البحث عن الله


 

كنت أحب الإختلاء بنفسي على شاطىء البحر ليلا
تحت الأضواء الخافتة فيما وجه القمر يسحرني برقة ابتسامته ويثير انتباهي تسبيح النجوم ليلاً وذاك حين كنت بمدينة رأس تنورة محاذاة الدمام وهي مدينة جميلة للغاية وصغيرة وحين كنت أعود لوطني سوريا , بين مدة ومدة كان من عادتي أن اتجه إلى ذاك المكان للصفو بنفسي بعيدا عن الكون وبعيدا عن الزحمة الاجتماعية المداهمة وذاك
في مكان كنت أشعر بطهره ونقائه , بعيدا عن ضجيج الكون وفيما حتى لو حضر أحدهم ذاك المكان سيدخل بمنتهى القدسية التي يستطيعها ويجلس أو يصلي ويدعو ومن ثم يخرج
في المكان هدوء جم وصفاء كبير , كان ذاك المقام يقع وسط مقبرة المدينة
فيما كنت أدخل بين القبور متجهة إلى المقام المكشوف , في طريق ترابي لا يكاد يتعدى عرضه سبعون سم , وأحيانا خمسون سم , كان يمر ببالي سؤال عن أصحاب هذه القبور والسؤال الذي كان يطرق نفسي هل أعد الجميع أنفسهم لهذا اليوم
هل يفكر الأحياء وهم يجرون خلف مفاتن الدنيا بأننا كلنا على اختلاف تفكيرنا وثقافتنا وعمقنا الثقافي وبجميع مستوياتنا العلومية والإيمانية والدنيوية , في النهاية سنكون هنا تحت التراب , وبتنهيدة لا إرادية أقول ربي أرحمهم جميعاً فكثير منهم لم يكن يفكر بمثل هذا المقام
على الرغم من أن القبور كانت متقاربة الحجم لكني كنت أرى بعضها كبير المساحة وفوقه مساحة من نور
وما أن أصل غرفة المقام حتى تدب في أوصالي راحة عجيبة رغم كل تلك القبور التي حولي , كان شعوري وأنا أتوق لجلسة تأمل يلغي من داخلي كل المحيط الخارجي
رائحة البخور التي كنت أحملها من مكة المكرمة , كانت تجعل الجو معبوقاً بطيب المشم , تلك الرائحة تعانق النفس بقوة وتنفر من روائح بخور تلف بالرأس , كنت أحب حمل بخور فاخر جدا من العود معي لجلب الراحة التأملية وتلك البرودة الناعمة في المكان وذاك الصفاء الغريب هناك رغم حر الصيف خارج المقام المفتوح على السماء كان يمنح شعورا من السكينة مختلفا عما هو في الخارج , و يعطي المكان عبقا خاصا ً ونكهة غريبة , أما تلك الشجرة التي يتناهى عمرها إلى مئات السنين , كانت تثير في داخلي الدهشة لعمرها الطويل فكثير مما خلق الله أطول عمرا من عمر الإنسان , لكن يتبارد لذهني العالم والشاعر والفيلسوف , فهم لايموتون يحيون بعلومهم الإنسانية التي قدموها للكون
أحاديث جدتي رحمها الله وما تعرفه من قصص جميلة عن صاحب المقام وعلومه جعلتني أحببه دون أن أراه , فقد كنت أراه وجدتي تحدثني عنه كنت أظن الجميع يرون ذلك , وفيما بعد أدركت أن الجميع لا يرى ذلك , أحببته لزهده في هذا الوجود ولتعلقه الشديد بالله سبحانه وتعالى رغم ما هيأ له , إلا إن قلبه تعلق بالله منذ صغره بشكل لافت جداً وفتح أبواب نفسه على علوم الدين والحديث والفقه
كانت روحه مع الله أبدا
