هل نفرح لوصول هذه ” الديمقراطية ” للعراق ؟؟


 

هل هناك ديموقراطية فعلا في العراق، و هل لدينا فعلا نظام حكم سياسي قويم و سليم في العراق، و هل تبقى شيئا مما كان يسمى بالعراق، بعد أن تهدم و تدمر و تدهور كل شئ هناك، من البشر للحجر ..

جاءت أميركا و الغرب للعراق بحجة و تحت غطاء أسلحة الدمار الشامل، و لكي تنشر الديموقراطية هناك، بعد أن إستفتحت القرن و العقد الجديد بنشر آخر للديموقراطية في أفغانستان، البلدان تدمرا منذ أول يوم وضعت أميركا قدمها أو رأسها فيهما، و لا زال التدمير مستمر، فلا أفغانستان أستقرت و إسترجعت عافيتها، و لا العراق، و البلدين عانيا و سيبقيا يعانيان الأمرين ما داما تحت الجناح و قيد الإرادة الأمريكي ..

ما زاد الطين بلة، أن إيران، الجار العدو اللدود، له اليد الطولى بشكل ما في البلدين طبعا إضافة إلى بلدان أخرى، و بشكل أوضح كثيرا في العراق، حتى أن كثيرون لا يخطئون عندما يحسبون العراق اليوم كولاية أو محافظة تابعة لحكم دولة و ولاية الفقيه الفارسية، و لبئس ما فعلت أميركا في فتح الباب عريضا واسعا أمام إيران طوال عقدين من الزمن لتشبع نهمها و جشعها التوسعي يمينا و يسارا، تمتد و تتمادى و تتعدى و تتطاول ، ليأتي الآن المجنون ترامب و غيره و يعلنوا، على الأغلب لأغراض إعلامية بحتة، أنهم في طريقهم لتقزيم إيران و طردها من العراق و سوريا و لبنان و اليمن و غيرها من البلدان، كلام نسمعه منذ سنوات طوال، لا نجد له أي مصداقية على الأرض، على الأقل لحد الآن ..

في دراسة أصدرها مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، و هو تابع للمجلس الأطلنطي في واشنطن، قبل حوالي الأسبوعين، أعدها كبير الباحثين غير المقيمين في المركز السيد حارث القرعاوي، تشير هذه الدراسة إلى أنه : ” في الوقت الذي يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تخلت عن نشر الديموقراطية كهدف رئيسي في السياسة الخارجية ، مع ملاحظة أن إلتزام الإدارات السابقة بهذا الهدف قد شابه التناقض ، فأن الإنتخابات العراقية العامة الخامسة يجب أن تعتبر تطورا مرحبا به ” ..

تخيلوا هذه الإنتخابات التي شابها التلاعب و التزوير و الإتفاقات و التفاهمات الخارجة عن أي تصويت أو رأي شعبي، لا زالت تعتبر في واشنطن ” تطورا مرحبا به ” ، لكن خيرا فعلت إدارة ترامب أنها شعرت أن لعبة الديموقراطية و نشرها و ترويجها باتت لعبة مكشوفة سخيفة، فتوقفت عن الترويج لها مؤخرا كما تقول هذه الدراسة ..

كما تشير أيضا في مجمل إنتقاداتها و تقييمها لما يسمى بالإنتخابات العراقية أنه : ” على الرغم من ذلك، فإن هذه العلامات الإيجابية يجب ألا تعتبر مؤشرات كافية على أن مسار العراق نحو الديمقراطية مضمون و لا رجعة فيه، الحقيقة، إن هذه الانتخابات أظهرت بوضوح حدود الديمقراطية العراقية و تواصل التهديد الجدي بحصول تراجع في مسارها، ربما نحو وسائل أقل ديمقراطية في المستقبل ” ، و لا أدري لم إستخدام مصطلح الديموقراطية و هي تتحمل كل هذه الإنتقادات و النواقص و الشوائب ..

و تستمر الدراسة في تمزيق و تقزيم المسرحية الإنتخابية العراقية المقيتة فتقول أنه : ” في خلال الأيام العشرة الأولى التي تلت الانتخابات، إستضافت معظم القنوات التلفزيونية الحزبية أعضاء البرلمان السابقين و المرشحين الذين أتهموا اللجنة العليا المستقلة للانتخابات العراقية بتزوير النتائج لصالح مرشحين آخرين، و الفشل في التحقيق في مخالفات كبيرة في لجان الاقتراع، بل و الادعاء أن نظام التصويت الإلكتروني في المفوضية العليا للانتخابات والذي استخدم لأول مرة تم اختراقه، تم توجيه مجموعة كاملة من الاتهامات، الغريبة منها و الخطيرة، ضد المفوضية العليا للانتخابات و المنافسين السياسيين، و بلغت ذروتها في صياغة مشروع قانون من قبل ١٥٦ نائبا يلغي نتائج الانتخابات ، و هي خطوة مشكوك فيها قانونياً، و ذات طابع مسرحي ربما ” ..

و كما يبدو، فقد فات كاتب الدراسة موضوع الحريق الذي إلتهم صناديق الإقتراح و بطاقات الإنتخاب، و التي نعتبرها جزءا مكملا لعملية التزوير و التلاعب في نتائج الإنتخابات المضحكة ..

و في مجال وصفها لمكونات العملية السياسية في العراق، و التي يفترض إنها أطراف و مكونات للعملية الإنتخابية الديموقراطية التي زرع بذورها الإحتلال الغربي في العراق منذ الإحتلال عام ٢٠٠٣ و لا زال يرعاها، تقول الدراسة : “ بعد مرور ١٥ عاماً منذ سقوط نظام صدام حسين، فإن الأحزاب العراقية الكبرى مازالت بعيدة عن وصفها بكيانات ديمقراطية. معظم هذه الأحزاب ما هي إلا تكوينات موروثة، تتحكم فيها عائلة واحدة أو فرد واحد، و تتحزب بناء على المحسوبية لا على أساس الأيديولوجية أو العقائد السياسية، و بدلاً من تطوير أنفسها لتصبح أحزاب أكثر شفافية و ديمقراطية تحترم القواعد، فإنها تبدو مرتاحة للعمل على الحد الفاصل بين ما هو رسمي و ما هو غير رسمي، إنها تسعى إلى الحصول على مواقع رسمية في البرلمان والحكومة، و في نفس الوقت تحتفظ بالميليشيات و شبكات التجارة التي تعمل في الظل، لتمثيلها في أعلى المستويات في المؤسسات الرسمية دون تقاسم مجالات نفوذها مع الآخرين ” ..

و يضيف التقرير في تفنيده لهذه العملية ” الإنتخابية ” الفاشلة : “ حتى و إن كانت عملية الاقتراع حرة نسبياً، فإن الإطار الذي أجريت فيه الانتخابات لم يكن كذلك ، فليس هناك قواعد واضحة قابلة للتطبيق لتنظيم تمويل الحملات الانتخابية، و التي عادة ما تكون في صالح الأحزاب القائمة و شبكات تجارتها و شركائها، لم تعلن الأحزاب عن حجم تبرعاتها أو مصادر التبرعات، و حتى لو كانت هناك قواعد تنظم بوضوح تمويل الحملات، فإنه من غير المتوقع أنها ستلتزم بها، فقدرات القوى الرئيسية على التلاعب بالقواعد بدت للعيان في أشكال متعددة، بما في ذلك إدعاء حزب الدعوة أنه لن يخوض الانتخابات بينما شارك فيها قياداته و أعضائه ، و هو سلوك مشكوك

فيه قانوناً لم تتمكن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من معارضته ” ..

كما يتطرق التقرير لمسببات الفشل و التراجع في آمال الديموقراطية المزعومة في العراق، فيقول : “ ما يزال العراق يفتقر للمؤسسات، و كما يشير الجدل حول المفوضية العليا للانتخابات، فإنه حتى لو وجدت المؤسسات ستظل تواجه الإضعاف بسبب السياسات الحزبية المتصارعة و الافتقار لنظام قضائي موثوق به، حين تتمكن الأحزاب من الإفلات من عقوبة تزوير الانتخابات، لمجرد أن لديها موارد و جيوش، فإنه من الصعب أن نرى الانتخابات كوسيلة للتغيير السياسي السلمي، أغلب الناخبين العراقيين الذين قرروا الامتناع عن التصويت يبدو أنهم وصلوا لنفس النتيجة بالفعل – الانتخابات لا تهم ولن تحدث تغييراً ” ..

و هنا نتطرق إلى جهود ” المقاطعون ” في الإنتخابات الأخيرة، و الذين حاولوا تغيير دفة الصراع و الحوار و توضيح مواقفهم المعارضة لمثل هذه العملية الإنتخابية المهزلة الصورية، خاصة و أن حجم الأموال المصروفة و الفساد و التلاعب، و النيات السيئة لدى البعض كانت واضحة منذ البداية، و هكذا ظهر في الأخير أنه الواقع و النتيجة التي وصلنا إليها ..

من مهازل القدر أن يكون تكتلا سياسيا تابعا لمقتدى الصدر هو المتصدر لنتائج الإنتخابات التي يشوبها كل أنواع الشك و التندر و الفساد و التلاعب التي أشرنا إليها، و ليكون و كما يقال هو المتحكم بتشكيلة الحكومة القادمة، و الحقيقة هذا ما لا أتمكن من هضمه و فهمه، خاصة مع تواجد إيران و أتباعها يصولون و يجولون، و يصممون و يرسمون حاضر العراق و مستقبله بما لا يبتعد و لا يتجاوز قيد أنملة عن الوجود و المصالح الفارسية الإيرانية في العراق ..

في دراسة أخرى لنفس المركز البحثي صدرت في نفس الوقت تقريبا، عنوانها ( العراق : إعادة إنتاج مقتدى الصدر )، أعدها السيد نبيل خوري، و هو أيضا كبير باحثين غير مقيم في المركز، حيث يشير التقرير : “ في تلك الأيام، كان الصدر ، رجل الدين ذو العمامة السوداء ، شاباً متمرداً، يقود ميليشيا ضمن أعمال عنف أخرى، و أتهم بقتل رجل دين شيعي كبير و هو عبد المجيد الخوئي والذي كان عائدا لتوه إلى النجف من منفاه في لندن، انتشرت الشائعات بين العراقيين أن الصدر قد شوهد و هو يقتل الخوئي، و هي تهمة ينكرها، حيث لا دليل عليها، و يقول شهود عيان أنه على الأقل ترك الخوئي يموت أمام عتبته، رافضاً نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج ” ..

و يضيف التقرير فيقول : “ بعد ١٥ عاماً، ما يزال الفقر و فساد الحكم على قمة قائمة شكاوى المواطنين العراقيين، و كانت هذه هي القضايا الكبرى في الانتخابات، كما أن الطائفية و التدخل الأجنبي، سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران، تشكل قضايا ملحة خاصة بعد هزيمة تنظيم داعش، و الحاجة للعودة لمصالحة وطنية بين العراقيين الشيعة و السنة و الأكراد ” ..

كما يشير : “ إذا انتهى الأمر بالصدر أن يكون المحرك الرئيسي في تشكيل الحكومة العراقية، فإن ذلك يعطيه صوتاً قوياً في البرلمان و الحياة السياسية في العراق لأربع سنوات قادمة، بالرغم من أن هذا التوقع يتسبب في صدمة للأمريكيين و الإيرانيين و دوائر الساسة التقليديين في العراق، إلا أن هذا لا يعني أن الأمر ليس مبشرا بالمرة ” ..

أخيرا، و كما أشرنا، ما حملته الأيام السابقات من تكملة لمسرحية الإنتخابات الهزلية، من إحتراق للصناديق الإنتخابية، و من ثم قيام تحالفات غير متوقعة بين الصدر و قيادات الحشد الشعبي، بعد بعض التفجيرات التي وقعت هنا و هناك، و مع قرب إنتهاء الفترة الزمنية المحددة لإعلان النتائج النهائية و تشكيل الحكومة، يمكننا القول أن التوقعات غير متفائلة على الإطلاق، بل متشائمة، خاصة و أن هناك إتفاق عام على ضعف شخصية الصدر و مكونات تكتله، و على توقعات بغلبة بل تقوية الخط الفارسي الإيراني و تأثيرها بل سيطرتها على مقدرات الدولة و المجتمع و السياسة في العراق، خاصة مع وجود قيادات الحشد الشعبي الذي أسس و درب و تم تمويله تحت إدارة و إشراف القوات الإيرانية الفارسية و حرسها الثوري ..

و لا زال الأمر في العراق، في أعقاب هذه الإنتخابات المسخرة، يتقبل كل الإحتمالات و التوقعات، إبتداءا من إلغاء النتائج، إلى فرض العد اليدوي للأصوات، إلى تشكيل و فرض حكومة طوارئ في ضوء الفشل الذريع للعملية الإنتخابية ..

و كما أقول و أتندر دائما، ” تيتي تيتي، مثل ما رحتي، جيتي “، هذا هو شعوري و أنا أتابع نتائج العملية التي تسمى ب ” الديموقراطية ” في بلدنا، حيث نرى نفس الوجوه تجتر نفسها و تكرر ظهورها و حضورها رغم فضائح الفساد و التلاعب المالي و الإداري التي تلاحق أغلبهم ..

قلبي يتقطع على العراق، و ما سيعانيه في الفترة القادمة، و ما أظنه هذا ما هو مطلوب و مخطط له من قوى الإحتلال، ليبقى البلد غائبا مغيبا، و مصدرا للموارد و الأموال للدول المحتلة و الشركات المسيطرة المستفيدة، و لكي لا تقوم له قائمة، و يبقى هذا حاله في الوقت الذي تنفذ مخططات أخرى في المنطقة، كلها تشير إلى مستقبل مظلم للعراق و دول المنطقة المجاورة، و الله أعلم ..

المقال السابقمنطق العنف ومنطق السلام في العراق
المقال التالىسِرُّ الكـَّلام
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد