ظهور المرأة شخصية وقضية في المسرح

 

نافذة 02: المسرح والحياة

عبر نافذتنا اليوم لقراءة أخرى في ميدان المسرح والحياة؛ نجد إطلالة تنويرية، وسط دياجير ما أُشيع من ظلمات وفُرِض من قيود على حيواتنا.. سواء منها بمفردة تُعنى بالمرأة الإنسان قضيةً، أم المسرج جمالياتٍ وإبداع معالجات في تلك الإشكالية. إن مفردة ظهور المرأة، شخصيةً وقضيةً في المسرح هي من الأهمية بمكان صنوان مع تناولنا الكلي لوجودنا ومساره…

مع ذلك نجد أنّ الأمور سارت باتجاهات متناقضة بأحيان ومجتزأة مشوهة في أحايين أخرى. ومنذ انطلاق المسرح بمجتمع دولة المدينة كانت الإشكالية مطروحة بتنوعات واختلاف تمظهراتها.. وغذا كان المجتمع البشري بدئاً قد عدَّ تلك الاشتغالات المجتمعية طقساً احتفاليا يتشارك فيه الناس نساءً ورجالاً فإنه قد تراجع في مراحل تالية ليُقصي المرأة بعيداً في أعماق كهوف مظلمة سميِّت بيوتاً فالبيت عامر بالحيوية والمشاعر الإنسانية وبالقيم النبيلة والكهوف غياهب جب معتمة بوحشية ما تستنزل من عقوبة أبدية بوساطة قيود مصطنعة بمرجعية شروط ما وردت بنص مقدس أو بقيم سليمة ناجعة ولكنها تأتت في قيم الاستغلال بمجتمعات تحكمها الظلاميات..

وبعصرنا أمعنت بعض النُظُم الاستغلالية في تعطيل نصف المجتمع بفلسفة ذكورية لا تعني إقصاء المرأة ولا الاكتفاء بحجبها بمنطقة التعطيل والتبطل بل وتشويه الرجل وقيمه بما يضع المجتمع برمته بأزمة إنسانية جلية.. وعليه فمجتمع يستعبد المرأة ليس حراً إذ تأسره منظومة قيمية تتقاطع وأنسنة وجودنا وعدالة ما يجب أن يحكمه..

من هذه البوابة لا نعثر للمرأة وجوداً ملموسا بمسرح الريادة عربيا شرق أوسطيا ولا عراقيا.. وكانت الأدوار النسوية يؤديها رجال على الركح، أما حال المعالجة والظهور فهو حال طارئ هامشي حتى عندما يمر على تجسيد نساء خلَّدهن التاريخ أو لهن مكان ومكانة ومنجز بهي مميز؛ فالأمر هنا هو من ظلال تعكس ثقافة أحادية سلبية ذكورية بكل ما تتضخم به من منظومة قيمية مرضية..

وجماليات مصنوعة بظلال الاستغلال هي جماليات مفرغة من العمق الإنساني وقيمه، وهي سطحية تركز على تشيئ المرأة وتحويلها لبضاعة بمقاييس بعينها، تشوّه الإنساني. وحينما صعدت المرأة الركح بدأ الأمر بنظرة فجة تنتمي لإسقاط وكأنها في ماخور للاتجار؛ بالمناسبة مازال جواز سفر الفنان يعني الاستهانة بذاك الإنسان ومكانه ومكانته مجتمعيا بسلم تراتبي يسيئ له وبمنظومة قيمية مرضي ولننظر هنا كيف يكون الأمر مع المرأة بمهنة إبداعية جمالية فنية!

وبهذه البيئة الثقافية المشوهة حجب الكتّاب بفلسفاتهم الذكورية مناقشة المرأة قضيةً بتنوعات مفرداتها ومحاورها وباندماجها بالشأن الجمعي ومناحيه؛ فتم إقصاء تلك القضايا بعيداً، وحيثما ظهرت المرأة، كانت تظهر على هامش حراك عام يديره الرجل بتلك الفلسفة…

إنّ عدداً من الكاتبات المسرحيات ونسبة منهن ما زلن هنّ الأخريات بذات الفلسفة التي شطرت المجتمع الإنساني نصفين متعارضين مصطرعين سلبياً وهذا ما يجسد مسار الخطاب الإنساني منذ أكثر من ألفي عام بعمق تاريخنا ومنذ ولادة المسرح شرق أوسطيا، ولم تعدّ المرأة على سبيل المثال إلى المسرح في السعودية إلا بعد 50 سنة كانت أما معزولة بمسارح مغلقة أو بترتيبات اشرنا إليها فيما تعاود اليوم مع مسار المتغيرات الإيجابية العامة ومثله تنفتح كوة جديدة بعدد من بلدان المنطقة باختلاف تمظهرات تلك الكوة ونافذة ضوئها..

في العراق، لرد كان رجال يؤدون أدوار النساء وحين صعدت الركح وظهرت كاتبات كانت التناقضات تحكم الأمور ولم يكن هينا ذلك المسار لكن ما يعنيني بهذه الومضة أن أسجل حقيقة أن ما يحكم الاتجاه العام لم يكن دائما هو الدين والنصوص المقدسة كما يزيف بعض الكهنوت المزيف.. ولعل أحد البراهين والأدلة يتمثل في وهج أدوار المرأة العراقية في المسرح منذ خمسينات القرن الماضي وستيناته مرورا بعقود تالية حتى تأتي سلطة الدجل والتضليل ومن ارتدى عمامة الزيف وعباءة الدجل أُعيدت المرأة للأسر ومُنِعت من الظهور الركح مرة وتم تصفيتها في أخرى، سواء التصفية الجسدية ببشاعاتها أم التصفية الثقافية..

كانت فقيدات الثقافة التنويرية الفنانات زينب وناهدة وزكية وغيرهن لسن حالة عابرة يشاهدها المجتمع في صالات المسرح بل كنّ وسط العوائل العراقية يُذكر لهن عبارات ظل المجتمع يترنم بها ويأخذها نموذجا فاعلا في تبني القيم الاجتماعية المتنورة أم في تبني الفكر السياسي التحرري.. ومن هناك كان صوت أنا أمك يا شاكر بطوليا اقتحم الميادين لتولد قيم الثورة، قيم التغيير، قيم الحرية والتقدم والسلام..

وهل تلكم الصورة البهية إلا فعل شخصية واعية مؤثرة، غير محصورة بضيق أفق أو بحدود أداء أدوار واشتغالات فردية كسبا للرزق بل شخصية المرأة الإنسان تدرك دورها الفردي والجمعي في الحراك العام وصنع التغيير.. وبوقت تجرف الآلة القيمية لتشيئ الإنسان نسوة مثلما رجال نحو فلسفة مشوهة مضللة فإن كثيرا بل نسبة مهمة وكبيرة من رائدات الفن تمسكن برائع مهامهن الإنسانية المجتمعية والدفاع عن قيم الحياة الحرة الكريمة…

أما خبثاء الدجل والتضليل من مزيفي التدين السياسي الذي يُخفي تحت عباءته أشكال الانحراف والمفاسد فإنهم فرضوا على المرأة اليوم عزلة وأغلقوا عليها حُجُب التخلف والتشويه ونتانة ما يفرزون…!

لقد ناقشت مبدعات عراقيات قضايا المرأة بعمق أكد التناول الذي لا يفصب قضايا المرأة عن القضايا المجتمعية من جهة فيما اشتغل على الدور الاستثنائي لها في الملمات والنوائب..

وكانت رفيقة أخيها في الحروب والأزمات السياسية والضغوط الحياتية، ولم تبق في حينها حبيسة الاشتراطات والقيود ونير الاستعباد الذكوري.. وبهذا ظهرت شخصية المرأة بطلة مسرحية بمختلف موضوعات الدراما العراقية وهو نموذج ينفتح بصورة إيجابية مماثلة بالمستوى الإقليمي بدول أخرى مع خصوصية اجتهاد بكل بلد ومجتمع..

إن المرأة بالمسرح العراقي لم تظهر مجرد أم، أخت، زوجة وصديقة وزميلة تعكس واقع المجتمع وتقاليده بل ظهرت الشخصية النمطية الرامزة للطبقات والتيارات بتناقضاتها وصراعاتها وظهرت ممثلة للقضايا ومعانيها السامية بخاصة تلك القضايا من قبيل قضية الحرية بين إفساد ومنظومته المرضية كما أراد طرفا الفساد من بعض السادة في الوسط الأرستقراطي ومن المتسترين بعباءة يسمونها الدين وبحقيقتها لا علاقة لها بدين ونص مقدس سوى بشكل يستدعي الرمزية في ذاكرة الرائي المتلقي، وهو استدعاء شكلي بائس ولعلنا اليوم تحديدا بالمستوى العراقي نحيا تلك التمثيلية الفجة السمجة اللاأخلاقية وليست الأخلاقية كما يزيفون…

لقد صادف مثل هذا يوم صعد الأخوان المسلمون بمصر وكسد العمل السينمائي والمسرحي ببهاء أدواره المشهودة أما بنموذجنا العراقي فإن الظلام يخيم على الجميع كما كهوف بلا أبواب.. أما كوة هنا وأخرى هناك فإن أضواءها بهية ببهاء منجزها والتحدي الشامخ لقيود الاستعباد ونيره لا الديني كما يزعم ولكنه الأدخل بتقاليد الموت وأكفانه الممثلة بعباءات رجال الدجل الديني ولا أقول رجال الدين ومن اشير إليهم هم زعماء حرب على المجتمع والإنسانية ممن يصادر الحريات ويسلب الحقوق بادعاء التمثيل الحصري للنص المقدس تنزَّهَ عمَّا يدَّعون…

وفي سجل النقد المسرحي، ما نفخر به عربيا ومع شعوب المنقطة برمتها في الإشارة إلى المرأة وأدوارها والشخصيات التي جسّدتها. وغالبا ما كانت المرأة في المسرح فضاء تنوير مما يمنح فرصة لاشتغال المنطق العقلي وببعضه المنهج العلمي بمعالجاته..

فوجود المرأة شخصية وفنانة مبدعة تؤدي الدور مصدر إضاءة مميزة وقوة جذب.. إذ لا يمكن أن تستقيم الأمور بالمسرح ما لم يجسد وجودنا الإنساني بعيدا عن الوضع الأعرج المشوه بل بمديانه الحق حيث الإنسان رجل وامراة وحيث العائلة من هذا الثنائي الباقي بل لا ولادة ولا مسيرة إنسانية متصلة من دون المرأة..

لهذا كانت النخلة والجيران ومازالت في الذاكرة العراقية ودوري زينب وناهدة ولهذا بقيت أزادوهي ولهذا بقيت سعدية وفاطمة وغيرهنّ بكل المعاني التي عولجت ولا يستطيع الدجل بكل أضاليل من يقف وراءه محوها..

إن إقصاء الشخصية النسوية يعني إعدام الأمهات والأخوات والزوجات وإنهاء وجود المرأة في ظاهرة مستحيلة بينما سيبقى وجودها ظاهرة طبيعية وبينما معالجات المسرح تقدم لنا حتى ببعض الأدوار العابرة جماليات بهية تبقى أشكال التشويه بتقاليد تفشت بها قيم سلبية مرضية حال من الفروض البائسة الوبائية نقيضا للسمو الإنساني لنبيل القيم في وجود المرأة قضية وشخصية في المسرح…

وهو ما أدعو علماء الاجتماع بتفرعاته من سوسيو سايكولوجي واجتماسياسي وغيره لينهضوا بواجبات دراسته وتناوله إلى جانب الدراسات والمعالجات الجمالية الفنية والبحث بتفاصيلها…

إن هذا الملف يطرح أسئلته المركبة علينا لا فنيا مسرحيا حسب بل وبكل الإبعاد والامتدادات الأخرى من قبيل المسرح النسوي والإبداع النسوي (الأنثوي) وقراءة تفاصيل ذبك بإطاره المجتمعي الذي لا يضع الأمور بتعارض وبانفصال بقابل الذكوري سلبيا فيما وجودنا يبقى بوحدة الأنسنة ومعانيها…

ولربما توافرت فرص لدراسة الشخصيات النسوية التي ظهرت بأعمال درامية غنية متنوعة وايضا أدوات الكتابة والتمثيل والإخراج وغيرها عند فناناتنا ومستويات التعبير ومدارسها ومنجزاتهن، وطابع الجرأة والشجاعة والطاقة التوليدية التي بعثنها بمسيرة المسرح التي نافت على القرن..

أما هنا في هذه المعالجة فعسى أن أكون قد عرضت وجها من أوجه الاشتغال المسرحي مما أعد بمتابعته معكن ومعكم ومع ترسلونه من تساؤلات وتفاعلات

إطلالات تم انجازها
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 10: ظهور المرأة شخصية وقضية في المسرح
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 09: مسرح الطفل وصيغ التعبير والمعالجات الدرامية
نوافذ وإطلالات تنويرية\\نافذة 2: المسرح والحياة\\إطلالة8: رسائل المسرح ومستوى قراءتها.. ثقافة الركح وثقافة الصالة؟
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 7: الواقعية وهوية التوظيف في المسرح العراقي…؟
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 6: كيف نقرأ واقعنا الإنساني بعين المسرح وشهادته…؟
نوافذ وإطلالات تنويرية \ نافذة 2: المسرح والحياة \ إطلالة 5: مدارس الدراما ومذاهب لعصر وأساليب الاشتغال الفكرية
نوافذ وإطلالات تنويرية\|نافذة2: المسرح والحياة \ إطلالة 4: استقراء مصادر الشخصية الدرامية ودعم حركة التنوير والتغيير
نوافذ وإطلالات تنويرية \ نافذة 2: المسرح والحياة \ إطلالة 3: الحدث الدرامي مؤشَّرات ارتباطه بالحياة ودلالاتها.
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 2: انكسار مسيرة التمدن وتمظهراتها في الدراما وقوانينها
نوافذ وإطلالات تنويرية \\ نافذة 2: المسرح والحياة \\ إطلالة 1: معاني المدنية والتنوير في ولادة المسرح

لا تعليقات

اترك رد