( عُنُق الزُجاجة )


 

وما الداعى إذاً لكل تلك المشروعات وصفقات السلاح ؟.. ما الداعى؟ .. أوليس كان من الأفضل توفير كل هذه المليارات وتوجيهها إلى الشعب المقهور الذى علا صوت أنينه طيلة عقود ثلاث وتصاعد أكثر عبر سنواتٍ سبعٍ عجاف؟

_ سؤال يطرحه دائماً المُتعَبون،
وما ينفك المُرجفون والمشككون ومحترفوا صناعة الأزمات فى ترديده من خلفهم حتى يخترقوا به أسماع البسطاء ليشكلوا لديهم وعياً زائفاً، فتنطلق من أعماقهم صرخات الهوان والعناء والشقاء، مصحوبة بلعناتٍ سُمان على كل من يتولى أمر البلاد والعباد،

_ لا أقلل أبداً من حجم المشقة والمعاناة اللتان سكنتا السواد الأعظم من بيوت المصريين، وكيف أفعل ذلك وأنا ممن ينتمون إلى الطبقة التى تحملت العبء الأكبر من لَكَمات السنوات الماضية حتى جائتهم القاضية القاصمة جراء خطوات الإصلاح الإقتصادى، فإن تلك الطبقة التى إليها أنتمى ولاسيما العاملون منها بالقطاع الخاص هم أكثر المتضررون، فلا زيادة فى دخولهم حدثت، ولا مطالبة يتجرأون عليها، وهم يرون بأمِ أعينهم مدى الضرر وحجم الخسارة اللتان لحقتا بالغالبية الكاسحة من المؤسسات المندرجة تحت لواءه، فمنها من أغلقت أبوابها أو قللت حجم العمالة أو جمدت نشاطها حتى إشعارٍ آخر،

_ فمن ينتمون إلى تلك الطبقة منهم من فقد عمله، ومنهم من اضطر للموافقة على تخفيض راتبه موائمة لظروف جهة عمله، أو رضى بعمل أدنى وبراتب أقل مما كان يتحصل عليه بعدما ذاق مرارة الجلوس فى منزله بلا عمل، كل هذا ومتطلبات أسرهم لا تنقطع وأعباء حياتهم لا تنتهى.. وكيف تنتهى وأحلام وطموحات أبناء تلك الطبقة لا حدود لها.. تعليم جيد وخدمة طبية جيدة وسكن ملائم ومظهر مناسب والحفاظ على قدرٍ ولو يسير من الرفاهية لأبنائهم، تلك هى كل أمانيهم أو أهمها، لا يمتلكون مقومات ومقدرات الأغنياء ، ولم ترقى إرادتهم على التخلى والتَرك كما يتقن الفقراء،

_بينما لم يتضرر الأغنياء، بل كانت مصائب قومهم عندهم فوائد، أما الفقراء فقد صار حال أكثرهم أفضل من ذى قبل بعدما تم توجيه الدعم لهم بزيادة غير معتادة،

_ فكيف لى أن أُداهِن وأُخالِف الحقيقة والحق والمنطق،
إلا أننى وعشرات الملايين من بنى وطنى لازلنا نمتلك وعياً حقيقياً ندرك به جوهر الأشياء وأبعاد المرحلة فتمكنا من رؤية الصورة كاملة، ولم تمنعنا مشقة تلك السنوات الجاثمة على صدورنا من الشعور بصدق من حمل الأمانة، أو إنكار ما تراه أعيننا يتحقق على الصعيد الإقتصادى والتنموى، فقد انطلقت المشروعات الكبرى فى كافة أرجاء بلادى، وتم الشروع فى تنفيذ برنامج طموح وجاد للإصلاح الإقتصادى يستهدف تغيير واقع مصر ومعالجة ما طال أمده من مشكلاتها وأزماتها الاقتصادية، ورغم أن تغيير واقع الشعوب يحتاج لوقتٍ طويل، إلا أننا يجب أن نفخر بما حققناه ونحققه كل يوم؛ فالعين المنصفة لا يمكن لها أن تخطئ الجهود التنموية التي تحدث في مصر، سواء من حيث الإرادة السياسية للإصلاح، أو تحسن مؤشرات الإقتصاد الكلى، أو تحسين بيئة الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص المحلى والأجنبى على ضخ مزيد من الاستثمارات لتوفير فرص عمل جديدة ورفع معدلات النمو الإقتصادى.،

_ إن استراتيجية الإصلاح الإقتصادى فى مِصر كانت معلنة منذ البداية، وخطة رفع الدعم عن الطاقة تم الإفصاح عنها بكل وضوح وبجدولها الزمنى الذى بدأ منذ أربع سنوات (أى قبل الحصول على قرض صندوق النقد الدولى).. فما يدهشنى حقاً هو رؤية البعض وقد بدوا متفاجئين ومصدومين،

_ أعلم أن الغالبية فى وطنى من البسطاء وحتى البعض ممن يعلم ويتذكر.. يستسلم لحالة الرفض اللإرادى عندما يحين الموعد المرحلى لتنفيذ خطة رفع الدعم، فتتجدد لديه مشاعر الضيق والغضب تحت وطأة الظروف والمسئوليات، ولكنى لا أعيب عليهم أبداً.. فيكفى صبرهم وتحملهم، ولكن العيب كل العيب على من يتاجرون بمعاناتهم، وإن كان دورهم بات معتاداً، والعيب أيضاً على وسائل الإعلام المختلفة التى تسير فى ركاب المتاجرون والمزايدون ومؤججوا الغضب ومسيروا الفتن، بدلاً من القيام بواجبهم الوطنى والمهنى فى تهيئة وتذكير الناس،
أما الخطأ الأكبر فيقع على عاتق الحكومة التى تبهرنا دائماً بعجزها عن إدارة أزمات المرحلة بملفاتها الهامة، فلا نرى منها سوى التردد والتأخر والتقليدية، وكأن الحِنْكة والذكاء السياسى والإبداع الإدارى ضروباً من خيال، ناهيك عن افتقادهم لما يمتلكه أى دارس مبتدئ للإقتصاد يعرف أن هناك استراتيجيات عديدة للتنمية…وأنه لا يشترط فيها أن يتم الإعتماد على أيسر الحلول، فالوسائل المساعدة والخيارات المساندة كثيرة جداً، ولن أكررها هنا بعد أن فاضت بها مجالس وصفحات المتحمسين والمثقفين والمتخصصين ،
كما أننى أعيب على حكومتنا عدم قدرتها على إيجاد آلية مُحكمة للرقابة على الأسواق ولضبط الأسعار، ويشاركها فى هذا الإثم الكبير مجلس النواب، فقد تقاعس كلاهما عن أداء دوره فى حماية المواطن، و تركوه عمداً أو فشلاً فريسةً سهلة ينهش جسدها المحتكرون والجشعون ،
فما المانع من إصدار قرار من الحكومة أو قانون من مجلس النواب بإلزام المستوردين والمُصنعين بطباعة سعر البيع للمستهلك على منتجاتهم، فلا يتعارض هذا أبداً مع قانون أو دستور أو مع أسس وقواعد إقتصاد السوق الحر الذى تعتمده مِصر ، فهناك دولاً عديدة تتخذ ذاك السبيل حمايةً لرعاياها، ولتحقيق العدل والحفاظ على الأمن والسلم المجتمعى.،
هناك حلول عديدة ، وحسن النية ووجاهة الدافع وحدهما لا يكفيان، فإلى جانب الإرادة والرغبة فى التغيير، يجب أن نمتلك القدرة والأدوات على إحداث هذا التغيير.

_ خلاصة القول: هو أنه لا يليق بالحكومة أن تصم أذانها عن أنين المطحونين، ولا أن تتجاهل دعوات ونصائح المُخلِصين، فليس كل من شكى عَوزَه وأعلن حيرته، أو عَلَا صوته خوفاً على وطنه، يصبح خائناً كما أنه لا يمكن أن تُلهينا أوجاعنا وآلامنا عن حق وطننا علينا، وأن ندير له ظهورنا وهو يخوض أخطر معاركه.،

_ فى كل الأحوال ستمضى تلك المرحلة بكل ما فيها من مشقة وعناء، وقد لا يجنى ثمارها كثير منا ممن أدركتهم أعمارهم وأقدارهم ، ولكننا وقتها وبعد الوصول إلى الجانب الآخر من الشاطئ ،سنكون جميعاً حاكمين ومحكومين قد أيقنا أنه “لن تكون هناك دولة إذا فَنِىَّ شعبها”، كما أنه “لن يحيا شعبٌ قد هتف يوماً: فليموت الوطن..ونَحيا نحن”،، وليخبرنى إذن كل من هتف بها سابقاً عن حياةٍ كسرابٍ شُيدت على أنقاض وطنه،

_حتماً سنصلُ يوماً، ولكن بعد أن نكون قد تعلمنا أن الأوطان لا تُبنى أبداً بالتمنى، وأن الحلم ما كان ليتحقق وأن المستقبل الذى يليق بنا ما كان ليُصنع إلا بالمعاناة والصبر والعمل وبإصلاح ما أفسدته عقود التِيه الأربعة.

لا تعليقات

اترك رد