المدينة : الاكتشاف الأعظم في تاريخ بلاد النهرين ،، ج٢


 

تطورت التقنيات الاساسية الخاصة بالعيش اليومي للإنسان في منطقة الهلال الخصيب ، ومعها تطورت اساليب العيش واصبحت الزراعة ولحوم الحيوانات الداجنة تشكل المصادر الاساسية للغذاء كما تطورت أنماط الحياة الاجتماعية وتحولت من حياة التجوال الى الاستقرار الجزئي في مستوطنات كبيرة نسبياً ، ثم اخذت شكلاً اكثر تقدماً من ناحية التنظيم والتقنية مع بدء اتجاهها الى داخل بلاد النهرين بدءاً من شمالها وكانت قرية ” جرمو ” ،بالقرب من مدينة كركوك الحالية ، ابرز نموذج على ذلك .

عاش سكان جرمو خلال تلك الحقبة في بيوت متعددة الغرف شيدت بالطابوق الطيني كما استخدموا مواقد من الطين لاغراض الطهي فضلاً عن استخدامهم ملاعق من العظام واستخدموا ايضاً مغازل حجرية لخياطة ونسج ملابسهم اضافة لأستخدامهم إبر خياطة من العظام ؛ لقد صنعوا ايضاً سكاكين دقيقة من الصوان والصهارة البركانية الزجاجية واستخدموا الفؤوس والهاونات لطحن الحبوب وزرعوا الحنطة والشعير وقاموا بتربية الحيوانات ، كما تنوعت أغذيتهم ودخلت في وجبات طعامهم مواد متنوعة مثل العدس والبلوط ؛ لقد استخدموا كذلك الحلي للزينة ، ولعل اهم ماتم العثور عليه من اثار في جرمو شخوصاً مصنوعة من الطين وتمثل امرأة حاملاً بأرداف عريضة بما يفهم منه تجسيد قوى الخصوبة ، وتلك من اولى الإشارات لظهور الأديان ( Roux 44-45 , Hala 3 ) .

لقد جلبت عملية التحول من الصيد كمورد أساسي للعيش الى الزراعة وتربية الحيوانات كنمط للعيش تغييرات جوهرية في نظرة الانسان لمجتمعه ومحيطه . تعتمد حياة الصيادين على اقتناص الفرصة والروح العدائية ، بينما تتسم حياة المزارعين والرعاة بالاستقرار ، وتسير الحياة بوتائر محددة ومنضبطة مثل اعداد التربة والبذار والحصاد والتخزين في مواعيد ومواسم محددة ؛ اظهرت حياة الاستقرار والزراعة والرعي الحاجة الى تكوين اسر كبيرة نسبيا. لان الجميع يجد مايفعله في اطار تقسيم العمل الاسري للمساهمة الجماعية في الانتاج وزيادة الموارد وهو مايفسر امكانية إعالة عدد اكبر من الأفراد ( Foster 9 ) .

لقد صاحبت نمط الحياة الجديد تطورات على صعيد التوجهات الاجتماعية . ان رعاية وحماية الارض استدعت تعاوناً بين الأسر . لقد ساد نظام الملكية الاسرية للحقول والأرض ، كما امتلكت كل أسرة الحيوانات الخاصة بها وقامت برعايتها وقامت بصناعة أدواتها الا ان نوعاً من التعاون كان قائماً بين الأسر التي شكلت المستوطنة ، وتوحدت مصالح واحتياجات هذه الأسر وفي مقدمتها الامن . كان ذلك بداية نشوء نظام جنيني من التنظيم الاجتماعي اكثر اتساعاً من الاسرة ليضم مجموعها الذي يمثل تجمعاً يشبه القرية ( Roux 45 ) . هذا التطور فرضته الحاجة الى تنظيم ادارة جوانب الحياة المشتركة . ويبدو ان الدين في هذه المرحلة مازال شخصياً ولاتوجد إشارات توحي بوجود مؤسسات دينية بصيغة معابد او هيئات دينية متخصصة .

يمكن القول بشكل مجمل ان نمطاً جديداً من الاستيطان اكثر تقدماً عما سبقه من المستوطنات الاولى ، وقد اصبحت القرية هي نمط الاجتماع الإنساني السائد . لقد تكونت كل قرية من عدد من المنازل المتماثلة في حجمها وخارطة بنائها وهذا يعني ان نوعاً من المساواة كانت تسود تلك المجتمعات بحكم اقتصاد الكفاية ، وظهرت الملكية العامة الى جانب الملكية الفردية – الأسرية كمنشأت تخزين الغذاء وربما تكون الحقول وقطعان الحيوانات قد أديرت لصالح الجماعة ، لكن نمط الملكية الخاصة كان واضحاً في ملكية الحقول والإنتاج ( Foster 11 ) .

لقد شهدت هذه المرحلة والتي تقدر بحوالي ٦٠٠٠ – ٥٠٠٠ ق.م. توجهاً متزايداً للتقدم باتجاه الجزء الجنوبي من العراق . لاتوجد ادلة قطعية حول ماحدث ولكن يمكن وضع بعض الفرضيات المعقولة حول ذلك .

لقد ظلت الحياة في المناطق التي شهدت بداية اول أشكال الاستيطان في عموم الهلال الخصيب تقوم على الكفاف والكفاية لإدامة الحياة ، لكن الاستقرار وتغير أنماط العيش وتغير أنماط التغذية نحو الأفضل قد ادت الى زيادة عدد السكان ومن ناحية اخرى فقد تطورت تقنيات الزراعة وتحسنت مهارات الانسان وخاصة مايتعلق باستخدام المياه الجارية وتوجيهها او ربما تخزينها لاغراض الري بشكل تجاوز الاعتماد الحصري على مياه الأمطار الهاطلة . شمل ذلك الاستفادة لاغراض الزراعة من مياه الأنهار والجداول والسيول الموسمية لتأمين ارواء منتظم في ضوء احتمالات تغير الطقس واحتمالات انحباس المطر او عدم كفايته او وقوعه في مواسم غير مناسبة ، كما شهدت المرحلة تطوراً ملحوظاً في الأدوات المستخدمة في البيت وفي الحقل ومنها المحاريث .

ظهرت المحاريث الحجرية لاول مرة كما تنوعت استخدامات الخشب وظهرت حياكة السلال والمنسوجات ودخلت للاستخدام مواد جديدة مثل حجارة الصهارة الزجاجية البركانية المجلوبة من المناطق البركانية من شرق ووسط تركيا ( Foster 9 , Leick 10-11 , Roux 49 ) .

يعتبر ظهور المستوطنات والقرى الكبيرة في وسط وجنوب العراق للفترة ٦٠٠٠ – ٣٠٠٠ ق.م. اكثر التطورات أهمية في تاريخ العراق والحضارة الانسانية بشكل عام .

يختلف المؤرخون والاثاريون في تقسيم مراحل هذه الفترة ، ولكنهم متفقون بشكل عام على انها الفترة التي شهدت ظهور المدن في نهاية عصر المستوطنات الكبيرة والقرى في مناطق الهلال الخصيب ، ثم أعقب ذلك ظهور أشكال عليا من التنظيم الاجتماعي – السياسي خلال العهد السومري المبهر بشكل ممالك كبرى من عدد من المدن الكبيرة وتطور ذلك حتى شملت هذه الممالك أراضي العراق كله ، وظلت تطبع تاريخه بعدد من السمات التي ظلت تلازم حياة سكانه .