كنت أحيانا وأنا جالسة انظر للزوار اللذين يشعلون بخوراً ويدعون الله بعد صلاة عميقة , بينما روحي تطوف بالأعلى , لأن للمكان طهر منذ مئات السنين فهولأمام أجله الناس لتقاه وعلمه وورعه وزهده أنه الإمام الكبير محي الدين بن شرف النووي رحمه الله , كانت نفسي تسأل أن الله داخلنا وأنه في كل مكان , فلماذا يعتقدون أنهم يستطيعون الدعاء لله بعمق شديد فقط من هذا المكان في مدينتي هذه
نحن نستطيع أن ندعو الله ونحدثه بما نريد من أي مكان في العالم فهو داخلنا , وليس فقط فوق زرقة السموات فوقنا , تذكرت جدتي رحمها الله تلك الصوفية الجميلة على طريقتها الخاصة , تقول يستطيع المرء أن يدعو الله في كل مكان وزمان , وحين يخطأ ويسارع إلى الله بتوبته فأن الله يفرح أن عبدا له قد عاد إليه نادماً ويسأله المغفرة , وهو الرب الكريم الرحيم
كانت ترى سور القرآن حسب بصيرتها , نعم فقراءة القرآن تختلف من شخص لشخص كُلٍ يقرأ حسب درجة ثقافته وعمق تفكيره ورؤيته
وانفتاح رؤاه التي تجلت له وقربه من الواحد الأحد
فدائما أقول أن قراءة القرآن وفهمه يكون حسب المستوى الثقافي للشخص والمعرفي , وبصيرته وتبصره ورؤاه , وقرب الشخص من الله عز وجل , وهذا الفهم قد يكون فقط للوجه الظاهري للقرآن وما بان منه برأيهم , أما الفئة الأعمق فترى المعنى الخفي , وأما المعنى خلف الخفي فيراه الصوفية الحقة , وأما المعنى المراد بيانه خلف خلف الخفي فيدركه الأولياء اللذين فتح الله لهم أبواباً من العلم , أما المعنى والرؤى التي في عمق العمق والبعيدة ورؤية كل كلمة مفصلة بالحرف يعلمها الرسل والأنبياء وأؤلياء الله المقربون اللذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون , هم أؤلئك اللذين يرون صفوة المعنى في البعيد في السماوات العلا , وأؤلئك لا تأخذهم مفاتن الدنيا مهما بلغت فهم يعرفون أن كل شيء بأمر الله وحده لا شريك له ويؤمنون إيماناً مطلقاً مطلقاً بإرادة الله وحده دون شريك , ولا تغرهم مفاتن الدنيا ولا يغرون بأنفسهم مهما بلغوا من مكاسب الدنيا ,” فالمكسب الرابح هو مكسب الآخرة “.
في ذياك اليوم دخلت وسلمت وجلست انظر لبحيرة الفيروز الناعمة الزرقاء فوق رأسي , بينما روحي تتجه للسماء فوقي وله في الأعلى ولا لشيء دونه , طفت في الكون بفكري , ووجدت أن أجمل اللحظات تلك التي نصفو بها مع الله فيما أرواحنا ونفوسنا وقلوبنا مع الله ولا غير ولا غير البتة
(( من أنا ؟
ولماذا أكون ؟))
وهل قدمت ما أرادني الله تقديمه في هذا الكون , يا ألهي في داخلي جمهرة من الرؤى والمعاني والمجازات تحمل في طياتها رسائل للكون أود قبل أن أموت أن أدونها
كان السؤال يطرق رأسي تلو السؤال . كنت أبحث عن كوة النور التي أعبر بها لروح الوجود دون أن يعيقني شيء ويشغلني شيء , فمنذ كنت أول مرة أدركت رؤية السماء فوق رأسي وتجلت لي لوحات الغيوم سألت أمي ذات يوم وأنا طفلة صغيرة للغاية بشرائط وردية
ماما أين يتواجد الله ؟ كنت طفلة صغيرة جدا جدا تمسكني من يدها , تبسمت وقالت الله فوق , قلت لماذا لا نراه قالت أنه خلف الغيوم وخلف السماء قلت لكن أسمعك تقولين أنه كبير جداً
فكيف لا نراه , تبسمت من جديد وقالت لأنه بعيد , لم تقنعني الإجابة لكني صمتُّ وتابعت معها المسير في مشوارنا الصيفي , والسؤال بقي في رأسي يسأل عن الله وأين هو وكم حجمه حتى أدركت أنه في كل الكون , وأنه داخلنا أليس أقرب إلينا من حبل الوريد وأنه في قلب كل إنسان مؤمن فقلت الوصول يبدأ من القلب قبل كل شيء
وكبرت الطفلة وراحت تبحث في بطون الكتب عما كتبوه عن القرآن وعلومه وعن سير المقربون إلى الله , وكثير من الأسئلة التي كنت أبحث لها عن جواب داخل الكتب , ففي سن الثانية عشرة والثالثة عشرة , كنت أقرأ للأمام النووي ولابن سينا ولعلي كرم الله وجهه ولابن الفارض ولابن عربي … و غيرهم إلى جانب كتب علمية كثيرة وأدبية , كنت قارئة نهمة وفي كل نهاية قراءة كنت أحب الخلوة مع نفسي ومع الله ولا غير
وأنا جالسة استرعى انتباهي رجل مسن أعتقد أنه كان بحدود الخامسة والثمانين عاما , يجلس وسبحته بيده و بين الفينة والفينة ينظر للسماء , فأدركت في وجهه نور رقيق ولطف الدراويش وانكسارهم إلى الله ولا غير , وصفو كبير يعتلي وجهه فأدركت أنه صوفي يأتي هنا للتأمل كحالي , كان يبدو عليه ضعف الصحة والقوة , أقتربت منه وسلمت عليه أريد الاستزداه من علمه مهما صغر أو كبر
قلت طيب الله مساؤك بالإيمان يا جدي وأهلا بك في مدينتنا الصغيرة يبدو أنك زائر للمقام من مكان خارج هذه المدينة , فقال أهلا يا ابنتي
نعم أني أتي من مدينة ( دير عطية ) كلما سنحت لي الفرصة لأختلي بنفسي هنا في هذه البقعة المباركة , فأني من محبي الإمام النووي رحمه الله , فأنا أتيه كل إسبوع أصفو بنفسي وأختلي بها بعض الوقت مع الله هنا بعيدا عن كل شيء وأعود
آوووه ولكن دير عطية على مبعدة ساعات من مدينتنا الصغيرة
قال ولكن ليس على المحب ببعيد
فأدركت أنه صوفي يتعبد الله مثلي على طريقته .
قلت في نفسي ليس بالضروري لنتعبد الله في مسجد ضخم , أو كنيسة عالية أو كنيس كبير .. فها أنا أبحث عنه منذ كنت طفلة في كل ما أراه وأجد حسن إبداعه , وأجد خلوتي معه في كل مكان نقي وفي كل مكان يفضي للسماء وأمام زرقة البحر اللا متناهية وعلى صدر الربيع وفي قبة الليل , وهي تتلألأ بالنجوم التي تبرق بأهدابها ليلاً , وفي جريان درب التبانة وهي تغني ليلا في صفاء الصيف الجلي , أمكنة لايسعني وصفها بحشد من الكلمات , ” وما زلت أبحث عنه في كل خلق خلقه حتى أدركت أنه في ممالكي العميقة من نفسي هناك أرى في كتابه ألطف كلماته , وهناك أسمع حديثه بألطف ما يكون أننا نستطيع استقبال النور الإلهي في كل مكان نريده , وننظره ذلك شرط أن تكون أرواحنا وقلوبنا مع الله ولا غير , ليتجلى لنا البهاء مُكللا الكون كله في طرفة عين , رغم أنني لا استطيع أن أدرك كل بهائه إلا أني أره نوره في قلبي ”

كان يتجمع داخلي الكثير من الكلمات في حب الله وتطفح النفس ببحر رقيق من العشق الإلهي , لكني لم أجد الكلمات التي يمكن أن تسطر ذلك ( أن درب العشق الإلهي لا تلخصه كلمات ) ونشوة النفس والقلب والفكر في ذاك النور لا ترسمه خطوط ممسوكة أو مرئية كما يجب .
كان الشيخ شحيح النظر , متوسط القامة والجسم , أبيض اللحية بإبتسامة لطيفة تنم عن الطيبة اللامتناهية , والنفس راضية بما قسم وابتسامة عفوية ترتسم دون تكلف عند الحديث , و يرتدي عباءة بنية متواضعة وثوبا طويلاً يكتسيه الوقار
وددت أن استمع لبعض ما لديه من علم , ولكن كيف أعرف عليه أن يحدثني لأعرفه ولو قليل من الكلام , السؤال الذي ألتمع بذهني كيف أعلم أنه صاحب علم
قلت له حدثني أرى في يدك مَسّبَحَةَ
أعتقد أن لديك ورداً خاصاً ( أحد الأذكار تكرر بصفاء نفسي ) فتبسم وقال ما أدراكَ قلت أحسست ورأيت ذاك في وجهك
قال .. أقول اللهم صل على سيدنا محمد نور العيون وضياؤها طب القلوب وشفاؤها
قلت أنت تطلب الاستشفاء إذا ؟!
قال .. نعم قال كان لي خالة أصابها مرض في عينيها ذهبت للطبيب أول مرة وثاني مرة وثالث مرة ورابع مرة ولم تشفى
ولكنها كانت فقيرة الحال فلم يبقى معها نقود لتذهب للطبيب وراحت تكرر هذا الورد حتى شفيت , فقلت اللهم صل على حبيبنا وسيدنا محمد خير الأنام
لكن الشافي هو الله قبل وبعد الخلق أجمعين أني لأستحي أن اطلب استشفاء من غير الله وكيف أطلب من سواه والواحد الأحد موجود , أن ما شافى خالتك هي ثقتها بالحي القيوم ولا شك بركة الرسول كرامة الكرامات فيها بركة من الله كبيرة
قال وكلي أمل أن يمن الحي القيوم علي بالشفاء .. قلت لك العافية ما حييت

ليس علم هذا الشيخ من أبحث عنه بعد ما دار بيني و بينه من حديث هناك رجل في داخله محيط أبحث عنه , تلتقي نفسي ونفسه بكل ما أحمله داخلي من معرفة ورؤى وبكل ما يحمله داخله من علوم ورؤى ..
صَمتُّ فالصمت في قواعدي في الوصول إلى النور العظيم لغة تريدنا أن نتوقف تماماً تماماً , و أن نسكن و نطالع ما تريد أن تقوله النفس بهدوء دون أن يكسر تجليها , ولو حرف واحد لنستطيع أن ندرك الغير مدرك ولنرى ما ليس يُرى ففي الداخل عوالم يجدر بنا أن نتعرفها قبل أن نتعرف عالمنا الخارجي , هذا الكون الكبير يسكننا قبل أن نسكنه
من هناك علينا البحث.
أن الله يسكن القلوب المملوءة بالنور , فقبل أن نبحث عنه علينا أن نرى نوره كم بلغ داخلنا , هل اقتربنا بأنفسنا من الله بما يكفي لنمتلىء بنوره ؟
هل نصغي لأنفسنا جيدا حين تريد مخاطبتنا من الأعماق الحقة ؟
هل نسير في الطريق الصحيح للوصول لمنبع النور الإلهي ؟
إن الطريق إلى الله يبدأ بالإصغاء لكلماتنا العميقة لنفوسنا حين تتكلم بصدق متناهي , فيما قلوبنا ترهف الحس لمنبع النور الإلهي
فالله هنا داخلنا في كل قلب يفيض منه النور نجد فيه الله وفي كل نفس تخلص حبها لله , قبل كل شيء فستجده حتما يخلص الحب لها فالله يحب من يحبه وينتظر من خرج عن الطريق أن يعود إليه بقلب خالص لوجهه فيما هو ينتظرنا بحب .

المقال السابقسِرُّ الكـَّلام
المقال التالىدينا غزال.. خزف وجداريات
رشا السيد أحمد أستاذة في معهد الفنون الجميلة لمادة التصوير والنحت فنانة تشكيلية أرسم بكل الخامات أحبها لقلبي الألوان الزيتية أقمت الكثير من المعارض داخل وخارج سوريا الفردية والجماعية أشهر أعامالي العروس بالزي التقليدي والعذراء وشمس ذهبية وطفولة وحرب وهي من مقتنيات المتحف الوطني شاعرة وناقدة و....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات