خيارات


 

غادرت تلك الحفلة مبكرة .. لتلتحق بأخر قطار مغادر للبلدة التي تقيم فيها .. أصرت على ذلك رغم إلحاح صاحبة البيت عليها بالبقاء والمبيت .. لكنها فضلت العودة لدفء سريرها و أركان بيتها الصغير .. ووحدتها التي لاتعلم متى ستنتهي .. ومتى تطرق يد الإنسانية صقيع بابها لتلم شملها مع الحياة ..
على أحد الكراسي الموزعة في محطة إنتظار للحافلات .. جلست تترتقب وصولها وفي ذهنها تزاحمت آلاف الصور .. مزيج من المنفى والوطن .. شكلت فيلما غير متجانس .. في الصورة والموسيقى ..
كانت في حفلة عيد ميلاد ابنة صديقة تعرفت عليها في مدرسة اللغة هنا في المنفى .. تماثلها في السن .. في الحفل كانت على الرحب والسعة من الجميع .. الكل يتودد ويدعو من النساء .. حتى من تعرفت عليهن للمرة الأولى .. ماأشد الإختلاف هنا ..
ترى لما لم يشعرن بالخوف منها .. ؟؟
ألم تعد هنا مطلقة .. ؟؟
فقط في الوطن كانت كذلك .. ؟؟
عادت بذاكرتها هناك .. لزمن تفتح عن فتاة في غاية الجمال .. كما تتفتح صباحات الربيع عن أجمل الورد تلتقط العيون جمالها عن بعد .. كما التقطها هو ..
يقال بأن الجميلات فاشلات في الدراسة .. ربما كان كذلك حقا .. لم تكن غبية أبدا .. لكنها لم تطق الدراسة يوماً .. لذا سرعان مارحبت بالزواج وفي ظروف ممتازة كخلاص من هذا العبء …
مكللة بالسعادة والهناء كانت سنتها الأولى .. تأخرت أمومتها .. وهذا في نظر عائلة زوجها جائر بحق ابنهم الرجل القوي .. الوسيم والثري .. يريدون أحفاداً يتممون بهم الصورة الإجتماعية للكمال .. لكن الجور الأكبر بدأ حين أخذ هذا الزوج يلقي عليها بشباك ظنونه .. شباك عنكبوت أسود مسموم .. في كل مرة كان يغرس شوكة سم تسري في عروق روحها فتغتال فيها شريانا أو وريداً ..
قد أضرم النار في روحها .. ترمدت
حتى أنهكت تماماً .. بعد أن تكاثرت المحن عليها .. فألقت كل أسلحتها واستسلمت للطلاق .. للموت الإجتماعي برضا كامل وإصرار شديد عليه .. وسط لوم كامل من الجميع لها .. لم تكتفي منها الحياة هنا وبهذا فقط ..
انفض الجميع من حولها .. الصديقات .. الجارات .. الأقارب .. كأنها وباء متنقل .. كلٌ تخاف على زوجها منها .. تتألم هي بشدة لتعود وتضحك في سرها .. وتردد .. ليتهن يعلمن بأنني من أتعفف عنهم .. ولو شئت لأحضرتهم جميعا ودونما استثناء .. لكن كيف لي أن أقنعهن .. بأن لارغبة ولانية لي بزواج أو رجل أخر ..
وأن حياتي باتت خالية من مطلب كهذا ..
غادرت ذاكرتها لتنظر للساعة في هاتفها المحمول .. مازال أمامها دقائق قليلة لوصول الحافلة ..
قامت الثورة ونشبت الحرب .. لتلتهم كل ماصادفها في الطريق .. هرب الكثير من بطشها .. وكانت وكثير من أفراد عائلتها من ضمن المغادرين .. حطت الرحال في المنفى المجاور .. باتت الأيام تزداد صعوبة .. في ظل غلاء المعيشة وأجور البيوت المتزايد .. كان عليها أن تجد حلاً جذريا لمشكلتها .. أخوتها كلٌ مشغول بعائلته .. وأخواتها كذلك .. ووجدت الحل في مرافقة عائلة قريبة لها لأحد المنافي البعيدة بما تبقى من مال معها ..
أيقظها من كل ذلك وصول الحافلة .. صعدت وتنفست بعمق حين جلست على أول مقعد شاغر بجانب النافذة .. كما فعلت حين حطت قدمها للمرة الأولى هنا بعد رحلة ومشقة كبيرة لاتوصف ..
اليوم النساء لايبتعدن عنها كالوباء .. بل يتوددن إليها .. ويشاطرنها جزئيات يومهن ..
هي .. الحرب غيرتها ..
و الرجل الذي زرع الخوف في قلبها ولطالما رفعت الراية البيضاء في عالمه و اختبئت خلف كل متاريس الحياة من شكوكه ..
لم تعد تخافه كما أنها لم تستطع أن تأمن له حتى اللحظة ..
ولم تستطع أن تتعامل معه بأكثر من صديق .. وماأكثرهم في حياتها ..
وربما لم تلتقي حتى اللحظة بمن يحول الحرب بداخلها لمركب سلام …
ولا بمن ينزع الألغام التي تراكمت في دروبها على مدى سنين نهشتها عادات وتقاليد عمياء لاتبصر حقها في الحياة …
أما هن ..
فمافرض عليها سابقا جورا وظلماً .. اخترنه الكثيرات منهن اليوم في دول المنفى ..
ماأكبر الفرق و اختلاف الدوافع ..
أرخت رأسها للخلف بإستسلام هادىء و نصف إغماضة لعينيها وسؤال يتردد في ذهنها ..
أين الخلل في حياتنا ياترى .. ؟

لا تعليقات

اترك رد