من حيث ينتهي الرجل تبدأ المرأة


 

تلك هي المعادلة الصعبة والتي لم تقدر المرأة على إداركها وحل معطياتها، وهناك معادلات وقوانين وطبيعة فسيولوجية مختلفة ما بين الرجل والمرأة؛ ترفض المرأة بشكل عاطفي قاطع أن تستوعبها أو حتى أن تتقبّلها على إنها نتائج حتمية ومنطقية؛ ولهذا إلى عصرنا الراهن ما تزال المرأة تقع بنفس المطب ولم تعي سبب وقوعها المتكرر!!

المرأة الشرقية تقيّم وتفسر علاقة الحب والزواج بناء على نظريات عاطفية وثقافة مجتمع وقوانين ثابتة هي الأخرى من تأليف مجتمعها وانطباعات راسخة لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف وكذلك هي ترفض قوانين منطقية ومنها:

* نظرية التكوين: ( يتمنعن وهنَّ الراغبات ).
* عدم إدراكها للطبيعة المختلفة ما بينها وما بين الرجل.
* قانون المتغتيرات.

1 -نظرية التكوين: ( يتمنعن وهنَّ الراغبات ):
فالمرأة التي تؤمن بنظرية التكوين، وتتعاطى مع الحب على هذا المبدأ تتمنّع وتكابر.. ولا تبادر بالاعتراف بما يعتريها من مشاعر واحاسيس؛ حتى وإن كانت راغبة وممتلئة بتلك المشاعر وتكاد تختنق منها.

يبدأ الرجل في الحب مندفعاً بسرعة الضوء، يدخل إلى بيت الحب جامحاً كزوبعة.. ويكسر الأبواب الموصدة كإعصار.. لا يرده شيء.. ولا يهاب من أيّ شيء.. ولا يثنيه عن قراره أيّ شيء!

يمشي إلى الحب بحرارة مرتفعة يكاد اللهب يتطاير من شبابيك قلبه. كالسيل الجارف لا يستسلم لصخرٍ يعترض مجراه… يتمرد على القوانين والأعراف كل ما يعنيه هو أن يصل ويفوز في قلب المرأة التي حركت مشاعره ورغباته؛ لكنه يُفاجئ بالتمنع والمكابرة والصد المباشر وغير المباشر والغنج والدلال.. حينها يتحول الأمر من حالة حب وشغف إلى حالة رهان وتحد؛ فالرجل الشرقي في طبيعته يرفض الهزيمة أمام امرأة، ولا يقبل بالانسحاب ويصرُّ على ما بدأ به ولا يتراجع.. بينما المرأة
في البدء تتلذذ بجنونه وتستمتع بالالحاح الشديد والمستمر… كلما تمنعت كلما صار جامجاً أكثر وكلما رفضته بصورة أو بأخرى رفع من منسوب إصراره وإلحاحه… وعندما تستسلم المرأة وتلقي أسلحة التمنع والمكابرة وتسجر له تنور قلبها وتلقي به الحطب اليابس ويشتعل وتشتعل عشقاً وتصير جامحة، تتلهف إليه.. تفتقده إن غاب عنها.. . تحس بشغف كبير لكلامه ولغزله وشجنه وتتوق إلى لقياه وما أن تصل المرأة إلى حالة الوله يبدأ الرجل بالعد التنازلي؛ فتفتر ناره وتهدأ عواصفه وتتوقف زوابعه فمن حيث انتهى الرجل تبدأ المرأة..!!

فهي من خلال نظرية التكوين “يتمنعن وهن الراغبات” كانت السبب في فتوره وهي من حولته من عاشق نزق إلى مصارع وقد زجته داخل الحلبة لينازل قلبها بتحدٍ لا بشغف.. فلو أنها منذ البداية احتوت جموحه واندفاعه بعاطفة موازية ومساوية لعاطفته ولم تتمنع ولم تكابر وهي راغبة به ما وصل الأمر إلى تبادل الأدوار… فهي لم تستسلم وتلقي أسلحتها إلا بعد أن انكهت قواه وسلبت عافيته وتركته يلهث في سباق شاق وهي تنظر إليه من طرف الستارة؛ فمن الطبيعي أن يصل إليها منهكاً وخائر العاطفة وفاتر الحرارة..!!

ما أن تصبح المرأة ما بين يدي قلبه.. ويطمئن من حبها وتعلقها به.. يتنحى عن دور العاشق الجامح ويعتزل الجنون الذي كان عليه حين كان بكامل رشاقته واندفاعه وبما إنها لم تدرك كل تأتي لاحقاً لتتهمه بالبرود وبأن حبه لها قد شاخ وذبلت أوراقه الخضراء وصارت كأوراق الخريف شاحبة اللون باهتة المنظر… لو عادت أدراجها إلى حيث البدايات الأولى، وقلّبت بأدارج سلوكها الأول وردود أفعالها.. لوعت عواطفه بصدها… وعذّبت وأتعبت نبض قلبه من صمتها وسكونها أمام بركان عشقه.. لو إنها قد تذكرت كم من مرة جلس بالساعات يبرر لها سرَّ حبه.. ويفضح لها سرّ جنونه بها… هي من تركته يصبُّ كلام الحب دفعة واحدة لينال رضاها.. وجعلته يعصر غيم الحروف ليمطر كل ما لديه من مطر.. لقد افرغته من الجنون قبل أن يبدأ الحب.. واستنزفت مشاعره عند عتبة الحب قبل أن يدخل… وبعدها تأتي لتشكو من تغيّره وتبدل أحوال عواطفه.. (( هل سيأتي على النساء زمن يعشن فيه الحب بلا هواجس وبلا كبت لمشاعرهن ورغباتهن؛ متى تنتهي المرأة من مهمة التمنع وهي الراغبة؟ ))

2-عدم إدراكها للطبيعة المختلفة ما بينها وما بين الرجل:
لا تدرك المرأة بأن طبيعة الرجل تختلف عن طبيعتها وتكوينها الفطري؛ المرأة تقدر على أن تفعل عشرة أشياء بنفس الوقت؛ بينما الرجل لا يقدر على فعل إلا شيء واحد.

المرأة تفكر بعشرة أشياء بنفس الوقت؛ بينما الرجل لا يستطيع أن يفكر إلا بشيء واحد؛ لأن مخ المرأة مبرمج على هذا النحو وطبيعة وجودها يتطلب منها أن تفكر بعدة أشياء وتفعل عدة أشياء بنفس الوقت. تقدر المرأة أن تعمل وبنفس اللحظة تقدر أن تحب وتمارس عواطفها على أكمل وجه دون أن يكون العمل عائقاً يقف في طريق حبها.

المرأة تتكلم بعدة مواضيع وتستطيع أن تنتقل من موضوع لأخر بكل راحة.. بينما الرجل لا يقدر على إدارة إلا موضوع واحد ومحدد وباختصار شديد… المرأة تعشق الخوض في التفاصيل الصغيرة لكن الرجل يشعر بالملل من تلك التفاصيل وقد تكون تلك التفاصيل الصغيرة هي ما يحرك مشاعرها ويثير شجون قلبها.!!

حين يصاب الرجل بالحزن يعتزل كل شيء ولا يفكر إلا بالأمر الذي أحزنه.. بينما المرأة وإن كانت حزينة لكن هذا الحزن لا يردها عن الحب ولا يلجم عواطفها… وحين يقع الرجل بمشكلة في العمل أو مع أحد العملاء أو الأصدقاء، على عكس المرأة حين تقع في مشكلة تحب أن يشاركها الجميع بتلك المشكلة لأنها لا ترتاح إلا إذا افرغت كل ما بداخلها… بينما الرجل يلوذ إلى صمته السحيق ولا يحب أن يشاركها أو يشارك الآخرين بمشكلته ويظل في صراع مع تلك المشكلة تسلبه الوقت والاحساس والانتباه إلى أن يجد حلاً لتلك المشكلة.

وحين لا تدرك المرأة طبيعة الرجل المختلفة عنها تشعر بالإهانة وتتهمه بعدم الاهتمام وبأنه رجل قاس المشاعر محنط العاطفة وقد لا يقصد هذا لكنه يتصرف بطبيعته كرجل وهي لا تملك القدرة على تقبل تلك الطبيعة وإن كانت من ماهية خلقه وتكوينه؛ عندها يحدث شرخاً عاطفياً ما بينهما قد يصل الأمر إلى الانفصال الكلي أو الجزئي أو الانفصال العاطفي.

3-قانون المتغيرات:
المرأة في الحب لا تؤمن ولا تصدق قانون المتغيرات وما يطرأ على الحب من مستجدات؛ لأنها تعيش بذاكرة حب ثابتة ومشاعر لا تفتر ولا ترضخ للمتغيرات والظروف.. تظل امرأة عاشقة وكلما تقدمت في الحب ازداد جموحها وشغفها لسماع كلام الحب وتبحث عنه في كل الزوايا وفي كل الأشياء.. في باقة الورد المنسية وفي هدية بسيطة.. في قصاصة ورق يتركها على طرف السرير.. في لفتة حب صغيرة.. في عتاب دافئ.. تريد أن تظل في جنونها الأول؛ بينما الرجل ما أن تلد له زوجته الولد الأول والثاني حتى يفقد ذاكرة الحب ويتحول إلى رجل جاد وصامت لا يهتم بتلك التفاصيل البسيطة عنده والعظيمة لديها.. فلا يخطر بباله أن يحضر لها باقة ورد صغيرة بقدر ما تخطر بباله الفواتير والأرقام والمصاريف..لا يكترث بقصاصة الورق التي قد تقلب يومها وتحرك رماد عشقها.. يكترث بكتابة قصاصات الورق عن الأقساط القادمة ويهتم بتفاصيل المعيشة لا بتفاصيل الحب التي بات ينظر إليها على إنها امر لم يعد يتناسب مع المتغيرات والمستجدات في حياتهم. هذا لا يعني إنه لم يعد يحبها لكنه بات يحبها بعقل ومنطق والمرأة في الحب تلعن العقل وترفس المنطق بكعب حذائها. وبما أنها لا تعي ولا تعترف بقانون المتغيرات من الطبيعي أن تصاب بخيبة حب كبيرة وتشعر بوجع كبير والألم الأكبر لو جاءت لتعاتبه يقدم لها مبررات أكثر ألماً من خيبتها في الحب.. يتكلم بجدية ومتذمراً وقد يتهمها بالمرأة الفارغة التي لا تقدر الظروف القاسية التي يمران بها وبأنها سطحية التفكير ودائماً هو يتكلم جمل متقاطعة ومختزلة وأخيراً وفي نهاية كل عتاب يختصر الحوار ويقول لها ” نحنا وين وأنت وين” فيسفه طريقة تفكيرها.. ويشعرها وكأنها تتحدث بأمر سخيف بعيد كل البعد عن الواقع لأنه مثلها لا يدرك اختلاف طبيعتها كأمرأة عن طبيعته كرجل لا يكلف نفسه عناء التنازل والاعتراف بتلك الطبيعة التي لا ترضخ لقانون المتغيرات ولا تؤمن بالمنطق ويريدها أن تتصرف على حسب طبيعته ولا يقبل الانجراف والتماشي مع طبيعتها لأنه يعتقد بأنه على صواب وبأن ما يفكر به هو العميق وما تفكر به هو القشري والسطحي الذي لا يستحق هذا العتاب.

عدم إدراك المرأة لتلك الحالات يجعلها تعيش مأساة الخيبة تخنقها الغصة والحسرة على أيام باتت تمضيها وكأنها مجرد آلة مبرمجة لا يهتم الرجل لأمر عاطفتها ولو إنها نظرت إلى تلك الحالات بعين أخرى وبمنطقية أكبر قد يخف ألمها من فاجعة الحب الفاتر. ولو إن الرجل أدرك طبيعة المرأة وتعامل معها بذكاء وحكمة واحتواها وترك المنطق والعقلانية ولو لوقت قصير فالحب لا يحتاج إلا للحظات قليلة لن تكلف الرجل العناء الكبير مالم تفهم المرأة وتؤمن بأن الحب مهما صمد لابد وأن تتغير ملامحه وطرقه ومالم يتنازل الرجل عن عرش كبريائه ويحتوي طبيعة المرأة سيظل الشرخ مفتوحاً في كل العلاقات وسوف تتكرر المأساة والفاجعة إلى أن تقوم القيامة

المقال السابقالكافرة ، السافرة انجلينا جولي
المقال التالىمنطق العنف ومنطق السلام في العراق
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد