سموقان .. الباب والمحراب


 

هو واحد من فناني الرعيل الأول ، وأكثر ما يميزه على الصعيد الشخصي كثير من الصبر والعند والثبات ، أما على صعيد اللوحة فتغلب تلك النظرة الكلية التي تجعل من عمله لحظي الإنجاز في كثير من الأحيان .. أدواته سطح أملس وسكين ولون يسيل وهو يستفيد من تقنية الإضاءة على لونين متغايرين عبر الحف بأدوات حادة (السكين ) الذي يشكل من خلاله مواضيعه الغابة.. الصياد والسمكة .. آنية الزهور .. وغيرها

إنه الفنان محمد أسعد سموقان وهو واحد من الأسماء الأكثر حضوراً ونشاطاً عبر مساعيه التنظيمية لإقامة المعارض والمنتديات .
كنت في ريعان الصبا حين التقيته أول مرة في مرسم الفنان معين الخطيب ( خرجنا سوياً ) حينها كنت أتلمس الطريق وأبحث عن صديق كانت غايتي أن أتعرف على جميع الفنانين في هذا البلد وكان من الواضح سموقان أو لا أحد .. كان لوقع اسمه ذاك الأثر في النفوس .. وكان هو ( الباب العريض أو عتبة الدخول لأي فنان ) .. و هو ( المحراك ال .. ) كما كان يحلو له ولبعض أصدقائه والمقربين منه .. بمعنى أنه المدير لدفة الحركة التشكيلية في المحافظة .. أما أنا فكنت أعتبر المكان والمكانة مسؤولية .. وأن من واجب من كرم بتلك الثقة والنزاهة الابتعاد عن الشللية ، وأما هنا فوجب علي وضع النقاط على الحروف وتحليل تلك اللعبة ما بين الحياة واللون على المكشوف

( قد نتفق أو لا نتفق وقد تتعرض علاقتنا لكثير من المد والجذر ولكن القلوب النقية لابد لها أن تلتقي مهما باعدها الدهر )
سموقان يعرف تماماً ما يريد وهو نحو مسعاه يخطو على حبال الوريد .. الخطوات والخطوط العريضة واضحة بالنسبة له وأقصد تلك التراتبية التي يبدأ وينتهي بها عمله على تلك السطوح الصقيلة من لحظة دفقه للون و ما يرافقها من خيارات متجاورة ومتباينة ثم متدرجة نحو الأكثر دكانة إلى لحظة الكشط بالسكين وما ينجم عنها من تأثيرات شفافة و إضاءات ، أما ما يأتي بينهما فهو لحظات الابتعاد والعودة المرهونة بخبرته اللونية و ما تحتاجه تلك الأخيرة من الوقت كي تجف أو ينتصف جفافها و بالنظر إلى لوحته يمكن القول إنها لا تنتمي بالمطلق إلى عوالم التجريد كما يحلو لبعض العامة حين الوقوف أمام عمل يحمل سمة الغرابة وهي طرقت ذاك الباب ( الغرابة ) عبر التكنيك المتبع و عبر الزاوية المنظورة للموضوع ، فالغابة هي مساحة حشائشية متشابكة ضمن بضعة أمتار في مكان ما وزمان ما حيث يحلو الاختيار وقد لا تتعدى عدة سنتمترات على حافة قبر أو عند ضفاف نهر حيث تنجلي العتمة عن المفردات ليتكشف من خلالها ضوء الفجر ، والأهم عبر عدسة مقربة لا تغيب عنها التفاصيل المأخوذة على عجل إذا فسموقان يلخص الكل عبر الجزء ويحكي حكاية الجزء مع الكل .. إنه يلخص منظوره للحياة وللعلاقات البشرية عبر موضوعه الغابة وسكينه التي تتحرك وفق إيقاعات موسيقية وفوضوية لتفسح المجال للضوء لرسم حدود أشكاله ومفرداته ، وهو يحقق ذلك التناغم بين ألوانه مهما تعددت وتجاورت عبر ذاك الحف للوصول إلى درجات توحد بينها و تجعل من الضوء ذاتي المنبع فالليل غلاف والسواد ينزاح ليكشف عن القمر الساطع و الضوء .. كل درجة تنزاح عن سابقتها .. وهكذا .. العلاقة تدور بين سطح ناصع ولون فاقع وظلام قابع

وبالنظر إلى مراحل تلك التجربة منذ بداياته التي اعتمدت الفرشاة كأداة لتحريك اللون بسرعة على السطح وفق إيقاع حلزوني يوازي انفعالاته والتعبيرية الألمانية كما جنون البحر وأمواجه وكما حركات معادة وأسماك .. ثم إلى .. مواضيع جديدة ومرحلة جديدة حيث الغابة وهي هنا ليست الأشجار العملاقة والأغصان وليست فكرة غير واضحة للفنان هي ( مساقط عمودية على سطح الأرض وزوايا قد لا تتراءى إلا عبر عدسات ) حيث الامتلاء والمزيد من النباتات والأشياء ( أشواك حشائش وزهور ) وكان همُّ سموقان هنا البحث عن أداة تلخصها وتكنيك يربط ما بين مفرداتها حين يصورها .. بسرعة أكبر اختصرت السكين الطريقة والطريق وصار لسموقان ألف سكين وصديق

أما في المرحلة الثالثة فكان التشخيص هو التحدي الأكبر لسموقان وكان عليه أن يقدمه دون أن يتخلى عن واحدة من اثنتين سكين اختصرت و أسلوبية نشرها و انتشرت وكان عليه أن يختار لتشخيصه موضوعاً فكان الصياد والقصبة والسمكة وما يحتاجه الموضوع من مفردات كلاب صيد وغيرها .. مابين تلك المراحل كان سموقان يعود إلى بعض أعماله السابقة ليتوجها بأفكاره اللاحقة فخفف من ذاك الضجيج الصريح وسمح للوحته أن تستريح عبر فرشاة رمادية أخفت وأظهرت وغطت مساحات ثم أضافت ضوءا مخالفاً عبر منبعها الخارجي المعاكس لطبيعة الضوء المنبثق من داخل اللوحة ومن الأساس .. قدم سموقان مواضيعه ( المرحلة الثالثة ) تحت عناوين تنتمي إلى الحكايا والأسطورة .. ( أما أنا فكنت أقول إن حياتنا بحد ذاتها أسطورة ) …

وأضيف إلى ما قلته وأقول إن الرغبة العارمة في التميز والاختلاف دفعت سموقان لأفكار كثيرة ابتداءً من معرضه الأول في الهواء الطلق إلى الرسم على المكعبات ثم الرسم على الشرائط القماشية الطويلة وعلى بطاقات اسمية صغيرة
وأما أنا فكنت أتساءل دوما هل كان سموقان يؤكد على قيمة فنية للجمال و والتزيين حين كانت لوحته تحرض السؤال دوماً حول ماهية الفن والغاية منه وهل كان يسعى لنهج حداثي من وجهة جمال يتعقب تكنيك مختلف أياً كان ما كان ففي اللاذقية عاصمة الفن تظل تلك القيمة لهذا المكان والزمان الذي كان الباب والمحراب فيه سموقان

لا تعليقات

اترك رد