منطق العنف ومنطق السلام في العراق

 

في إقليم الشرق الأوسط، نسبة مهمة من دولل الإقليم تقع في تسلسل الدول الأخطر عالمياً. ففي عام 2017 كشف مؤشر السلام العالمي أنَّ عدد الدول العربية الأخطر بلغت 6 من بين أخطر 10 دول في العالم؛ كان بينها سوريا فالعراق واليمن والصومال وليبيا والسودان فيما كانت 8 من الأكثر أمناً وسلاماً هي دول أوروبية والأخريان هي نيوزلندا وكندا…

وبلغت تكلفة العنف في العالم ما يفوق الـ14 ترليون دولار فقط في 2016 وهو ما يعادل 12.6% من إجمالي الناتج المحلي العالمي. وبحساب معدل ما يكلفه العنف تجاه الفرد الواحد سنجده بمعدل 1953 دولار أمريكي سنويا أو 5.5 دولار يوميا تضيع على العنف..

وبحساب الحقيقة في انتشار العنف وتوزيعه بين شعوب العالم، ندرك أن دافعي تكاليف ذاك العنف، عادة ما يكونوا من دول معروفة بسيادة الجهل والتخلف، حيث سيكون على الفرد في دولة كالعراق أن يدفع تكاليف حروبه الدموية العبثية من ثرواته التي تتوزع بين النهب واللصوصية وبين إضاعتها على العنف وأشكال الفساد الرديف له..

والكارثة التي قد يغفلها بعضهم أنهم لا يحسبون ما يدفعه العراقيون من دمائهم ومن وجودهم الإنساني حيث الحط من الكرامة والاستهانة بحق العراقية والعراقي في الأمن والاستقرار والسلام، والاستهتار بذياك الحق الأساس الحيوي المكفول بكل اللوائح والمواثيق والقوانين الدولية، إلا في دول تستهين حكوماتها بالإنسان…

إنّ حكومة العراق تستهين بحق الحياة ولا أمن ولا أمان للعراقي على نفسه وحياته وحيوات أبنائه وعائلته برمتها لا في البيت ولا في أي بقعة في الوطن حتى وهو سجين خلف أسوار ضيم السجان الطائفي فهو لا يتعرض للتعذيب حسب ولا تتعرض السجينة للاغتصاب حسب ولكنهما يتعرضان للتصفية خارج إطار القوانين فضلا عن أحكام الإعدام، هنا وهم تحت سلطة عناصر التحكم بالدولة ولا يمكننا هنا القول إنهم تحت سلطة الدولة لأنه لا وجود لمؤسسات دولة وسلطة قانون… والعراقي يُختطف من الميادين ومن بيته ودائرة عمله ولا أحد يدري إن كان من اختطفه موظف حكومي أم عضو ميليشياوي فكلاهما يخضعان لأوامر من هو فوق الدولة نفسها..

ربما ترتفع هذه الحالات أو تنخفض بحسب العلاقات بين خندقي الطائفية وأجنحتها وميليشياتها وبين مافيات الصراع اللصوصي الذي لا سلطة فوقه أو يمكنها أن تحكم نسبة الفساد المستشري المتحكم بالأوضاع وهو بمستوى حافظ على وجوده بين أعلى عشر دول فساد عالميا منذ 2003 حتى يومنا..

وأين أمن المواطن على ملكيته وهي تُصادر بقوانين أو تشترى وتباع بقوانين وبفروض بلطجة عنفية كما في ذريعة أي تهمة بصلة لرجال النظام السابق أو كما في نموذج المهجَّرين المسيحيين بما يقارب جريمة الفرهود التي حلت بيهود العراق في منتصف القرن الماضي وغير ذلك نماذج بلا حصر؛ من قبيل المصادرة بخلفية طائفية وتطهير جرى ويجري في الأحياء لإعادة التوزيع الديموغرافي…

وأين الأمن الغذائي لملايين الفقراء حيث الحصة التموينية متلاعب بها باستمرار وصل المستوى حد الشاب ببرادة الحديد المسرطنة والرز الفاسد والطحين الملوث المغشوش وإسقاط مواد والاتجار بأخرى… واين الأمن الغذائي والنخلة وثمرها من التمور بأحط النسب كماً وأسوأها كيفاً، وأين المن والمحاصيل الاستراتيجية بين يدي حانة ومانة من مؤسسات لا تدفع أجور الفلاحين ولا تضمن حاجاتهم للزراعة بل وصل الأمر لحظر زراعة الرز والرز العراقي من بين أجود الأنواع المعروفة فضلا عن مكانته في المائدة العراقية التقليدية عدا عن القيمة الاقتصادية ودوره في عجلة الاقتصاد!!

وأين الأمن والمؤسسات بلا حرمة! الحرم الجامعي منتهك بوضح النهار والتصفيات والبلطجة مستمرة تجاه كل أعضاء الهيأة التعليمية من طلبة واساتذة وموظفين.. الجميع يخضع لبلطجة ليس أسوأ منها سوى بلطجة أجهزة قمع الطاغية وربما هي الأسوأ ببعض نماذجها..

زعماء الحرب الميليشياويين يثسقطون عليهم القدسية ويضعونهم فوق القانون ويكون اقتحامهم الحرم الجامعي بلا حسيب ولا رقيب وفوق أي فعلة إجرامية يُحاسب الضحايا ويُقمعون بالقانون! أذكر على سبيل المثال لا الحصر حادثة جامعة الديوانية…

أين المن البيئي؟ واين الأمن الصحي؟ الأرض والهواء والماء بأعلى نسب تلوث ولا من صوت يثسمع ولا من نداء يُستجاب.. الحملات تمر بلا من يحترمها بل هي مهملة مع سبق الإصرار والترصد للمبادرين ومع نقص فادح بالكوادر والأجهزة والمؤسسات وفشل في إدارة الملف الصحي بكل مستوياته من سلامة ما يُقدم من غذاء ودواء إلى الخدمة والرعاية الصحية إلى التأمين وغيرها مع كل هذا الانعدام الأمني نجد الحكومة بدل مطالبة بالحصة المائية تندفع لتسويق عبثها وصراعات متنفذيها بحظر زراعة محاصيل استراتيجية أو تقنين الحصص المائية أو إلغاء مشروعات استثمارية طبعا لصالح قوى أخرى ضمناً وبجميع الأحوال هنا فإن خطر انقراض الحياة وتحول الأرض إلى صحراء بور يباب باتت قاب قوسين أو أدنى ولا حلول…

وبالعودة إلى منطق انعدام الأمن وتفاقم خطاب العنف وجريمته فإن وجود ملايين المشردين النازحين والمهجرين وممن بلا مأوى حيث خراب المدن الشامل وحيث الأطفال المتسربين من التعليم لا يجدون سوى من يلقنهم خطاب العنف ومنطقه وليس أفضل منهم من تحولت بهم المدارس إلى مجرد بيئات لتدريس لا الخرافة ولكن منطق الكراهية ورفض قيم التسامح والسلام ومنطق التعاون فيسطو العنف على الأجواء..

هنا يهيئون صغارا لم يتعلموا سوى منطق العدوانية وإن لم تكن ذئبا وما شابه حتى أنهم يبلطجون معلميهم بخلاف ظاهرة التنمر التي تفشت في أعمق بيئات التعليم!

منطق العنف بات له أرضيته وفرص تفاقمه وتفشيه وله قادة متنفذون بقوة ميليشياتهم وجماعاتهم المسلحة وأموال الجباية المافيوية تدفعها الأحياء والضواحي لكل جهة بلا استثناء لا لما يسمونه العنف الوقح ولا لما يسمونه العنف المقدس أو المشروع والمنتصر يدعي إنقاذ الناس من الخاسر في لعبة الصراع الدموي التصفوي كما بين إرهاب ميليشياوي تشرعنه قوانين حكومة الطائفية اللصوصية المافيوية وفتاوى القدسية المدَّعاة تمثيل الإله حصرياً وكل طرف هو المرجع الأعلى والأعلى بين الأعلون هو من يحصد مخدوعين أكثر أو يستطيع قمع الصوت الذي يعارضه قبل أن ينطق أو يتحرك…

الكارثة أن جماعة التدرج بسد (الشق) يدركون أنهم لا يملكون اليوم (رقعة) تستطيع سد الشق الذي بات طولا وعرضا في البلاد والعباد.. ويدرك العراقي كم حجم كارثته ولا مجال لعبث مصطلح ((إصلاح)) ذلك أن الإصلاح ممكن في حالات فيها أخطاء نسبية محدودة لكن عندما تفسد العملية برمتها ويسطو عليها اقطاب الفساد والبلطجة لا مجال لحل سوى التغيير…

منطق العنف سائد بسبب النظام ((الطائفي الكليبتوقراطي المفسد)) بكل دجله ومزاعمه وهذه لم تعد بحاجة لكثير تضليل فهم يسفرون عنها جهارا نهارا ولا حرج عندهم إنهم يقتسمون كل شيء بلا وازع من ضمير أو استحياء من الجريمة..

أليست فضائح البيعة التي أسموها انتخابات مؤخرا بكافية لينأى الشريف بنفسه عن كل تلك الترهات وأشكال الانحطاط والاستهتار بعقول الناس؟

أي أمن للعراقي حتى لو كان في أقصى المهاجر معتكفا والعنف بات لا يكتفي بالعراقيين عبيدا بل امتد ليشتغل مرتزقا في بلدان العالم تابع ذليل لبؤرة الإرهاب العالمي القابعة شرق العراق..

ها هم الغلابة المقهورين من فقراء الوطن يجندونهم باسم القدسية البريئة من دجل خطابهم وادعاءاتهم، ها هم يُرسلون ليمارسوا العنف الأسود في سوريا وحتى ببلدان العالم الآمن وغير الآمن.. أفلا يعقل المرء ما يجري!؟

لقد بات منطق العنف في العراق هو قانون إذلال واستعباد واستبداد وبيع لا أعضاء بدن العراقي ولا الاتجار به جنسيا بل يباع (بعض من تم تضليلهم واستعبادهم) ليكون أي منهم مرتزقا يتسلل إلى بلدان العالم باسم قيادة الإرهاب وعنفه الأبشع تقيم على خط التماس شرق العراق…

أما منطق السلام بديلا وهو منطق العراقيين عبر تاريخهم فآت بفضل وحدة التنويريين وبفضل تضامن أممي حقيقي مع الشعب لينهي وجود الجماعات المسلحة لا ليضمها لمؤسسات الدولة تعيث فيها فسادا وخرابا وتحول سلاح الدولة وسلطتها لتكون أسيرة فجاجة مخططاتها..

كي نكون كما هويتنا المتمدنة المتحضرة وكما شعوب العالم وكي نستعيد مسيرة البناء عراقيا نحن بحاجة لاستذكار آليات منطق السلام ودحر منطق العنف واسبابه المباشرة وغير المباشرة..

لحظتها فقط نستعيد الأمن بكل أشكاله ومستوياته مما نفتقده اليوم وسط غابة الدجل وبعبع المقدس المزيف والوقح القادر ولا منقذ لشعب إلا بتغيير حاله بنفسه…

* مؤشر السلام العالمي في التقرير الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام.

لا تعليقات

اترك رد