن نفوسنا المرهقة ، الى ذلك الصديق ، وتجد فيه توأم الروح وضالة الفؤاد ،، وشر ما يكسبه المرء ، ذلك الذي يكون سببا في عيبه وذله

وكم عانت النفوس الكريمة من ويلات ،لأنها لم تجد الصديق الوفي الذي تعتمد عليه في الملمات ، وتحدثه عن متا عبها في ليل الحياة الطويل ، والذي يخلو من نجم هاد إلى بعض الأمل ، يجعل الحياة محتملة بأعين من فقد جمال الأماني

على قدر أهل العزم تأتي العزائم     وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها    وتصغر في عين العظيم العظائم

إن العزيمة تكون على قدر أهلها ، إن كان الأشخاص كبارا طموحين قادرين على تحقيق أحلامهم ،، كانت عزيمتهم قوية مثلهم ،، وكذلك المكارم تكون دائما على قدر أصحابها ، فمن كان أكرم المخلوقات ،، أتى من الأعمال أكرمها خصالا..

وصغائر الأمور عظيمة ،، في عيون صغار الناس فيستهويهم أمرها ،، ويصفقون لها استحسانا وطربا ، وتكبر شخوصهم في أعين نفوسهم ،اما عظائم الأمور فهي صغيرة في عيون الكبار ،، القادرين على تحقيق الأحلام وتحويلها الى حقائق جميلة..

إذا كان الشباب السكر والشيب همّا فالحياة هي الحمام

وما كل بمعذور ببخل     ولا كل على بخل يلام

لكل حالة ظروفها ، والتعميم ليس محبوبا ، وقبل أن نصدر أحكامنا بشأن ظاهرة ما ، علينا أن نتبين ملابساتها ، أسبابها ، والعوامل التي دفعت أناسا معينين للقيام بها ، أهو ضعف ذات اليد ، أم فقدان الظروف المشجعة ، أو الوقوع بما تأباه النفس وترفضه العقول ؟ فيقدم المرء على العمل المعيب اضطرارا ؟

إن كان الإنسان في فترة الشباب يتصرف كالسكران ،، لهوا وغفلة ،، وفي فترة الشيب ، يغرق في الأحزان أسفا على ما فاته من نفع ،وعلى ما اعترى حياته ، من مرض وضعف وتراجع ،، نادما لما فات من عمره ،، دون أن يستغله في المفيد ،، فان حياته حينذاك تعني الموت ، وهي منغصة عليه في كل مراحل عمره …

وليس كل أمريء بخيل يعذر على بخله ،، الفقير معذور ، لأنه لا يجد لديه ما ينفقه على الآخرين كرما وجودا ، مهما اجتهد ، الرزق عنده محدود ، لا يستطيع معه الإكرام ، أما الغني البخيل ، فلا عذر له في بخله ، لأن الله قد منحه الغنى ، الذي يمكنه من أكرام الآخرين ..

ذل من يغبط الذليل بعيش      رب عيش أخف منه الحمام
كل حلم أتى بغير اقتدار        حجة لا جيء إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليه    ما لجرح بميت إيلام

من يتمنى عيشة الذليل ،، فهو ذليل مثله ، للحياة أنواع بغيضة ، اشد وطأة على الإنسان الكريم من الموت ،، والحلم ،، إن كان من غير قدرة يكون عجزا ، يأتي بغير محله ،، وهو حجة يلجا إليها اللئام ، العاجزون عن التصدي للإساءة ،، فيطلقون على عجزهم صفة ( الحلم ) وهم بعيدون كل البعد عن هذه الخصلة الجميلة ، التي لا تتأتى إلا لذوي المبادئ من الناس ، والشخص الذي لا يحترم

نفسه ، ولا يقدر ذاته ، يسهل عليه ، احتمال الأذى من الآخرين ، وهو كالميت ، مهما جرحته ، لا يستنكر ، ولا يظهر التألّم من الأذى ، وذلك أضعف الإيمان

يرى الجبناء ان العجز عقل      وتلك خديعة الطبع اللئيم
وكل شجاعة في المرء تغني     ولا مثل الشجاعة في الحكيم
وكم من عائب قولا صحيحا     وافته من الفهم السقيم
ولكن تأخذ الأذان منه            على قدر القرائح والعلوم

الجبان لئيم ، ويعرف انه جبان ، وليس بإمكانه ان يكون شجاعا ، لكنه من الخبث واللؤم يحاول أن يبرر جبنه ، انه اتصاف بالعقل ، والاتزان ،، والتفكير قبل اقتحام الأهوال ، والتعرض الى المخاطر ، وجبنه ذاك طبع فيه ،، وصغر همة ..

الشجاعة من الصفات الايجابية الجميلة ، وهي تعين صاحبها ليبتعد من حياة الذل والهوان ، وخير أنواعها تلك التي تكون في شخص حكيم ، امتاز بالدراية ومعرفة الحياة ، والحكمة ، بالإضافة الى الشجاعة ،، وكم من شخص نراه بيننا يعيب علينا الكلام الصحيح ، وليس العيب فيما نقوله ،، وإنما العيب كامن في ذلك المخلوق الذي حرمه الله من نعمة الفهم ، ولم يمنحه العقل ، ليستطيع به إدراك الأمور ،،او فهمها ، بالطريقة الصائبة التي يتميز بها ،، ذوي العقول المفكرة ، كل إنسان يأخذ من الكلام ما يتناسب وميوله ، والأذن ميالة الى سماع الحديث الذي يتلاءم مع قريحة صاحبها ،، ومدى فهمه للأمور

ومن البلية عذل من لا يرعوي      عن غيه وخطاب من لا يفهم

من أعظم المصائب ان تعاتب من لا يفهم أسباب عتابك ، ويظن انه لم يفعل شيئا يستوجب الغضب والعتاب ، عتبك هذا سوف يتعبك ،لأن من تعتب عليه ،، لا يفهم دواعيه ،ولا يجعله بالتالي يكف عن أخطائه بحقك ،، ومن المصيبة ان تخاطب من لا يستطيع ان يفهم معاني كلامك ، ولا يفقه العبرة منه…

أبيات من الشعر جميلة المعنى ، اهتم بها العرب وجمعوها ، مكونين ثروة من الخبرات الإنسانية والتجارب التي مر بها الإنسان العربي ، فصقلت شخصيته ، وأكسبته المعارف الكثيرة، وهي مع الأمثال النثرية من مصادر اللغة العربية الفصيحة التي يعتد بها في المناقشات المعنوية،التي تسعى إلى تثبيت المعاني الجميلة، في نفوس السامعين والقراء العرب ،وتغرس قيم الأصالة في الذائقة العربية ، وتجعل الفكر واعيا يحافظ على سلامة المبادئ الأصيلة ويدعو إلى التمسك بقيم النضال والتعاون، من أجل خلق مجتمع أفضل… وان كان العرب قد اهتموا بالشعر، لتوفره على الاوزان التي تمنحه موسيقى الجمال ، وأحبوه لوجود القوافي ذات الرنين المميز ، ومع عنايتهم بالحكمة، والعظات الداعية الى حسن التصرف ،والاتعاظ بتجارب ذوي الخبرات ، فان الأبيات السائرة تكون أدعى لحب العربي واهتمامه ، لأنها تجمع بين جانبين مما اهتم العرب في ماضيهم التليد، وما زال موضع الرعاية والاهتمام، في وقتهم الحالي وهما الشعر والجمل الوعظية ، وأبيات العرب السائرة تتوفر على الأمرين معا ،

المقال السابقيحيى عبد القهار صيغة وأهداف أعماله النحتية
المقال التالىالقارة الثامنة واحتلال العقول
صبيحة شبر، كاتبة عراقية، بدأت الكتابة في الصحف العراقية عام 1960،أصدرت أربع مجموعات قصص قصيرة:الثمثال من مطبعة الرسالة في الكويت عام،امرأة سيئة السمعة ،لائحة الاتهام تطول ،التابوت ،لست انت صدرت عن دار ضفاف لها اربع روايات الزمن الحافي رواية مشتركة مع الادبا العراقي سلام نوري ، العرس رواية صدرت عن ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد