بين المثقف والأكاديمي

 

لا يتعارض مفهوم الأكاديمي، أحياناً، مع مفهوم المثقف، بل إن مفهوم الدراسة الأكاديمية بمجمله لا يتعارض مع مفهوم الثقافة. لكن ما يثير النقد والاستهجان أن تختلط الرؤية وتمتزج نتيجة ما يصوّره الأكاديمي ويسوّقه عن نفسه بكونه المثقف الحصيف. فلا يصلح الخلط بينهما بالرغم من تمتع الاثنين بقدر من التوافق والانسجام، وبالرغم من أنهما يولدان من حاضنة معرفية واحدة.

ينتج الاختلاط من حقيقة أن المثقف والأكاديمي –على حدٍّ سواء- يعملان في المؤسسات نفسها، ويستلمان الراتب الشهري من الجهات ذاتها، لكن شتان بين الاثنين، إذ يشترط على الأول أن يتعامل مع واجبات أكبر مما على الأكاديمي التعامل معه، بل إن المثقف يجبر، في أغلب الأحيان، أن يتخذ دوراً ريادياً في التعامل مع علائق المجتمع; في النقد والاكتشاف والتصعيد والتورية وإيجاد الحلول، بالإضافة إلى القدرة المستمرة في التأثير على الناس، وتلك الاشتراطات لا يجب توفّرها في الأكاديمي، الذي تقتصر اهتماماته على إنجاز البحوث والدراسات، بل حتى الدراسة والنتائج البحثيّة لا يشترط توفّرها فيه، فالكثير من الأكاديميين يتعاملون مع البحوث لأجل التحصيل الوظيفي، والشهاداتوي، والارتقاء بالراتب، وزيادة العلاوات والترفيعات لا أكثر. ولذلك نجد الكثير من المثقفين أكاديميين، وليس الكثير من الأكاديميين مثقفين.

وهذه الفكرة بالذات، حاول أن يتبناها راسل جاكوبي Russell Jacoby في كتابه «آخر المثقفين» الذي وصفه إدوارد سعيد بالكتاب الذي أثار الكثير من النقاش، وحاول مؤلفه إثبات الدعوى التي لا يرتقي إليها الشكّ، حسب تعبير سعيد، في أن المثقف اللاأكاديمي قد اختفى كلّياً في الولايات المتحدة، ولم يخلّف بعد اختفاءه سوى مجموعة من أساتذة جامعات ممن استحوذت عليهم اللغة الاصطلاحية، والذين لا يعيرهم المجتمع أي اهتمام يذكر. ونتيجة لذلك، يضيف سعيد، إن المثقف اليوم أصبح أستاذ أدب منغلق على نفسه، ذي دخل مضمون، لا يستهويه التعاطي مع العالم الأبعد من حدود حجرة التدريس. وبذلك يزعم جاكوبي، على لسان سعيد، إن أمثال هذا الأكاديمي ممن يكتبون كلاماً مملاً، ومبهماً، ومقتصراً على فئة قليلة، ومتنافياً مع العصرية، غرضه الأساس التقدم الأكاديمي لا التغيير الاجتماعي.

ويعلل زكي الميلاد في كتابه «محنة المثقف الديني مع العصر» ظاهرة انغلاق الأكاديمي على نفسه ويقول أن “ما تكرسه النزعة الأكاديمية من روح فردية، وانغلاق على الوسط الأكاديمي، وما يفرضه الحقل الأكاديمي من اهتمامات وانشغالات تحتاج الى قدر من التفرّغ، وإلى صرف وقت طويل في إعداد البحوث وتحضيرها، بالإضافة إلى اللغة الاصطلاحية التي يتعامل معها الأكاديمي بألفاظها وتعبيراتها التي لا يتعامل معها رجل الشارع العادي”.

إن اشكالية الانغلاق، التي نوّه لها جاكوبي وسعيد، لا تتعارض مع كون التخصص والتخصص الدقيق يخلقان مجموعة مهمة من النخب والخبراء المهنيين الذين يساعدون في تطوير النتاج السياسي والاقتصادي والاجتماعي ضمن محيط تخصصهم وبحوثهم العلمية والتدريسية، لكن المشكلة تبقى قائمة في أنهم لا يستطيعون تجاوز تخصصاتهم والتطلّع أكثر من مستوى بحوثهم.

وهذا الفشل في إنتاج نماذج كبرى من المثقفين من أمثال؛ الجاحظ والفارابي والكندي وابن سينا وابن رشد، يعود إلى فشل المؤسسات التعليمية والتدريسية في أن تبدع لنا أو أن نبدع منها ما نستقلّ به في إنجاب مثقفين وفاعلين. وهي مشكلة عالمية وليست محلية إن كان في ذلك العزاء. فمن المستبعد أن تنجب هذه المؤسسات مثقفين أحرار يمارسون الثقافة بروح الاستكشاف والتقصّي، وبنزعة نقدية جريئة تواكب العصر والضروة والمجتمع.

هذا وسواه يذكره هاشم شرابي في كتابه «المثقفون العرب والغرب» فيقول إن “حياة ذوي الاختصاص لدينا حياة مهدورة وتدور في فراغ، وإن إنهاك ذوي الفكر والاختصاص لا يرتكز في العمل لأهداف اجتماعية يغنى بها المجتمع، بل في السعي وراء الرزق والمصلحة الفردية، وإن نشاطنا العلمي والفكري مبعثر لأنه يتألف من نشاطات فردية ذوات غايات خاصة لا يجمعها رابط اجتماعي موحد”.

لا تعليقات

اترك رد