يميل علماء التاريخ القديم والاثار الى تقسيم مراحل تطور تاريخ العراق تبعاً لطبقات التنقيب والمكتشفات وتقديرات المراحل الزمنية التي تشملها كل مرحلة . يمكن الحديث بشكل عام عن مرحلة الاستقرار والاستيطان ونشوء القرى ، وهذه شملت العصر الحجري ؛ تلت ذلك مرحلة نشوء المستوطنات والقرى الكبرى ثم المدن ( في مرحلة تالية ) ، والذي توافق مع تطور ملحوظ في الأدوات واساليب الزراعة والري واستخدام الأمطار والآبار ثم استخدام الري النهري والتوجه جنوباً لإشغال معظم السهل الغريني الرسوبي جنوبي العراق وحتى الخليج العربي ؛ تبقى الصورة العامة التي تمثل جميع المراحل هي الاستيطان وتطور أنماطه تبعاً للتطور في المعرفة بتقنيات انتاج الغذاء وأدوات العمل المنزلية والانتاجية ، وبدأت المستوطنات بالتوسع متجهة نحو الجنوب مسلحة بهذه المعرفة والأدوات لتبدأ مرحلة نشوء المدن الكبرى في بلاد النهرين لتبدأ ثورة الحضارة الكبرى .

ماهو جدير بالملاحظة هو ان الاستقرار والزراعة والرعي جاءت حصيلة معرفة واصبح نمط الحياة ذاته مصدراً لتطور هذه المعرفة عن طريق التجربة والخطأ والصدفة أحياناً . لقد حررت هذه المعرفة الانسان من تبعية المكان ورحمة الطبيعة الى حد كبير ووفرت الشروط المناسبة للاستقرار وبالتالي فقد اصبحت المعرفة المتراكمة هي القيمة العليا التي أكسبت المكان قيمته لانها اتاحت إظهار طاقاته الكامنة .

ان المدينة مفهوم جديد مختلف جذرياً عن مفهوم المستوطنة او القرية مهما كان حجمهما . المدينة تعني منظومة جديدة من العلاقات الاجتماعية – الاقتصادية تطورت معها منظومات ادارةٍ الحياة المشتركة لسكانها وفي مقدمتها قضية الامن وادارة موارد المياه ووضع صيغ تنظيمية نعرفها بالقانون ، ومع هذا التطور ظهرت ايضاً العقائد والأيديولوجيات واصبحت في مرحلة ما تحتل موقع المركز في الحياة العامة مع مانشأ عنها من نظام المصالح المادية .

هذه القفزة التاريخية لم تحصل دفعة واحدة بل سبقتها فترة تمهيدية وهي الواقعة بين مرحلة نشوء المستوطنات الكبرى والقرى الكبيرة ومرحلة نشوء المدن السومرية الاولى .

تسمى المرحلة الاولى من هذا التطور باسم مرحلة تل حسونة ( ٣٥ كيلومتر جنوب الموصل ) وهي النصف الاول من الألف السادس قبل الميلاد ( Roux 48 , Leick xxi ) ، والسمة العامة لهذه المرحلة هي التوجه نحو الجنوب وتطور تقنيات الري والزراعة فضلاً عن تطور شامل في صناعة الأدوات الخاصة بالاستخدام المنزلي والحقلي .

مثلت مرحلة حسونة ثورة في تاريخ بلاد النهرين حيث عثر في الموقع على عدة طبقات تشهد على تسارع التطور جيلاً بعد جيل ، وتشير الطبقات السفلى الى وجود مستوطنة بدائية من الخيام والأكواخ ، لكن الطبقات اللاحقة تشير الى توسع في حجم الأكواخ كما تطورت مواد البناء وحلت الحجارة كمادة للبناء ، واصبحت الأدوات اكثر تنوعاً مثل التنور الطيني والسكاكين المصنوعة بدقة من الصوان والصهارة الزجاجية البركانية والمجارف الحجرية والمغازلة الحلزونية ، فضلاً عن استمرار ظهور التماثيل الصغيرة لنساء عاريات ؛ تحسنت نوعية الفخار الذي بدأ يدخل في الاستخدام اليومي ثم تطورت صناعته بشكل ملحوظ مع نهاية الفترة بعد ان كان ينتج في البداية بأشكال فضة وخشونة ، وهو تطور ساد في معظم أنحاء الهلال الخصيب .

( يتبع )

المقال السابقتطور تشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بقيادة السعودية الجديدة
المقال التالىالمشط
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد