” ولله أفكارٌ أخرى ” لعباس ثائر .. كثافة اللغة واستدعاء الأسلاف

 

(عليك أن تعرفي: انّ ما لنا ليس علينا،
وما علينا لم يكُ ساعةً لنا.
جئنا من ظلامٍ وعتمة، هكذا يقولون.
كانت مصادفةً
الآباء أرادوا المتعة،
فابتكروا الجنس).

هكذا يفتتح الشاعر العراقي الشاب عباس ثائر مجموعته الشعرية الأولى “ولله أفكار أخرى” الصادرة حديثاً وهي المجموعة الفائزة في المسابقة الأدبية التي أقامها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، للأدباء دون سن 35، لهذا العام 2018 والتي طبعها الاتحاد ومنح الفائزين عضوية الاتحاد.

تبدأ المجموعة بنص “ولادة الانسان- على ذمة الشعر”؛ حيث مشهدية الارتطامة الأولى في الحياة عبر الجنس ثم الولادة:
(الأمهات يفتحن السيقان،
ويصرخن عالياً
الخالاتُ والقريبات يزغردن
بأصوات تشدُّ القابلات،
والنبيُّ يشبعُ لكثرة الصلاة عليه!
في الساعة المليئة بالصيحات
والزغاريد والصلوات والأدعية).

ما يميز مجموعة عباس ثائر الأولى، ابتداء من عنوانها المختلف “ولله أفكارٌ أخرى” والعنوان لوحده كافٍ ليقدم لنا رؤية شعرية جديدة، تكشف عنها حزمة نصوص، اتسمت بتركيز جميل وتكثيف لغوي وصوري واقتناص نقاط سرد جديرة بالشعرية المناسبة لقصائد النثر، ثم إن الأسلاف حاضرون، في توظيف جميل يبرز هوية الخطاب الشعري باستحضار أسماء شعرية معروفة كمثل وديع سعادة، عباس بيضون، مظفر النواب، فرويد.

خيالٌ في منتهى الخصوبة يستثمره عباس ثائر في محاولات طريفة حيناً، متفلسفة حيناً آخر، في دأبه للكشف عن أسرار الوجود الإنسانيّ، شعراً:
(كنا غير آبهين، لا ندركُ خيبة السقوط).
ثم، تتداعى حلكة أخرى أكبر:
(تمتد يد القابلة
تسحبنا بقوةٍ
لحلكةٍ أخرى أشد من الأولى.
هكذا يرتطم الانسان بالحياة).

في 85 صفحة من القطع الوسط، احتوت المجموعة 33 نصاً- قصيدة نثر مقتصدة، في المجمل، لا تمتد طويلاً، وليست قصيرة بما يجعل منها غير ذلك.
(نلهو بأيادينا أو رؤوسنا
ثم نشتم فرويد؛
لتصنيفه اللعب بأعضاء الجسم مرضاً نفسياً!
ربما، نسي أن لا شيء مباحٌ هنا.
لم نكبر بعد..
فلماذا تسرقنا من الحياةِ حكمة النضوج مبكراً!).

في أكثر من نص، يستحضر الشاعر أسلافاً من العالمين العربي والعالمي، فبينما يحمل أحد نصوصه العنوان “فرويد رضيعاً”، ثمة أيضاً “وقفةٌ بين وديع سعادة وعباس بيضون”:
(كنت صائباً
“ليس للمساء إخوة” يا وديع
وكنت على حقٍ “خريف البراءة”
أفرغ البراءة من أوراقها
يا بيضون
قبل ليلةٍ من النص هذا
كان الشعر يغني مربكاً برأسي
فأتعاطى الأفكار على أنها جرعٌ إضافية
تزيل توتر النصوص…).

أسئلة الحياة وشغف الكتابة ناحية المرأة، بإسلوب مغاير. فمن بين “أمنيات كثيرة”:
(ماذا يحدث
لو وضعنا الأشياء في غير موضعها، مثلاً:
أن نضع القُبلة في الأماكن المرفوضة!!
أو نشعل الضوء في النهار
ونغلق عينه في الليل
وأشتاقكِ جداً ولا أتصل بكِ
ماذا لو تحتويني أكثر
كما لو أني قميصكِ
فبعض الاحتواء
صكُّ أمانٍ يقيد الخذلان! )

وبين اندلاعة السؤال- ارتطامة المجيء إلى الحياة، أو إلى “السقوط”، تتداعى حالةً من الانشطار الجميل، على ان الشاعر “يبدأ من الآخر لينتهي في المقدمة”:
(أبدأُ من الآخر
مثل آخر دراجةٍ في الماراثون
تحفظُ ملامح الفوز!
أتكاثرُ في مكاني، أنشطرُ؛
الوجود متفسخ؛
يحق للإنسان أن يكون بكتريا.
كثيراً ما أكرر الأشياء ذاتها
التأنيب الكثير عودة للذات.
لا تسألُ
عليك السكوت
الأيام التي يُصير بها الفرد رباً
يُنعت السؤال بالذنب!
كنتُ صامتاً طوال جلوسي،
الحاضرون أفرغوا ما في المائدة،
وملأوا الصحون والكؤوس بالهذيان والثرثرة.
أنا متهمٌ ومفضوحٌ؛
السكوتُ فضيحة؛
إذا ما كان أثرى من الأصوات).

المقال السابقالوطن والتاريخ – الدين والتدين
المقال التالىحسن برزنجي يتلمس الحبل السري بوعي جريء
صدام الزيدي شاعر وإعلامي يمني، عضو نقابة الصحفيين اليمنيين، عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، عضو هيئة تحرير مجلة نصوص من خارج اللغة الصادرة من العاصمة المغربية الرباط، محرر بموقع فضاءات الدهشة الأدبي العربي.. فائز بجائزة رئيس الجمهورية في الشعر بمحافظة المحويت، صدر له في 2010 "صوب نخّالة المطر"، ....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar قصي بن علي

    شاعر عظيم…
    حيث انه اقترب كثيراً من واقع حياة النفس البشرية…

اترك رد