السعودية صمام أمان لاقتصادات المنطقة آخرها كان الأردن


 

بعد صفقة القرن تعالت أصوات المزايدين ضد السعودية حيث وجدتها الفرصة السانحة في محاصرة السعودية بتحليلات سياسية تهاجم فيها مواقف السعودية من صفقة القرن وأنها نسقت مواقفها مع أمريكا وإسرائيل حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وفي المقابل مقابل تحقيق صفقة القرن ضغطت السعودية على الأردن من أجل أن يوافق على تلك الصفقة، بل وصلت أصوات مزايدين آخرين في تصوير أن الأردن بدأ يهدد بالانتقال إلى المحور الآخر محور المقاومة، لكنهم نسوا أن محور المقاومة انتهى، ولم يتبقى منه سوى بقايا متناثرة في طريقها للزوال عاجلا أم آجلا، لكنهم وجدوا فرصتهم في صفقة القرن من أجل استعادة إحياء هذا المحور من جديد.

لكن الشعوب العربية لم يعد ينطلي عليها تمرير مشاريع جديدة أو تجديد مشاريع فشلت أو كانت تستخدم قناع الدفاع عن القدس لكنهم في الحقيقة غيروا بوصلتهم وتحولت نحو الشعب العربي وبدأوا يشاركون في محاربة الشعب السوري عبر مليشيات تم تشكيلها حتى أصبحت دول داخل الدول كما في دولة في العراق وفي اليمن، ونسوا أيضا أن ملك الأردن عبد الله الثاني هو أول من حذر من الهلال الشيعي ( يقصد المشروع الفارسي لكن أدواته الشيعة العرب ) وهل يعقل أن ينتقل إلى المحور الذي حذر منه، كل ذلك فقط من أجل إيقاف الصمود السعودي السريع في اليمن، بعدما أخذ إشارات دولية بمواصلة مسيرته لإعادة الشرعية إلى اليمن.

نسي مثل هؤلاء أيضا أن الأردن ينسق سياساته مع السعودية بشكل مستمر في جميع المواقف دون أي انقطاع، ولو لاحظ مثل هؤلاء المزايدون أن بعد الاحتجاجات اتصل فورا الملك عبد الله الثاني بالسعودية لتنسيق السياسات في مواجهة هذه الاحتجاجات الاقتصادية حتى لا تتحول إلى احتجاجات سياسية خصوصا وهناك إيران متربصة ومليشياتها من الاندساس داخل هذه الاحتجاجات من أجل تحويلها إلى احتجاجات سياسية، وسبق لهم تجربة في البحرين عام 2011 زمن ما يسمى بالثورات العربية، لكن كانت السعودية أسرع منهم في إرسال درع الجزيرة بقيادتها لحماية البحرين من أن تتحول إلى يمن أو سوريا، وما انطبق على البحرين ينطبق اليوم على الأردن فقد أسرعت السعودية من خلال دعوة الملك سلمان لعقد قمة مكة تدعم الأردن لجمت المزايدين وأذهلت المحللين وأراحت الأردنيين من دخول بلدهم أزمة جديدة تضاف إلى بقية أزمات المنطقة.

حتى بعد هذا الاجتماع وتقديم المساعدات لا يزال هناك بعض المزايدين يعتبرون أن المساعدات التي قدمتها السعودية وشقيقتيها للأردن لا تتناسب مع حجم المأساة، ويعتبرونها قليلة نسبة إلى المساعدات التي قدمتها السعودية لدولة مصر، لكنهم أخطأوا التقدير عندما قارنوا الأردن البلد الصغير ببلد كبير مثل مصر، ومن الطبيعي أن تكون المساعدات تتناسب مع حجم الدولة والأزمة.

لكنهم لم يقارنوا بين مواقف إيران والسعودية تجاه جيرانهما فإيران تتجه نحو استغلال أزمات الدول والتدخل لإنشاء مليشيات ولا نحتاج إلى ضرب أمثلة، بينما السعودية تسارع إلى الوقوف مع الأشقاء في جغرافيا يتطلع جيرانها إلى الإضرار بها تحقيقا لمشاريعهم، خصوصا وأن إيران وأتباعها ومن يدور في فلكها بعضا من جماعة الإخوان الذين يجدونها فرصة بعد انهيار مشروعهم في مصر وليبيا وتونس تمنوا للأردن مستقبل مضطرب، وتوقعوا أن السعودية ستأخذ سياسة المتفرج نتيجة لما تعانيه من حرب استنزاف في اليمن مرتفعة التكلفة.

حيث أسهمت وسائل إعلامها في نقل بعض الأحداث ومحاولة تأجيج الشارع الأردني وللأسف حتى قناة الجزيرة الخليجية التي استثمرت المقاطعة وصورت الاحتجاجات بأنها سياسية، لكنهم اكتشفوا أن السعودية ومع أشقائها في الإمارات والكويت هي السد المنيع وصمام الأمان لمنطقة عربية يراد أن تعمها الفوضى وخلق مزيد من الاضطرابات.

لكنهم لم يستوعبوا أن السعودية تعي تماما خصوصية وحساسية الوضع الأردني الذي يعد عينة صغيرة في المختبر الاجتماعي للشرق الأوسط وهو لا يختلف كثيرا عن المختبر الاجتماعي في السعودية وبقية دول الخليج، خصوصا وأن السعودية تشترك مع الأردن بحدود تصل إلى 744 كيلو متر، ما يعني أن الاستراتيجية السعودية أن يظل الأردن بلدا مستقرا لأنه يقع في قلب الشرق الأوسط الذي يعد مركزا لآسيا وأوربا وإفريقيا، وتعتبر السعودية عمقا استراتيجيا للأردن.

الاجتماع الرباعي في مكة يضم الأردن والإمارات والكويت من أجل المساهمة في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية عن طريق الدعم المباشر أو ضخ مزيد من الاستثمارات التجارية بين الأردن والدول الأربع من أجل زيادة التبادل التجاري.

الأردن بلد ليس فقيرا لكنه بسبب وقوعه في منطقة مضربة ومعاناته من 1.5 مليون لاجئ سوري ينفق عليهم 10 مليارات دولار سنويا، وتأثر الاقتصاد الأردني بعدما تم إغلاق الحدود مع العراق وسوريا بسبب داعش، فتأثرت تجارته وصادراته التي انعكست على ارتفاع البطالة التي وصلت إلى 18 في المائة.

لذلك الأزمة الأردنية الحالية نتيجة تراكمات طويلة أعاقت نمو الاقتصاد الأردني وارتفعت ديون الأردن إلى 35 مليار دولار تمثل 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الفقر نحو 20 في المائة من السكان، ومتوسط دخل الفرد 700 دولار في السنة، يصل في السعودية أكثر من 20 ألف دولار، وفي أمريكا 54 ألف دور.

فعندما اتجهت الأردن إلى ضريبة الدخل هي لن تشمل الفقراء ولا متوسطي الدخل بل هي تستهدف فقط 8 في المائة من الشعب لأن هناك إعفاء ضريبي لمن دخله 8 آلاف دولار للفرد و 16 ألف دولار للأسرة، لكن أتت تلك الاحتجاجات نتيجة رفع أسعار الخبز 100 في المائة، وارتفعت ضريبة المبيعات من 4 في المائة إلى 10 في المائة، وارتفعت أجور النقل نحو 10 في المائة على الحافلات والتاكسي وكل الخدمات، لذلك كانت حركة الاحتجاجات الأكبر منذ نهاية عام 2011 عندما رفعت الحكومة الدعم عن المشتقات النفطية حتى تتماشى مع الإصلاحات الاقتصادية في دول الخليج لربما ستنضم مستقبلا إلى منظومة دول الخليج وسبق أن عرضت عليها دول الخليج الانضمام بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي.

اجتماع مكة الرباعي رسالة واضحة لكل من يزايد على السعودية حول صفقة القرن وهي تؤكد بأن السعودية هي والأردن سياساتهما واحدة، ورغم انخفاض أسعار النفط ومواجهة تبعات الحرب في اليمن اقتصاديا، فإن السعودية لن تتخلى عن العرب وخصوصا فيما يتعلق بالأردن، ولن تتردد في اقتسام خيراتها مع جيرانها، رغم أنها تمر بمرحلة تحول اقتصادي، لكن واجب الأخوة لن تتخلى عنه من دون من أو أذى كما تفعله إيران مع جيرانها.

التجاوب السريع من السعودية يعكس حجم استيعاب السعودية للخطر الذي يحيط بأشقائها والتعاطي معه بشكل نوعي، وإيمانها بضرورة صيانة وأمن واستقرار الأردن في إطار استقرار الأمن العربي الشامل وحماية دولها وشعوبها، خاصة بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي وتربص بعض الدول الإقليمية والجماعات المسلحة ذات الولاءات الخارجية لنشر الفوضى في الدول العربية، ما جعل القمة تتجاوز الحول التقليدية في التعاطي مع أزمة الأردن الاقتصادية بإقرار حلولا مستدامة تعود بنفعها وفوائدها على الشعب الأردني.

يعد خليج العقبة الميناء البحري الوحيد للأردن، الذي يقع جنوب العاصمة الأردنية عمان ويبعد عنها 350 كيلومترا شريان الحياة البحري للبلاد، وحلقة الوصل لها إلى العالم الخارجي عبر البحر الأحمر، وتتميز مدينة العقبة بموقعها الاستراتيجي حيث تربطها بمدينة حقل السعودية ومع مصر وتضم العقبة كثيرا من المناطق التجارية الحرة، ومنشآت صناعية مهمة.

يقع ميناء العقبة على الطرف الشمالي الشرقي لخليج العقبة، وهو جزء من البحر الأحمر الذي يبلغ طوله 1930 كيلو مترا وعرضه 360 كيلومترا ويصل عمقه إلى ألفي متر، ويضيق البحر الأحمر في باب المندب بعرض يصل إلى 26 كيلومترا، ويصل الساحل الأردني حتى الحدود السعودية 27 كيلو مترا.

تستعد العقبة وميناؤها إلى نقلة نوعية تجعلها في مصاف الموانئ العالمية بعد أن أعلن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي إطلاق مشروع نيوم الاستثماري وجهة المستقبل المشروع الأول عالميا وسيتم دعم المشروع بأكثر من نصف تريليون دولار، ويمتد مشروع نيوم بين السعودية والأردن ومصر بمساحة 26.5 ألف كيلومترا، وهي منطقة بمثابة نقطة التقاء تجمع أفضل ما في المنطقة العربية، وآسيا، وأفريقيا، وأوربا، وأميركا على مساحة 26500 كيلومترا مربعا، وتطل من الشمال والغرب على البحر الأحمر وخليج العقبة بطول 468 كيلومترا، ويحيط بها من الشرق جبال بارتفاع 2500 متر، ما يعني أن مشروع نيوم بمثابة نقطة ربط للمحاور الاقتصادية، ما يجذب رؤوس الأموال والاستثمارات العالمية إليه حيث ان الأردن في قلب هذا المشروع.

1 تعليقك

  1. المحترم الدكتور عبد الحفيظ محبوب

    السلام على مَنْ اتبع الهدى
    دكتور عبد الحفيظ إني أشفق عليكَ كثيرًا لأنكَ تكتب عن أمور أصبح يعرفها الداني والقاصي
    السعودية والامارات لا تحتاجان الى تبرير عمالتهما الى امريكا ومقالتك هذه هي تقلل من
    قيمتك كرجل استاذ وصاحب شهادة محترمة وعمر تجاوز عتييّا واخيرًا أقول [ رحم الله امرئًا
    نطق فغنم او سكتْ فسلم ]

    الحاج عطا

اترك رد