الفيلم العراقي تحت ظلال الدكتاتورية – الجزء الثاني

 
الفيلم العراقي تحت ظلال الدكتاتورية

ان ما مر به الفيلم العراقي خلال الحقبة الدكتاتورية يمكن تقسيمه الى مرحلتين وهما:

المرحلة الاولى  تبدأ هذه المرحلة منذ بداية السبعينات حيث التوجه العام للسلطة الحاكمة يقترب اكثر فاكثر من الثقافة بكافة انواعها، محاولا اظهار الاهتمام المتزايد من اجل ترسيخ واعلاء شأن الثقافة الوطنية كي تستطيع ان تساهم مع الحركة الوطنية السياسية للارتقاء بالوطن والمواطن. وبقدر هذا التحرك في المجال الثقافي كان التحرك اكثر دينامية في المجال السياسي الداخلي و الخارجي . وكما قلنا كان الهدف الاساس والتوجة المركزي هو تجميل وجه البعث امام الحركة السياسية الداخلية وامام الرأي العام العربي والدولي . وفعلا بهذه الطريقة الثعلبية استطاع النظام البعثي ان يكون علاقات متينة على الاصعدة كافة مع محيطه العربي والدولي، مستغلا استغلالا كبيرا ما تسميه ( الانجازات الوطنيةوالقومية التقدمية )التي ساهمت بها الاحزاب المنظوية تحت قيادة البعث في الجبهة التي اعتبرت الانقلاب الذي جاء بالبعث الى السلطة بالتغير الثوري الحاصل في17 تموز 1968.

في تقديري لم يكن نهج البعث كحزب سياسي او حتى فيما بعد عندما اتخذ النهج الفردي الدكتاتوري يسير بمعزل عن المجريات التاريخية التي غالبا ما تكون فيها الكثير من حالات التشابه او حتى حالات التقليد. فالطغاة هم ذات الطغاة ، والدكتاتورية هي ذات الدكتاتورية وان اختلفت الاماكن والازمان. ففي المانيا وبطلب من( هتلر) قام( جوزيف غوبلز) وزير الثقافة الالمانية بأنشاء وحدة انتاج سينمائي،لانه كان يتمنى ان يضاهي السينما الروسية ،واستقر رأيه على استدعاء المخرج (فريتز لانج) وعرض عليه منصب مدير السينما ليفرض عليه شروطه باخراج افلام دعائية .هذه الحادثة الشهيرة تذكرنا بما حدث لفيلم (بيوت في ذلك الزقاق) بعدما تعرض المخرج قاسم حول الى تهديدات وضغوط شديدة لتغير واضافة مشاهد وحوارات ترتأيها السلطة، وحين هاجر المخرج رافضا تلك الاملاءات قامت السلطة بتغير واضافة ما تريده، لقد كانت هذه الجريمة الكبرى وهي اول الخطوات القسرية التي بدأتها الطغمة الدكتاتورية في اخضاع الثقافة لرغباتها وطموحاتها. ان اقحام مواضيع او حذف مواضيع بشكل اجباري على الفن السينمائي لم تكن حالة طارئة ، بل هي خطة مدروسة وضعت تفاصيلها من قبل القيادات العليا للبعث، وهي خطة تعمل جاهدة بالممكن من اجل الوصول لما هو اهم من ذلك ، ونقصد به تمجيد الفردية للوصول الى تمجيد القائد ، وهنا لابد من خضوع الجميع لهذه التعليمات وان الخروج عنها يعني الوقوف الى جانب الاعداء .وهذا يذكرنا بالقائمة السوداء وما عملته لجنة النشاطات المعادية في مجلس النواب الامريكي في فترة صعود المكارثية، حيث” انها خلقت مناخا من الخوف في كل اوجه الثقافة الامريكية كما يشير المخرج الناقد الامريكي( جون هوارد لوسون) في كتابه الموسوم ب(السينماـ العملية الابداعية) “ان الخطر الاكبر الذي اقترفته القائمة السوداء بشكل يتعذر اصلاحه هو في تاثيرها على مضمون الافلام.فلم يشجع الخوف على التجريب، واعاق روح المبادرة ، وبلد الاحاسيس الاخلاقية”.

وكان الناقد مهدي عباس امينا حينما اشار في كتابه الموسوم ب( كتابات في السينما العراقية)الي “اشهر قضية لفيلم عراقي مع الرقابة كانت قضية فيلم( بيوت في ذلك الزقاق ـ) 1977حين اعترضت الرقابة على مشهد النهاية وتم تصوير مشهد بديل على يد مخرج اخر”!!! بهذه الدناءة يظهر الوجه الحقيقي للدكتاتورية في تعاملها مع السينما عندما لاتكون الاخيرة تسير حسب هواها. من هذه الحادثة بدأت الهجمة الكبرى في فرض المواضيع التي يجب ان تنتج كافلام. فكان اولها فيلم (النهر) اعداد عن رواية ( النهر والرماد) تاليف محمد شاكر السبع ، سيناريو واخراج فيصل الياسري مدير التصوير نهاد علي تمثيل سامي قفطان، هناء محمد، كريم عواد، هنا يمكننا ان نقارن ما بين فلمين لذات المخرج وهما (النهر) وفيلم( الرأس) تصوير ماجد كامل تمثيل قائد النعماني، قاسم الملاك، فوزية الشندي اضافة الى ممثلين من لبنان وسوريا. اول ما يظهر لنا الاختلاف الكلي للعمل الابداعي عندما يكون ضمن محيط الحرية والقناعة وكيف يكون عندما يفقد الحرية والقناعة ، لذا ارى ان التعايش والانسجام مع موضوعة فيلم( الرأس) كانت اكثر متانة وقدرة ابداعية على عكس ما كانت عليه في فيلم(النهر)بحكم النغمة الدعائية السياسية التي سادت الفيلم، حتى ان المعالجة الاخراجية لم تكن بذات المستوى الذي رأيناه في(الرأس) اوفي بابل حبيبتي، بل حتى في فيلم( القناص) الذي لاادري ما هي اسباب انتاجه!!! لذا فان الفن حين يفقد حريته لا يمكن ان يكون فنا، بل يصبح رمادا يطفيء شعلة الابداع الكامنة في ذات الفنان.

لذا مر فيلم ( النهر) عابرا لكن تمت الاشادة بفليم الرأس كما يشير الناقد عباس مهدي”اختلف النقاد في تقيم الفلم عند عرضه لاول مرة قبل خمسة عشر عاما فالبعض اعتبره حقل تجارب وبوتقة اختبار لامكانات دائرة السينما والمسرح التقنية فيما اشاد البعض الاخر بوصفه يحمل موضوعا جيدا على السينما العراقية” وتتوالى قسرا الموضوعة الحزبية داخل الافلام الروائية حيث انتج فيلم(الاسوار) اعداد عن رواية عبد الرحمن مجيد الربيعي( القمر والاسوار)سيناريو الصحفي المصري صبري موسى!! حوار موفق خضر تصوير حاتم حسين تمثيل سامي عبد الحميد،ابراهيم جلال، غازي التكريتي، طعمة التميمي.وكذلك فيلم (الايام الطويلة)وغيرها ناهيك عن عدد كبير من الافلام الوثائقية الدعائية ، وقد وصل الامر الى اللجوء للتاريخ من اجل اثارة النعرات والفتن الطائفية وما شابه من الفساد السياسي وذلك عبر انتاج افلام ضخمة التمويل المالي مثل فيلم( القادسية) وفيلم(الملك غازي) الذي كان اخر امراض الدكتاتورية حيث استهلك ميزانية الانتاج السينمائي بكاملها عموما يمكن القول ان واحدة من الاشكاليات المزمنة في حركة الفيلم العراقي هو انه لم تظهر محاولات تجريبية بالفهم الدقيق لهذا المصطلح ، فاذا تواجدت، افتراضا،فانها في غالب الاحوال لم تكن قادرة على احداث نقلة نوعية في الصناعة الابداعية للسينما.فاللمسات الابداعية التي تظهر في هذا الفيلم او ذاك لن تحدث انعطافة بارزة في نقل الفيلم العراقي الى مرحلة جديدة لتظهر ، على سبيل المثال، اسلوبا حديثا اوطريقة خاصة او حتى نهجا معينا يكون مرادفا ومتلاحقا مع مسيرة كاتب السيناريو او المخرج او حتى مدير التصوير.

فاذا افترضنا ، وهذا ما صرح به العديد من المخرجين بصفة خاصة، انهم يتقاطعون مع اهداف الفيلم المفروضة قسرا وهم لايتعايشون مع تلك الافكار ، بمعنى انهم يخضعون لحالة اجبارية في صناعة الفيلم.السؤال هنا هل هذا يمنع ظهور مستلزمات العملية الابداعية الكامنة في عقل صناع السينما؟؟ ارى من تجارب عالمية اثبتت لنا خطأ هذا الفهم. فكم من المخرجين الذين فرضت عليهم نصوصا معينة استطاعوا ان يجعلوا من ابداعاتهم الفنية تطغي على تلك الشروط الدعائية . هنا يتبادر الى الذهن تجربة المخرج الشاعري الكبير(تاركوفسكي)حيث بدأت مشاكله مع السلطة السوفيتية بعد فيلمه( اندريه روبليف)، وطبقا لمقولة (دوستوفسكي)في ( الشياطين) ان الشعب هو الذي يحمل الله في اعماقه)التي لم تقبل بها السلطة السوفيتية التي كانت نوعا ما راضية عنه بسبب فوز فيلمه(طفولة ايفان) في مهرجان فينيسيا( البندقية) عام1962. وقد دافع عنه( جان بول سارتر) في مقال نشره في جريدة الحزب الشيوعي الايطالي( اونيتا)بعد تعرضه الى هجوم من قبل النقاد الفرنسيين. المرحلة الثانية وهي المرحلة التي بدأت مابعد اندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية 1980ـ1988 والتي كثيرا ما اطلق عليها حرب بلا معنى التي استنزفت الاقتصاد العراقي والطاقات البشرية وما آلت اليه من خسائر فادحة في تاخير النهوض السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي نتيجة منطقية لما حصل في العراق مابعد غزو الكويت ومن ثم اسقاط الدكتاتورية في9/4/2003 من قبل قوات التحالف.

ظهرت في هذه المرحلة مجموعة كبيرة من الافلام لم يسبق ان ظهرت بهذا العدد مقارنة مع العقود السابقة . هذه المرحلة تشمل انتاج الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. قوبلت الكثير من هذه الافلام ، التي يمكن تسميتها (افلام الحرب) بعدم استحسان الجمهور والنقاد على حد سواء.فهي اما تكون تحت مستوى صانعيها او انها اسهمت في الترويج الدعائي الطاغي على حركة الفيلم الابداعية مثل (حب ودراجة) و(المهمة مستمرة)و(الفارس والجبل)وقد واجهه هذا الفيلم انتقادات حادة من قبل المعنيين بالسينما باعتباره فيلما لا يتناسب مع حجم الكادر الفني الذي يقف خلفه وعلى رأسهم محمد شكري جميل الذي سبق وان قدم افلاما فيها من اللمسات الفنية ما يدل على قدراته وامكانياته الفنية والفكرية. لقد سبق لي وان ناقشت هذه الظاهرة في دراسة نشرتها في مجلة (الحكمة) العراقية وتحدثت عن النجاحات والاخفاقات لذات المخرج، وقد توصلت الى استنتاج مفاده ان بعض افلام تلك المرحلة ياتي نجاحها عبر مصادفات وليس ناتج عن دراسة مسبقة ، والا ماذا يعني نجاح فيلم(الضامئون) وحتى فيلم( الاسوار) وفشله في الافلام اللاحقة ؟؟.

اليس هذا يتناقض مع حركة التطور الفني التي تؤكد على ان تراكم التجربة تخلق خبرة متراكمة تدفع بالفنان نحو الافضل في العملية الابداعية . يبدو ان الحال هنا تاتي على عكس حكمة التطور الفعال في الحياة العامة والخاصة. 10 وتوالت افلام اخرى تطرقت للحرب بشكل مباشر كفيلم( الحدود الملتهبة) لصاحب حداد و(المنفذون)لعبد الهادي الراوي و(صخب البحر) لصبيح عبد الكريم ، وافلام كانت الحرب خلفية لاحداثها مثل( البيت)لعبد الهادي الراوي و(شيء من القوة) كارلو هارتيون وغيرها. ومن الظواهرالاخرى التي رافقت هذه المرحلة محاولة الفنان السينمائي الابتعاد قدر الامكان عن موضوعة الحرب واللجوء بحذر الى موضوعات اخرى يغلب عليها الطابع الكوميدي ،او اللجوء الى مواضيع تعود الى عقود سابقة ، او افلام يغلب عليها الطابع الذاتي. وقد برزت افلام الكوميديا مثل(افترض نفسك سعيدا)وهو فيلم يميل الى نمطية التفكير وتقليدية المعالجة، الا انه قدم مواقف كوميدية تلامس مشاكل الواقع الاجتماعي والحياة اليومية للانسان العراقي، كذلك فعل المخرج ذاته في فيلم( السيد المدير) الا ان فيلم ( البيت) يقف كافضل فيلم له .وفي تصوري اجد المخرجة خيرية المنصور الوحيدة التي استطاعت ان تواصل عملها مع السينما الكوميدية وتظل بعيدة عن موضوعة الحرب، حيث استطاعت ان تقدم فلمين هما(سته على سته) و( ميه بالميه). ويدخل فيلم(وجهان في الصورة) ضمن توجه الافلام الكوميدية .

اما الافلام ذات الطابع الذاتي واغلبها اعتمدت على الادب الروائي العراقي متمثلة بفليم(اللعبة)اخراج محمد شكري جميل عن رواية يوسف الصائغ. بلا شك كان موقف الكثير من السينمائيين العراقيين يقف الى الجانب الاخر من الوضع القائم انذاك . فاذا كان الفهم لهذه الحالة الصعبة التي عاشها المثقف العراقي بشكل عام والسينمائي بشكل خاص،تشبه المناورة مع الدكتاتورية وعدم مواجهتها ، فانه يعني ، من وجهة نظرنا، حالة تحكمها ضرورة الموقف.لذا نجد السينمائي يتوجه في احيان كثيرة الى مواضيع تكون صعبة على السلطة فرض ما تريده.

المقال السابقالبنفسج
المقال التالىمكافحة الفساد في العراق
حسين السلمان المواليد مخرج من مواليد الناصرية – 1950 بدا العمل الفني في منتصف الستينات .. كتب القصة القصيرة و نشر قصصه في الصحف والمجلات العراقية ترجمت بعض من قصصه الى اللغة البلغارية . له اعمال تلفزيونيه منها الكرافة.. الحلم.. بطاقة رجل وغيرها.. اول فليم سينمائي كتبه واخرجه بعنوان الجدار عام 197....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد